الغُربة بين المكان والشاشة: حين يصبح المنفى إشعارًا على الهاتف

لفترة طويلة، كان يُنظر إلى «الغُربة» — ذلك المنفى الطوعي أو القسري — على أنها قطيعة واضحة بين عالمين:

من جهة، بلد الاستقبال الحديث، السريع، المتصل، المشكَّل بالشاشات.

ومن جهة أخرى، بلد الأصل البطيء، الدافئ، القائم على القرب الأسري، والصداقة، وسلطة الكبار.

تقابل يكاد يكون أنثروبولوجيًا بين عالم رقمي وعالم قائم على الروابط الاجتماعية.

لكن لدى جيل جديد من الموريتانيين في المهجر، بدأت هذه الحدود تتلاشى.

فالإحساس بالاغتراب لم يعد يُقاس بالكيلومترات، بل بعدد الإشعارات.

 

العودة إلى الوطن… والعودة إلى الشاشة

 

عند العودة «إلى الوطن»، يستعيد المغترب الوجوه المألوفة، والنسيج الاجتماعي المتماسك، والحوارات الطويلة، والأعراس، وتضامن العادات، وتلك الهندسة الدقيقة للاحترام تجاه الكبار.

ولا تزال التقاليد، أحيانًا، حاضرة بكل وقار في البيوت، والخيام، والأحياء.

لكن في زاوية صالون مكيَّف، أو على شرفة، أو في بيت متواضع، أو خلال جلسة عائلية، يفرض فاعل جديد نفسه: الهاتف الذكي… حاضر في كل مكان، وسلطوي بصمت.

 

حدّ اجتماعي جديد

 

أصبح الهاتف المحمول هو الحدّ الحقيقي للحياة الاجتماعية المعاصرة.

سواء كان المرء في باريس أو مدريد أو نواكشوط أو في قرية من قرى الحوض، يلاحظ المغترب السلوكيات ذاتها:

نظرات مشدودة إلى الشاشة، أحاديث تُقطع بسبب الإشعارات، مقاطع فيديو تعوّض الصمت المحرج، ونقاشات افتراضية تلتهم زمن اللقاء الحقيقي.

 

لم تعد الشبكة ترفًا؛ بل صارت أولى الضروريات.

نشتكي من ضعف الصبيب، نغيّر الباقات، ونبحث عن الشبكة داخل البيت العائلي كما لو كنا في مترو أوروبي.

 

توحيد الخيال الاجتماعي

 

هذا التحول ليس تقنيًا فقط، بل يمس الخيال الاجتماعي ذاته.

فوسائل التواصل تصوغ الغضب، والطموحات، والأذواق، وحتى أنماط الاستهلاك.

إنها تقرّب المسافات بقدر ما تُنهك الانتباه.

الفلاح، والطالب، والتاجر، والجدة، والموظف… جميعهم يبتلعون، دون وعي، سيلًا دائمًا من المعلومات — غالبًا سطحية، ونادرًا ما تُهضم.

يتعولم النظر، ويتشظى التركيز، ويخفت الإحساس بالعيش «في مكان آخر».

 

لم يعد المنفى صراعًا بين عالمين، بل تركيبًا لعالم واحد… متصل.

 

غُربة ذهنية

 

تغدو «الغُربة» حينئذ أقل جغرافية وأكثر ذهنية.

لم نعد نغادر عالمًا لاكتشاف آخر، بل نسكن في آنٍ واحد نسختين من العالم نفسه.

لم يعد المغترب معلقًا بين تقليد وحداثة، بل غارقًا في تدفّق عالمي من الصور والآراء والمحتويات التي توحّد اليومي وتسطّحه.

 

أما ما تبقّى من الاختلاف الحقيقي، فيختبئ في مكان آخر:

في لحظات التوقف الطويلة، في الحنين، في الإيماءات اليومية، في المطبخ، في التقاليد المتجذرة، وفي الدفء الإنساني الموروث…

هناك حيث لم تُوحِّد التكنولوجيا الزمن بعد.

 

لم تعد «الغُربة» تعني العيش بعيدًا،

بل تعني العيش متصلًا.

أحد, 25/01/2026 - 09:02