
تستمر حرب الأدغال منخفضة الكلفة في الغليان على نار هادئة، حيث لا تزال غالبية الحوادث الأمنية محصورة في المجال الريفي. إنها حرب تقوم على إنهاك الخصم، وتفتيت انتشاره، وتوسيع رقعة الجبهة، وتدمير أدوات الإنتاج، وتعطيل سلاسل الإمداد نحو المدن، مع فرض اتفاقات محلية مؤقتة لعدم الاعتداء. هذه المقاربة باتت تمثل الإطار الناظم لتحركات الجماعات المسلحة منذ صيف 2025، ويبدو من غير المرجّح أن تشهد تغيرًا جوهريًا خلال عام 2026.
وقد بدا أن النقيب إبراهيم تراوري، قائد السلطة الانتقالية في بوركينا فاسو، استشعر هذا المسار مبكرًا، حين حذّر خلال قمة تحالف دول الساحل في باماكو يوم 23 ديسمبر 2025 مما وصفه بـ«الشتاء الأسود»، مستحضرًا بصورة لافتة مجازر الإبادة في رواندا عام 1994. خطاب لقي تصفيقًا واسعًا من جمهور لا يبدو أنه استوعب تمامًا دلالاته العميقة. غير أن استمرار القتال، وغياب أي مبادرات دولية جدية للتهدئة، ورفض الأنظمة العسكرية التفاوض، يمنح تلك النبوءات القاتمة قدرًا متزايدًا من الواقعية.
في المقابل، يُلاحظ غياب شبه تام للعمليات الانتحارية، وهو أسلوب يبدو أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين قد تخلّت عنه ضمن مراجعة عقائدية تميل إلى ما تصفه بـ«الاعتدال»، بما يسمح للجماعة بالتمايز عن تنظيم الدولة الإسلامية، منافسها الرئيسي، المعروف بكثافة اعتماده على التفجيرات الانتحارية.
ورغم أن الدعاية الصادرة عن الجماعة تعكس احتفاظها بقدرات هجومية موزعة داخل فضاء تحالف دول الساحل، فإنها تكشف في الوقت نفسه عن حدود هذا المشروع. فمعظم الهجمات تندرج في إطار المضايقة المستمرة، وهو ما يشكل اعترافًا ضمنيًا بعدم التكافؤ العسكري أمام خصوم أكثر تجهيزًا. ويظل الهدف الأساس هو الصمود، والاستمرار، وإطالة أمد المواجهة.
ولا يبدو أن حسم الصراع لصالح طرف واحد ممكن في المدى القريب، إلا عبر تدخل دولي واسع النطاق، على غرار عملية “سيرفال” عام 2013. غير أن السياق الدولي الحالي، المثقل بالصراعات وتراجع التعددية، لا يوحي باستعداد أي دولة — بما فيها الدول الإفريقية — للمغامرة دفاعًا عن ساحل خالٍ من المشروع الجهادي.
وبينما تتواصل دوامة الاستنزاف، تتبادل الأطراف الإفريقية العنف، في وقت تبيع فيه قوى دولية، كروسيا والصين وتركيا، أدوات القتال منخفضة الكلفة وعالية الفاعلية، من طائرات مسيّرة ووسائل مراقبة وذخائر.
في مالي، بثّت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين تسجيلًا مصورًا للضابط أحمد توريه واثنين من مرافقيه، الذين كانوا قد اختُطفوا يوم 27 ديسمبر 2025 في ضواحي العاصمة باماكو. وقد نُشر الفيديو بعد نحو شهر من عملية الاختطاف، وهو تأخير يُرجَّح أنه مرتبط بتأمين مكان الاحتجاز. ولم يتضمن المقطع أي معلومات عن ظروف الأسر أو احتمالات الإفراج، لكنه يندرج ضمن أسلوب الجماعة القائم على الضغط الإعلامي، واستدعاء الرأي العام، والتلويح غير المباشر بورقة تبادل الأسرى مع السلطات.
كما نشرت الجماعة مادة دعائية جديدة تضم حصيلة إحصائية لعملياتها بين ديسمبر ويناير، بأسلوب بصري أكثر حداثة مقارنة بإصداراتها السابقة. ووفق هذه الحصيلة، تزعم الجماعة تنفيذ أكثر من 59 هجومًا، و11 كمينًا، وزرع 22 عبوة ناسفة، إضافة إلى عمليات قصف محدودة. كما ادّعت تدمير 17 آلية عسكرية وأربع وسائل نقل أخرى، وتنفيذ عمليتي قصف مدفعي، واستخدام “أسلحة متنوعة”، مع إعلان مقتل 86 عنصرًا من القوات المسلحة المالية وحلفائها، بحسب روايتها.
ويُظهر الاعتماد المكثف على الأرقام والرسوم البيانية محاولة لتعويض محدودية المكاسب الميدانية بتضخيم الأثر الرمزي. فالحرب، في جوهرها، لا تزال حرب استنزاف منخفضة الكلفة، تقوم على الكمائن، والهجمات السريعة، والانسحاب المنظم، دون السعي إلى إدارة الأرض أو السيطرة الدائمة عليها، في درس يبدو أن الجماعة استوعبته جيدًا منذ تجربة 2012–2013.
في المقابل، كثّفت القوات المسلحة المالية من بياناتها العملياتية، معلنة تنفيذ ضربات جوية متتالية. ففي 25 يناير، أكدت هيئة الأركان أنها رصدت “تحركات مهمة لجماعات إرهابية مسلحة” جنوب شرق معسكر موردياه، لتنفذ على إثر ذلك ضربات جوية أسفرت عن تحييد المجموعة المستهدفة. كما تحدثت عن عمليات برية وجوية في مناطق ديولا وزانتيغيلا وسيكاسو، وعن ملاحقة منفذي هجوم استهدف نقطة عسكرية يوم 21 يناير داخل غابة فاطيا، حيث أعلنت ضبط وسائل اتصال، وهواتف، ومعدات إنترنت عبر الأقمار الصناعية، وألواح شمسية، وبطاريات، ومؤن غذائية، ومواد لصناعة العبوات الناسفة.



.jpeg)

.jpeg)