عاصمتان وعاصفتان

أحبطت في فاتح يناير الجاري محاولة لقلب نظام الحكم في بوركينافاسو قادها بول هنري داميبا الرئيس الأسبق؛ وأُلقي القبض على العسكريين الذين كانوا يتآمرون معه في الداخل، ثم وافقت حكومة توغو على تسليمه للحكومة في واغادوغو لمحاكمته هناك، إنها عملية تبدو في ظاهرها عادية ولكنها مع ذلك مترعة بأثقال الماضي وأتراحه، ومثقلة كذلك بشروخ المنظومة الغرب إفريقية، فالمحاولة تعيد إلى الذاكرة أحداث أكتوبر 1987 حين قام أبليز كامباوري بالتآمر على الرئيس توماس سانكارا بدعم وتمويل من ساحل العاج، كما يُشاع، حيث اغتيل سانكارا وأُجهض مشروعه الثوري، وعادت بوركينا فاسو إلى الحضن الفرنسي والمنظومة الغرب إفريقية، فمحاولة داميبا إذن هي في واقع الأمر تكرار لنفس المشهد، بنفس الأدوات تقريبًا ونفس السيناريو لم يتخلف سوى النتيجة، وهذا يعني أن هناك محاكمة قادمة ستتقاطع فيها ظلال الحاضر بشبح الماضي وقد تكون لها أصداء وتداعيات في شبه المنطقة وخارجها؛

ومن المؤكد أن تسليم حكومة توغو للرئيس البوركينابي الأسبق، تتجاوز مجرد الاستجابة لطلب قضائي، بل إنها تمثل في الواقع كسرًا صامتًا لمنطق الوصاية العاجية وخرقًا لقاعدة مألوفة ظلت تحكم منطق التعامل مع القادة المخلوعين باعتبارهم أدوات احتياط، مركونة في الظل بانتظار اللحظة المناسبة..

 

2

من محامد الصدف أن يتزامن فشل هذه المحاولة في بوركينافاسو مع فشل خطة إسقاط النظام الإسلامي في إيران وإرجاع حكم الشاه، لقد تم هنا أيضًا كسر قاعدة مألوفة، حين تتسلل عناصر تخريبية داخل مظاهرات شعبية سلمية ثم يتم توفير الغطاء الإعلامي والحماية للمظاهرات من قبل الولايات المتحدة، ثم يأتي التهديد بالتدخل إن تصدت الحكومة للمتظاهرين، ولكن المحاولة باءت بالفشل في النهاية رغم عنفها وسرعتها وحتى دمويتها..

 

3

رغم اختلاف السياقات من واغادوغو إلى طهران فإن النتيجة كانت واحدة: فشل إنتاج لحظة انهيار كان يُراد لها أن يكون نهائيًا.. ومن المؤكد أن ما حدث في بوركينافاسو وإيران تباعًا شكل وثبة مهمة في مقابل الكبوة المفاجئة لفنزويلا.

وفي المحصلة نحن أمام نتيجة لها دلالتها؛ اثنتان بواحدة لصالح الجنوب. وهذا إلى حد الساعة غير سيء.

جمعة, 23/01/2026 - 09:04