
كانت النيجر، وما تزال، أقل دول التحالف الثلاثي تأثرا بالحالة الساحلية، بما تضم هذه الحالة من تشابك لمقاولي العنف الثوريين المنضوين و/أو المتحالفين مع القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية، وحاملي المظالم العرقية والناشطين في التهريب، وحركات التمرد. ورغم شساعة المساحة والعزلة الخانقة لبعض المناطق، ظلت النيجر بمنأى عن أي اضطرابات أو تمرد واسع النطاق خلال العقد الماضي وبدايات هذا العقد. ولم يستتبع التمرد الطوارقي العربي الأخير في إقليم أزواد هبة مماثلة له في إقليم أزواغ. ويبدو حضور الطوارق والعرب (البيظان منهم وغير البيظان) في النيجر أكثر بروزا، (حتى) في الشارع في نيامي وفي المرافق العمومية والإدارات. ولعل ثنائية الزارما والهاوصا قد وطأت نيامي، أكثر من باماكو، لتستوعب الآخر الشمالي بدويا ظاعنا أو شبه ظاعن صاحب أبقار. وقد بدت نيامي مع انتخاب صاحب الغيبة الكبرى محمد بازوم استثناء حقيقيا في محيطها الساحلي. ومع إغلاق ذلك القوس العربي في النيجر، حافظ المجلس العسكري على حضور قوي لمختلف المكونات والعرقيات في المناصب العليا، فاستعاض عن الرئيس العربي برئيس وزراء من قومية التبو، ظل يحتفظ بالإضافة إلى رئاسة الوزراء بحقيبة المالية حتى قبل بضعة أيام، هو محمد الأمين الزين.
ولعل فرادة الحالة الساحلية في النيجر هو قربها من العاصمة نيامي. فعلى عكس مالي وبوركينا حيث تبدو الأطراف القصية أكثر استعصاء على الدولة المركزية، ظلت أقصى المناطق الشمالية من البلاد (أغاديز وآرليت والسمقة وبيلما) بمنأى عن أي تمرد أو نشاط للجماعات المرتبطة بالقاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية. وقد تركزت الهجمات ونشاط الجماعات المسلحة في منطقة تيلابيري على مرمى حجر من العاصمة. وكان مقتل أربعة جنود أمريكيين وخمسة من النيجر في منطقة تونغو تونغو سنة ٢٠١٧ إيذانا بأيام عصيبة وامتداد لتنظيم الدولة وانغراسا له بين ثنايا التناقضات العرقية والصراع بين المزارعين الزارما والرعاة الفلان. ورغم محدودية الانتشار الجهادي في النيجر بمنطقة تيلابيري، فإن قربها من بؤر التوتر في المثلث الحدودي مع مالي وبوركينا فاسو، لا سيما إقليم منكا، حيث دارت أكثر المواجهات العرقية دموية بين إدوسحاق الطوارقيين والفلان بما لها من تشعبات وامتدادات، وحيث الذاكرة المشبعة بالقتل والثأر خلال السنوات الماضية، قد ساهم في عسكرتها واستدامة ما تعيش هذه المنطقة من قلاقل واضطرابات.
ولهذه الأسباب، وغيرها، يبدو الهجوم على مطار حماني ديوري بالعاصمة نيامي تطورا بارزا في المشهد الأمني وخريطة الصراع وأدواته بالنسبة للنيجر. فهذا الهجوم المماثل لهجوم آخر شنه تنظيم نصرة الإسلام والمسلمين على مطار العاصمة باماكو نهايات ٢٠٢٤ مساس بقلعة تياني الحصينة حيث تدار وتصاغ الاستراتيجية العسكرية لدول الساحل. ففي محيط مطار نيامي تقع القوات المشتركة لدول الساحل وبها مقر القاعدة الجوبة ١٠١ التي تضم المسيرات، وهي القوة الضاربة لدول الساحل في حربها ضد الجماعات الإرهابية. ومطار العاصمة نيامي له رمزيته الخاصة في بناء السردية والشرعية لتحالف دول الساحل.. فبالمظاهرات التي احتشدت أمامه بعيد الانقلاب العسكري سنة ٢٠٢٣، نجح تياني في إرغام فرنسا على إخلاء أهم قاعدة عسكرية كانت لها في النيجر، وبتلك الحشود لوح تياني في وجه القوات الأمريكية التي كانت تتخذ من أغاديز مقرا لها ليرغمها على مغادرة البلاد.
ولعل هذا الهجوم الذي لم تتضح بعد معالمه وخريطة ما خلف من ضحايا ودمار، متزامنا مع ما تعيشه باماكو ومحيطها من هجمات على سلاسل إمداد الوقود، يمثل فصلا جديدا من عمر هذا الصراع. فهو، قبل كل هذا، هجوم مضاد على الإعلان عن تفعيل القوة المشتركة لتحالف الساحل التي يقع مقرها في هذا المطار. وهو بذلك نسخة مكررة من الهجوم الذي استهدف سنة ٢٠١٨ مقر قيادة تحالف دول الساحل الخمس G5 Sahel في منطقة سيفاري أيام عزها والنشوة بتشكيلها وبما قد تمثل من قدرة على مواجهة ما تعج به منطقة الساحل من تحديات.
بابا ولد حرمة
صحفي دولي



.jpeg)

.jpeg)