قراءة تحليلية في تقرير الوزير الأول: بين منطق الإصلاح وضغوط الواقع

قدّم الوزير الأول، المختار ولد اجاي، في عرضه لإعلان السياسة العامة للحكومة أمام البرلمان حصيلة رقمية وسياسية تعكس توجّهًا واضحًا نحو تعزيز الحكامة، وضبط المالية العمومية، وتسريع الاستثمار في البنى التحتية والخدمات الأساسية، في سياق إقليمي ودولي يتسم بتباطؤ النمو وارتفاع المخاطر الجيو-اقتصادية.

 

أولًا: أولوية الحكامة قبل التوسع في الإنفاق

 

أبرز ما يلفت في التقرير هو التركيز الكبير على محور مكافحة الفساد وإصلاح الإدارة، باعتباره مدخلًا لأي إصلاح اقتصادي أو اجتماعي.

فالحكومة لم تكتفِ بتعديل القوانين، بل انتقلت إلى تفعيل أدوات الرقابة، واسترجاع الأموال، وإحالة ملفات على القضاء، مع إجراءات موازية لتجفيف منابع الهدر عبر عقلنة نفقات التسيير، وضبط التحصيل، ومحاربة التسيب الإداري.

 

هذا التوجه يعكس قناعة سياسية مفادها أن مشكلة التنمية ليست فقط في ضعف الموارد، بل في ضعف كفاءة استخدامها، وهو طرح يتقاطع مع توصيات المؤسسات الدولية، لكنه يصطدم عادة بتحديات التطبيق في بيئات إدارية تقليدية.

 

ثانيًا: استقرار اقتصادي محافظ لكنه محدود الأثر الاجتماعي

 

التقرير قدّم أرقامًا إيجابية بخصوص:

•تراجع التضخم إلى 1.6%

•ارتفاع المداخيل الضريبية دون فرض ضرائب جديدة

•تقليص عجز المؤسسات العمومية الكبرى كالكهرباء والماء

•الحفاظ على عجز ميزانوي منخفض

 

غير أن هذه المؤشرات، رغم أهميتها الكلية، لا تعني بالضرورة تحسنًا محسوسًا في مستوى معيشة المواطن، خصوصًا في ظل استمرار البطالة، وضعف الدخل في القطاعات غير المنظمة، وارتفاع كلفة السكن والنقل في المدن الكبرى.

 

وهنا يظهر الفرق بين الاستقرار الماكرو-اقتصادي والتحسن الميكرو-اجتماعي، وهو التحدي الأكبر أمام الحكومة في المرحلة المقبلة.

 

ثالثًا: الاستثمار في البنية التحتية كرهان استراتيجي

 

يعكس حجم المشاريع الطرقية والمائية والطاقوية، التي استعرضها الوزير الاول فى تقريره، رهانًا واضحًا على تهيئة الأرضية للنمو  طويل المدى، خصوصًا في الداخل، من خلال فك العزلة وتحسين النفاذ إلى الخدمات.

 

غير أن كثافة المشاريع تطرح في المقابل سؤالين مركزيين:

 

1.هل تمتلك الإدارة القدرة الكافية على متابعة هذا الحجم من المشاريع بجودة عالية؟

2.هل سينعكس هذا الاستثمار سريعًا على خلق فرص العمل وتحريك الاقتصاد المحلي؟

 

التجارب السابقة في المنطقة تُظهر أن البنية التحتية شرط ضروري لكنه غير كافٍ ما لم يُواكب بسياسات دعم مباشر للإنتاج المحلي والمقاولات الصغرى.

 

رابعًا: قطاع المعادن.. بين الطموح وتعقيدات الشراكة

 

في ملف التعدين، يظهر التقرير حذرًا أكثر من كونه اندفاعيًا.

فالحكومة تعترف بتعثر بعض المشاريع، وتراجع بعض الشركاء، وسحب رخص غير ملتزمة، وهو ما يدل على تغير في فلسفة التعاطي مع المستثمرين من منطق الجذب بأي ثمن إلى منطق الانتقائية والالتزام.

 

لكن هذا التوجه، رغم وجاهته، يطرح تحديًا عمليًا:

كيف توازن الدولة بين صرامة الشروط وجاذبية الاستثمار في سوق دولي شديد التنافس؟

 

خامسًا: البعد الاجتماعي حاضر… لكن دون تحوّل نوعي بعد

 

رغم توسع البرامج الصحية والتعليمية، واستثمارات البنية الاجتماعية، إلا أن التقرير لا يُظهر بعد تحولًا هيكليًا في نموذج الحماية الاجتماعية أو التشغيل، بل ما يزال يعتمد أساسًا على:

•التوسعة التدريجية للخدمات

•دعم الفئات الهشة

•تحسين البنى الأساسية

 

وهو ما قد لا يكون كافيًا لمعالجة جذور الفقر والبطالة، خصوصًا في صفوف الشباب.

 

خلاصة تحليلية

 

يمكن القول إن تقرير الوزير الأول يعكس حكومة تركّز على:

•ضبط التسيير

•تحسين الحكامة

•بناء الأسس الاقتصادية طويلة المدى

 

لكن المرحلة المقبلة ستفرض الانتقال من إدارة الاستقرار إلى إدارة التحول الاجتماعي والاقتصادي الحقيقي، وهو مسار أصعب سياسيًا وماليًا، ويتطلب قرارات أكثر جرأة في ملفات التشغيل، الإنتاج المحلي، والعدالة الاجتماعية.

 

أقلام

جمعة, 23/01/2026 - 13:46