تفاديا للعار!

عندما يغيب المشروع الجامع للناس، وأفقٌ يثير حماسة الشباب ويسلب ألباب النخب، فما ذاك إلا لأنَّ القنواتالقديمة ما زالت في مكانها. 

ذلكم هو الظرف الذي تم فيه حسم الانتخابات الرئاسية سلفا. لكن ذلك لم يَجْرِ بالطريقة التي تتبادر إلى الذهن، أيتلك الطريقة السطحية التي يردّدها البعض، باعتبار أن هذه الانتخابات حُسمت بقرار من السلطة السابقة أو منالجيش. مع أن لكل من ذلك أهميته. لكن أهميته تتأتى في كونه أمرا لا مناص منه. 

فالصورة الطافحة التي تبدو للبعض مقْنعة ببساطتها، تخفي وراءها عوامل أهم، أحيانا، وأكثر حسما. ويتعلق الأمربالعوامل السياسية والأخلاقية التي ينبغي لمن لا يريد البقاء على مسرح الأشباح أن ينفُذ إليها. 

نحن هنا في غسق كلاوزفيتش العجيب حيث «صورة الفأس أو الرمح عمود خشبي، لكن المعنى في الشفرةوالسنان». كذلك رجل السياسة؛ ينبغي أن يكون قادرا على التقاط الارتعاشة الحادثة في الحراك السياسي لحظةولادتها. 

كان في المستطاع فك رموز الوقائع مسبقا وبشكل كامل. وهي التي كانت تشير إلى أن "موريتانيا العميقة" - يُستخدمهذا المصطلح السهل حين لا يتوفر ما هو أفضل - هي وحدها المؤهلة للحكم في مرحلة بالغة الحساسية تمر بهاالبلاد منذ زمن بعيد. ذلك أن الخيوط المنفوشة التي يلعب عليها خصومها ليست بشيء إذا ما قورنت بعُقَدهاالمُحْصَدَة. فلكي تتمكن قوة أخرى - غير موريتانيا العميقة - من استلام الحكم، لا بد من تمحيص سياسة جديدة. ولابد - أكثر من ذلك - أن تهدأ أعصاب البلد. والحال أن التهييج على أشده. 

صحيح أن هذه القوى التقليدية تتشرذم بصورة سطحية مع اقتراب الاقتراع، وفي المناسبات الانتخابية؛ إذْ لا مناصمن وجود تناقضات ثانوية. كما يمكن أن يتعدد مرشحوها في الشوط الأول. لكن سرعان ما تتلاقى من جديد وتتجمععناصرها خلال الشوط الثاني، خشية منها على نفسها وخشية على البلد. وقد تنشق بعض شرائحها الهامشية وتسيرفي اتجاهات أخرى لأسباب ذاتية. بيد أن هذا لا يغير من جوهر الواقع شيئا. لا يغير الاتجاه العام المندرج ضمنالسياق الطبيعي للوقائع. 

ولا ينبغي الاعتقاد هنا أن تلك القوى تعي، بالضرورة، دورها أو تدرك المهمة التي تلقيها على عاتقها المرحلةالتاريخية، لأنها ليست هي "ضمير البلد". إنما النخبة هي - بلا ريب - مقرُّ ذلك الضمير. وليس ثمة ما يمنع من أنيتماهى جزء من هذه النخبة - في الأوقات الحاسمة - مع "موريتانيا العميقة"، ويمنحها "البركة والتزكية". فبدونذلك تبقى عارية، مجتثة، فاقدة المعنى. 

من الطبعيّ جدا أن يخطئ بعض زعماء تلك القوى وحاملي راياتها. كما يمكن أن تخطئ هي نفسها في اختيار زعيم ماأو مترشح. وليست هذه المرة الأولى التي يضع فيها طائر بيضه في عُشّ طائر آخر. الشيء الوحيد الذي لا يمكن لتلكالقوى أن تخطئ إزاءه، هو السياسة المتبعة. وإذا كان من الوارد أن تخسر جزءا من هوامشها - كما رأينا - فإنباستطاعتها هي أن تنتزع بعض الأطراف من منافسيها. 

وعلى ذكر تلك القوى المنافسة، لا بد من إلقاء نظرة تقييمية عليها. ولا مناص - في سبيل ذلك - من اجتراح المعجزةلنجمع بين اللباقة والإنصاف. والسؤال المنطقي هو التالي: هل يستطيع تكتل القوى الديمقراطية، في شكله الحاليوبعقليته الراهنة، أن يحكُم؟ وبعبارة أخرى، هل يمكن الوصول مباشرة إلى "الميمون التَّلِّي" انطلاقا من "تِيدْامَّلِّينْ"؟ هذا هو السؤال الذي لا تمكن الإجابة عليه دون مخاطرة! إن المسافة ليست طويلة، والعادة أن الكثبانالرملية يمكن تنَكُّبُها والالتفاف حولها عبر ما يسمى هناك "لكْطُوعة" (المقاطع). إلا أن هناك ممرات لا يعبُرها إلا منكان ذا دراية صحيحة بالأرض، وبجهود مضنية تفوق طاقة التحمل. 

اقترب خندق تكتل القوى الديمقراطية، خلال المرحلة الانتقالية، من خندق "موريتانيا العميقة"، لدرجة "تبادلالأواني" معها عبر هذا الخندق. تغيرت حالة العداء كثيرا، وهدأت الجبهة، صار بالإمكان مد جسور التواصل مؤقتا. وقد ساعد غياب معاوية في إزالة التوتر، وسهَّل تسويق المساعي الحميدة. 

كانت البرامج المكتوبة متقاربة جدا، كما هو الحال بين معظم الأحزاب الأخرى. ولما كان العمل في هذه البلاد لايجري على أساس ما هو مكتوب ومدون، فإن التقارب يظل نظريا عديم الفائدة ومحكوما بالفشل، لأن هناك فرقا بينالمكتوب والواقع. المهم هو هذه الحقيقة الضمنية المسكوت عنها والتي تشكل معضلة لبعض من يقتربون، فيفترات معينة، من التكتل لحد مشاركته بعض المواقف، ويبتعدون عنه تحت تأثير همسات خافتة لحد مناوأته. 

والواقع، أن رؤية الناس لموريتانيا لا تتم بنفس الأداة. فإذا كان البعض ينظر إليها بالتلسكوب، فإن البعض الآخر ينظرإليها بالميكروسكوب، وأن هملايا نفسية تقف حاجزا بين تكتل القوى الديمقراطية وبعض المجموعات المتنافرة ذاتالطبيعة المختلفة والتي يوحدها خيط خفي. فهناك كلمة سر يمكن أن تتلخص في أن المراجعة والتجديد المؤديانإلى نشوء ثقة متبادلة لم يحصلا بعد. إن ما تحتفظ به تلك المجموعات من القدرة على التأثير والإضرار، يفوق كثيراوزنها الوطني الحقيقي. 

لا يبدو أن تكتل القوى الديمقراطية، في بحثه المستميت عن ناخبين يتبخَّرون باستمرار، يُلقي بالا لتلك الأحجامالثانوية. فهو، في هذا، أشبه بمن يحاول "ملء حوض دانايد المثقوب". في حين أن مشكله - بالإضافة إلى السجلالتنظيمي الذي لا بد من العناية به لمن أراد الاستمرار في معارضة طويلة النفس - هو مشكل نفسي واستراتيجي؛ إذمن المؤكد أن الانسداد المتكرر لم يهبط من السماء. وقد أكد غير واحد من الموضوعيين الذين يعرفون جيدا رئيسالتكتل أحمد ولد داداه، وبإصرار يدعو إلى التساؤل عن عدم التحاقهم به، أن الصورة التي يرسمها له خصومه لاتتطابق مع حقيقته إلا من بعيد. 

لقد تم حسم الشوط النهائي من الانتخاب الرئاسية - كما هو متوقع على هذه الخلفية - بين القوتين الرئيسيتين؛لتجد القوى الثانوية نفسها مرغمة على أن تلعب دور المكمِّل، وتسير، عطفا على ذلك، مكرهة، على الطريق الضيقالوعر، بين الانتهازية والفرص المشروعة. ولم ينته  الشوط الثاني إلا وعلامات الانهزام بادية الجميع؛ بما في ذلك منجعلت كهم صناديق الاقتراع في الصدارة. لا أحد يبدو منتصرا. 

جرى التصويت، ولكن شيئا لم يتغير: لا مشكلة واحدة وجدت حلا، ولا أمل ينتعش، ولا أفق يًنفتح. بل خيبة أمل تعمّالجميع، كأنما استيقظوا فجأة من حلم جميل. والحق أن الناس لم يكونوا نُوَما. كل هذا الضجيج والصخب والإثارةدون جدوى! من الذي كان يراد خداعه؟ هل هم الأجانب؟ إن ذلك لم يكن ضروريا ولا مفيدا، ولم يكن الأمر يستحقكل هذه المسرحية، خاصة أننا مثّّلنا فيها - جميعُنا - أدوارا. 

يحكى أن أهل بوكيْ كانوا، في سافل الدهر، "يبطحون خيامهم" ليلعبوا "بركائزها". 

كان ذلك أكثر من اللازم. ولا يمكن فهم هذا السلوك الغريب إلا بالرجوع إلى تقليد متجذر في أعماق المجتمع، يطفوإلى السطح من حين لآخر في اللحظات الحرجة، حين يُخشى انفجار العنف على نطاق واسع. ويقوم هذا التقليد علىأن تُقيَّم الوضعية سلفا وبصورة إجمالية، ثم يُخلَص إلى أن كل ما هو لائق أو مفيد لا يمكن فعله دون خسائر. وعندها، يُتوَّجُ القدَرُ (المسؤول) بتاج الفضيلة علنا، بينما يتخافت من توَّجوه بالاستعاذة من سوء ما فعلوا. 

أما رجل الشارع، الذي لا يستطيع  أن يصل إلى هذه الأفكار الدقيقة ولا أن يتقبلها، فقد توصل إلى الخلاصة التي فيمتناول العقل العادي وهي: أن الرئيس المنتخب ليس هو الرئيس الحقيقي، بل هو مستخلَف في السلطة بسيط، وأنالرئيس الحقيقي سيُطل فيما بعد بقامته الفرعاء. 

لا يملك المرء، في ضوء هذه الفرضية، إلا أن يتذكر واحدا من طقوس الشرق القديم، استخدمها، وبكل بساطة، الملكالآشوري اسّرْحَدُّون، في القرن السابع قبل الميلاد. بعد أن استخدمها - بكل تأكيد - آخرون. 

فقد شهدت مدينة نينوى سنة 671 ق.م. خسوفين كليين للقمر، وهو ما يعني بالنسبة للبابليين - وقد بسط الملكالأشوري وقتها نفوذه عليهم - أن الملك سيصاب بمرض قاتل. ولتفادي هذه الكارثة، تم اللجوء إلى حيلة لمغالطةالآلهة تتمثل في تعيين موظف ملكي مكان الملك من فداءً للملك الحقيقي. وقد حكم هذا المستخلَف مائة يومتحوَّل خلالها "اسّرْحَدّون" فلاحا، بمقتضى النصوص الرسمية. وبانقضاء المائة يوم مات المستخلَف وزوجته - لاينبغي الاعتقاد لحظة بأنهما ماتا موتا طبيعيا - وأقيمت لهما مراسيم دفن ملكية. ثم استعاد الملك سلطانه بموجبرسالة من كاهن مردوخ الأعظم، تقول تلك الرسالة: "بعد أن تم أداء الطقوس، فليطمئن قلب الملك".

وأيا كانت حالة الأمور، فإن من يعيَن رئيسا يصبح رئيسا. وهكذا صار لموريتانيا رئيس جديد.

لقد أعطت السلطة المنبثقة عن انتخابات مارس، الانطباع بأنها لم تفكر أبدا في تشكيل حكومة، إلا أنها في النهايةشمرت عن ساعديها لتشكيل هذه الحكومة، وهو ما تطلب وقتا طويلا بالنسبة لبلد كانت كل أعماله معطلة. لميتجاوز ذلك أياما معدودات، لكنها بدت للناس قرنا؛ كأن السلطة الجديدة أرادت أن تعفي نفسها من هذا الإجراءالشكلي، أو أن هذا الأمر لم يكن ضمن أولوياتها، في حين أنه يشكل الحالة المستعجلة الأولى.

وقد جاءت ثمرة ها الاعتكاف التأملي الأول تحمل اسم الحكومة التكنوقراطية، وهو مجرد تفاؤل أو أمنية، كما يطلقأحدهم "طويل العمر" على وليد من باب الرجاء والتمني، أو اسم "يغْنيه"، تفاؤلا له بالثراء. ولا علاقة للواقع بشيءمن ذلك، وليست كل حكومة غير سياسية تتحول تلقائيا حكومة تكنوقراطية. ويبقى من البدهي أن نوعية الحكومةهي التي ينتج عنها التفاضل بين الدول.

إن حكومة التكنوقراط، حسب المتعارف عليه، هي التي يختار كل وزير فيها بمعيار الكفاءة المبرهن عليها وغيرالمشكوك فيها، بغض النظر عن انتماء الوزير ورأيه السياسي. وعندما تكون الحكومة مطلوبة بهذه المواصفات، فإنمالكي تتبع سياسة صارمة شديدة الفعالية، محصنة ضد ضغوط الجماعات السياسية وابتزازها، ومن أجل أن يكون لهاهدف وحيد، هو خدمة المصلحة العامة. 

لم يفهم أحد هذه اللافتة التكنوقراطية، على افتراض أنها تخفي حقيقة. كيف نفهم أن بلدا بكامله يغرق، لشهورعديدة، في انتخابات عامة ورئاسية من أجل تقاسم الرأي وتحديد الفريق أو الفرق المؤهلة للحكم، ثم لا تكون لهذاالاقتراع أية فائدة؟ إذا لم يوضع في الحسبان أي اعتبار لنتائج الانتخابات ومدلولها وروحها، فأين الشرعية؟ وبأي حقيسمح المرء لنفسه باتخاذ قرارات تتعلق بحياة ومستقبل الناس؟ أم أن الانتخابات باتت مَهزلة تمكِّن من الوصولإلى السلطة ويجري نسيان الإكراهات التي تفرضها؟

إذا كان المواطنون قد ناضلوا طيلة سنوات عديدة، كل على طريقته وفي ظروف غير ملائمة، وقدموا تضحيات عديدةومتنوعة، فإن ذلك لم يكن من أجل أن يروا رجلا، كائنا من كان، يستولي على الدولة ويتجاهل هذه الديمقراطية نصاوروحا. بل على الرئيس المنتخب في نظام ديمقراطي. بل عليه، أكثر من ذلك، أن يحيط نفسه أولَ برجال السياسةالذين رعوا ترشحه بصورة علنية وجمعوا الأصوات من أجل أن يتصدر القائمة في الشوط الأول، ويُنتخب في الشوطالثاني.هذا أقل ما تمليه قواعد اللياقة. يأتي بعد ذلك أولئك الذين قدموا الدعم والمساندة في الشوط الثاني وحده. قد يمنحهم ميزان القوى مناصب سامية وذلك ما حصل، وحسب الأصول، ولا أحد يعترض عليه. أما أن يصل الأمرإلى حد إقصاء جميع من مكنوك من أن تكون حاضرا، فهذا سلوك يخرج عن مقاييس السياسة وعن كل القواعدالأخلاقية. لا على مستوانا المحلي فحسب، وإنما على مستوى جميع المجتمعات البشرية المعروفة. 

ويبدو أنه، من أجل تجريم مواقف أصحاب الأغلبية، وتقويض معنوياتهم، يجري التلويح بماضيهم وممارساتهم فيظل أنظمة أخرى، وذلك هو الباطل بعينه. فإذا كان هؤلاء يتمتعون بحقوقهم المدنية والسياسية التي لم يسحبهامنهم أي حكم قضائي. وإذا لم يكن هناك أي قانون يحرمهم من هذه الحقوق ، فأي نوع من الحرمان أو المنعالمؤصل يمكن أن يطالهم ؟ إذا لم يكن شيء من ذلك كله، فإن ما يتعرض له هؤلاء اسمه التعسف والظلم، وهماأبشع من أن يتحملهما الإنسان.

ليس شرطا أن يتخندق المرء سياسيا، أو يشترك في التصورات مع المظلومين، ليندد بالظلم الواقع عليهم، إن ذلكيبدوا أكثر نبلا مما لو كان واحدا منهم. وإذا كان لدى الديمقراطية مبادئ تسمو على الأنظمة الأخرى، فإن هذهالمبادئ هي الحرية والعدالة. فمبدأ الحرية يمنح المواطن حق الاختيار يوم الاقتراع، بينما يعطي مبدأ العدالة حقممارسة الحكم بشكل فوري، لمن يحصلون على الأغلبية.

ولما كان هؤلاء الزعماء قد تصرفوا دون روية ولا حكمة، فقد استحقوا أن ينطبق عليهم، بمعنى من المعاني، ما قالهلورانس العرب:" بعد الانتصار ظهرت واحدة بعد أخرى ساعات خيبة الأمل، ومن ثم خيم الليل الدامس عندمااكتشف الرجال المستميتون في التضحية أن آمالهم قد خانتهم". وفي كل الأحوال، لا يمكن أن ينازَع هؤلاء الزعماء فيأنهم حصلوا على جزاء سنمار. وهاكم ما يعنيه هذا الجزاء في الأصل، ولكم أن تحكموا بأنفسكم: طلب أحد ملوكاللخميين، وهو ملك الحيرة النعمان الثاني، من مهندس معماري مشهور يدعى سنمار ، أن يبني له قصرا لا نظير لهفي المنطقة، مقابل جزاء غير مسبوق. وبدافع من الطمع في نيل الجائزة واستدرارا لكرم الملك، انطلق سنمار فيتشييد القصر الفريد . وعند انتهاء العمل، زار النعمان القصر، وسلم بأنه وحيد نسجه، وأنه يتطابق مع الصورة التيرسمها في مخيلته. وتوقع سنمار أن يعود ومعه حمولة عدة جمال ذهبا، ولكن بدلا من ذلك دفع اللخمي هذاالمهندس الماهر من فوق سطح هذا القصر حتى لا يبني مثله لأحد. ومنذ ذلك الوقت نشأ المثل العربي "جزاءسنمار" للدلالة على أعلى درجات الجحود ونكران الجميل.

محمد يحظيه ولد ابريد الليل

جمعة, 23/01/2026 - 23:06