الساحل: غرقٌ بطيء على وقع السلاح

تتواصل حرب الفقراء، من دون أن يلوح في أفق الرمضاء المغبر أي منتصر. فقد غادر الأمل صحراء الصحراء الكبرى وسهول السافانا الشاسعة. وفي إفريقيا، القارة المنهكة، يبدو عام 2026 مرشحًا لأن يكون امتدادًا لتصاعد لا يُردّ من المجازر والانقلابات. فتركيا ستبيع مزيدًا من الطائرات المسيّرة القتالية، والصين تزوّد بدورها كميات متزايدة من ذخائر المدرعات ومعدات التنصت، فيما تواصل الجماعات الجهادية التكيّف مع الواقع الجديد. ولا يزال الاتحاد الإفريقي يراهن على نصر عسكري قادر على خنق الجهاديين، بينما يشيح أنصار “الحقيقة الرمادية” بنظرهم، وقد استبدّ بهم القلق، خشية تهور سياسي محتمل يعيد خلط الأوراق. إن غموض المرحلة وحدّة تهديداتها يدفعان القوى الكبرى إلى إذكاء الفوضى، مع ما يحمله ذلك من خطر الغرق فيها. ولم تعد إفريقيا أولوية دولية، في ظل تشظي بؤر الصراع في أنحاء العالم، لتجد نفسها مضطرة إلى الدفاع عن ذاتها وحيدة، يوم تعجز عن دفع أثمان المرتزقة وتجار الموت.

 

في مالي، لفتت كثافة البيانات الصادرة عن هيئة الأركان العامة خلال الأسبوع المنصرم الانتباه، سواء من حيث تواترها الزمني أو اتساع رقعتها الجغرافية، بما يوحي بزخم عسكري غير مسبوق. ففي الفترة الممتدة بين 13 و17 يناير 2026، أعلنت القوات المسلحة المالية تنفيذ سلسلة ضربات جوية في غرب البلاد ووسطها وشمالها. وقد استُهدفت تجمعات مسلحة قرب مدينة كايس، وفي محيط أندرابوكان، وفي منطقة ميناكا، إضافة إلى شمال شرق سارافيري بإقليم تمبكتو. كما طالت الغارات مواقع تقع شمال شرق سيبي في دائرة بانامبا بولاية كوليكورو، قبل أن تؤدي ضربات أخرى إلى تعطيل منشأة لمعالجة الذهب شرق تيساليت بولاية كيدال، قرب الحدود الجزائرية. ووفق الرواية الرسمية، أسفرت العمليات عن تحييد “عدد معتبر من الإرهابيين” وتدمير عشرات الدراجات النارية والمركبات المموهة ووسائل النقل والإمداد.

 

وخلال خطابه في 20 يناير بمناسبة الذكرى الخامسة والستين لتأسيس الجيش المالي، أشاد الجنرال عاصمي غويتا بما وصفه بصعود قوة مؤسسة “محنكة، مهنية، وأكثر مرونة”. غير أن قراءة متأنية لخطابه تكشف، في العمق، رغبة في طمأنة الوحدات المنتشرة على الجبهات والضباط الذين تعصف داخلهم الخلافات، وتلوح أمامهم هواجس التمرد والشك في قدرة السلطة المركزية على احتواء دوامة العنف المتفلت. وقد يجد هذا الأخير نفسه مرتاحًا، ربما عن خطأ، لاختفاء مفاجئ لجبهة تحرير أزواد التي توقفت فجأة عن نشر بيانات هجماتها.

 

غير أن الإنصاف يقتضي التوقف عند تطور ميداني متزامن لا يقل دلالة، إذ تكشف الوقائع أن زخم الطرف المقابل لم يتراجع. فقد شهدت الفترة نفسها تصاعدًا لافتًا في الهجمات ضد دوريات الجيش المالي على عدة محاور، خاصة في ولايات كايس وكوليكورو وسيكاسو. وأعلن تنظيم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين مسؤوليته عن تفجير مدرعة بواسطة عبوة ناسفة بين فاسو ونيورو في ولاية كايس، إضافة إلى استهداف آلية عسكرية على طريق سيكاسو – لولوني جنوب البلاد، وتنفيذ كمين ضد رتل عسكري بين فاسو وبيما في المنطقة الوسطى الغربية. كما أعلن السيطرة على نقطة عسكرية متقدمة في نونسومبوغو بولاية كوليكورو.

 

وفي السياق نفسه، بثّت الجماعة صورًا قالت إنها توثق تخريج دفعة جديدة من مقاتليها في معسكر تدريب يحمل اسم “يحيى أبو الهمّام” في محيط تمبكتو، وهو قيادي بارز في تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي قُتل عام 2019. وتحمل هذه التسمية دلالة رمزية واضحة، إذ تعيد التأكيد على ولاء الجماعة لمرجعيتها القاعدية، في وقت كانت فيه تحاول منذ صيف 2024 تقديم نفسها كقوة محلية أكثر “اعتدالًا”، متأثرة بما سُمّي بالتحول السوري.

 

وعلى الصعيد السياسي، وجّه رئيس الوزراء المالي الأسبق شوغيل كوكالا مايغا، في 14 يناير، رسالة مفتوحة إلى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، عبّر فيها عن قلقه العميق إزاء التدهور غير المسبوق في العلاقات بين مالي والجزائر. وقد جاء خطابه تصالحيًا حذرًا، على عكس حدّة المواقف المتبادلة بين البلدين خلال الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2025. واعتبر مايغا أن التصريحات العلنية والاتهامات المتبادلة أضرت بصورة البلدين وأثّرت سلبًا على الاستقرار الإقليمي، داعيًا إلى اعتماد “الصبر الاستراتيجي” واستحضار الذاكرة التاريخية المشتركة. ويبدو أن الرجل، الذي بات في صفوف المعارضة، يسعى إلى تقديم نفسه وسيطًا محتملًا، دون انحياز معلن لأي طرف.

 

في بوركينا فاسو، يواصل النقيب إبراهيم تراوري تعزيز قبضته على الدولة والمجتمع، عقب إحباط آخر محاولة انقلابية قبل أن ترى النور. وفي 17 يناير، وافقت السلطات التوغولية على تسليم الرئيس السابق للمرحلة الانتقالية، العقيد بول هنري سانداوغو داميبا، الذي أُطيح به في سبتمبر 2022، استجابةً لطلب رسمي من واغادوغو تتهمه بالضلوع في محاولة تمرد وجرائم مالية.

وقد أثار القرار مخاوف واسعة لدى منظمات حقوق الإنسان، في ظل تواتر شهادات عن التعذيب والاختفاء القسري والانتهاكات خارج المدن الكبرى، خاصة بعد إعادة العمل بعقوبة الإعدام في ديسمبر 2025.

 

ميدانيًا، أظهرت بيانات جماعة نصرة الإسلام والمسلمين خلال الأيام الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في وتيرة الهجمات واتساعًا في رقعتها. ففي 19 يناير، أعلنت الجماعة السيطرة على موقع عسكري في نييمي ونهب ثكنة قرب ديدوغو، عاصمة إقليم بانكوي. وفي 14 يناير، هاجمت مجموعات مسلحة تجمعًا لعناصر “متطوعي الدفاع عن الوطن” في بلدة سيبي بإقليم باليه، بينما استهدفت في اليوم السابق موقعًا عسكريًا قرب كيلّو بإقليم بام. كما شملت الهجمات موقعًا في لاباراني وقافلة تابعة للميليشيات في محافظة سيبا بمنطقة ليبتاكو، ما يعكس اتساع رقعة المواجهة دون حسم لأي طرف.

 

أما في النيجر، فما تزال هوية منفذي مجزرة بوسييي في دائرة تيرا بولاية تيلابيري، يوم 20 يناير، مجهولة في ظل غياب أي تبنٍّ رسمي. غير أن “مرصد الساحل” يرجّح تورط جماعة نصرة الإسلام والمسلمين أو تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل، من دون توفر معطيات حاسمة حول الدوافع.

 

وفي موريتانيا، أُطلق في نواكشوط يوم 19 يناير مشروع إقليمي عابر للحدود لتعزيز الأمن المائي وبناء الاستقرار، بالشراكة مع مالي والسنغال، تحت إشراف وزير الشؤون الاقتصادية والتنمية عبد الله ولد الشيخ سيديا. ويحظى المشروع بتمويل قدره سبعة ملايين دولار من صندوق الأمم المتحدة لبناء السلام، ويُنفذ خلال عامين بإشراف اليونيسف والمنظمة الدولية للهجرة، ليستفيد منه نحو 680 ألف شخص، خصوصًا في ولايات غيدي ماغه وغورغول ولعصابة، عبر إنشاء وترميم منشآت مائية والحد من النزاعات المرتبطة بندرة الموارد.

 

وفي السياق الإنساني ذاته، كشفت معطيات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بتاريخ 13 يناير عن تدفق متواصل للاجئين الماليين نحو ولاية الحوض الشرقي فى موريتانيا. فمنذ 24 أكتوبر 2025، جرى تسجيل وصول 7931 لاجئًا ينتمون إلى 1276 أسرة، توزعوا حول مخيم امبرة ومحيط باسكنو والنعمة ومناطق ريفية متفرقة. ويشكّل الأطفال 68 في المئة من الوافدين، مقابل 19 في المئة من النساء، فيما تمثل فئة الرجال النسبة الأقل. وغالبية اللاجئين قدموا من محيط تمبكتو، لا سيما من غوندام وغاراندو ورازلمه وكومايلا، هربًا من العنف والجوع وانهيار الخدمات وتدمير المساكن.

 

وأشار التقرير إلى أن غارة بطائرة مسيّرة على سوق دوغوفري يوم 6 يناير، إضافة إلى اشتباكات وقعت في غاراندو يوم 12 يناير، وأسفرت عن إحراق منازل ومخازن غذائية، كانت من أبرز دوافع النزوح الجماعي نحو الأراضي الموريتانية. وأكدت المفوضية أن حجم الاحتياجات بات يفوق قدرات الاستجابة، رغم تدخل منظمات إنسانية، في وقت تبحث فيه نواكشوط عن مصادر تمويل بديلة، وسط ضغوط اقتصادية متزايدة وتداعيات اتفاقيات الهجرة مع الاتحاد الأوروبي.

سبت, 24/01/2026 - 09:52