قراءة في مشروع ولد ابريد الليل

ُطلب مني أن أكتب أكثر عن محمد يحظيه ولد ابريد الليل. والطلب مفهوم؛ فحين تواجه عملاً فكرياً مُبهِراً، يكون ردّ الفعل الطبيعي هو الرغبة في المزيد، والأمل في أن يتمكّن نص إضافي من استنفاد معناه. لكن هنا يكمن سوء الفهم الجوهري. فالكتابة عن ولد ابريد الليل ليست عملاً تراكمياً. ليست جمعاً لمقالات ولا إضافة سنوات أو مجلدات. إنها مواجهة مع فكر يتجاوز، بطبيعته، كل محاولة للإغلاق أو الإحاطة.

 

في نصه الكبير «جذور قوة العملاق الصيني الصاعد»، لا يقع ولد ابريد الليل في فخ الإعجاب الاستشراقي، ولا في فخ — وهو الأكثر شيوعاً — الانبهار التكنوقراطي بمعدلات النمو. بل يقوم بشيء أكثر جذرية: يعيد للصين عمقها التاريخي، وبذلك ينتزع من القارئ كل إمكانية للراحة الفكرية.

 

فالصين، عند ولد ابريد الليل، ليست قصة نجاح اقتصادي؛ إنها انضباط تاريخي. جوهر النص ليس دنغ شياو بينغ ولا ماو تسي تونغ كأفراد، بل استمرارية نخبة قبلت أن تربط مصيرها بمصير الأمة عبر أجيال. هنا تكمن الضربة الفكرية الحادة: القوة الصينية ليست ثمرة أيديولوجيا صائبة، بل ثمرة علاقة صارمة بالزمن.

 

يُدخل ولد ابريد الليل هنا مفهوماً نادراً ما يجرؤ المثقفون على مواجهته: الزمن الطويل كقيمة سياسية. فالمسيرة الطويلة لا تُروى كملحمة بطولية، بل كعملية انتقاء قاسية: لا ينجو إلا من يستطيع الصبر، والتعلّم، وتصحيح المسار دون التخلي عن الهدف. وهكذا تصبح الثورة الصينية مدرسة في الصلابة، حتى تجاه الذات. لا شيء مُرومنسي. كل شيء منظَّم.

 

وما يجعل هذا النص مُربكاً حقاً، أنه لا يتحدث صراحة عن العالم الثالث… بينما لا يتحدث إلا عنه. فكل سطر عن الصين هو سؤال غير مباشر موجَّه إلى مجتمعاتنا:

من منا يفكر على مدى ستين سنة؟

من يقبل الفشل كمادة أولية لانتصار قادم؟

 

هكذا تصبح الصين أقل نموذجاً يُحتذى، وأكثر مرآة. إنها تثبت أن التاريخ ليس ظالماً، بل صارماً في مطالبه.

 

وإذا كان مقال الصين تأملاً في بناء القوة، فإن مقاله عن الطاقات الأحفورية هو تشريح لجثة. تفكيك لما يفهمه ولد ابريد الليل أكثر من كثيرين: أن الثروة ليست هبة محايدة، بل امتحاناً حضارياً.

 

في مقاله عن آفاق الطاقات الأحفورية في موريتانيا، يقوم بعمل فكري من طراز رفيع: لا يتعامل مع هذه الثروات لا بوصفها وعداً ولا قدراً، بل باعتبارها كاشفاً عن البنى العميقة للمجتمع. فالطاقات الأحفورية، عنده، لا تُغني.

 

والمرور بأمريكا اللاتينية — بوتوسي، أورو بريتو، البرازيل، بوليفيا — ليس استعراضاً معرفياً بدافع المثال. إنه يبيّن كيف تنتج الثروة المستخرجة من باطن الأرض اقتصاداً بلا عضلات، ومجتمعاً بلا أعصاب، ونخبة بلا خيال. المال السهل يُخدّر الروح الإنتاجية، ويُفسد علاقة الإنسان بالعمل، ويستبدل الإبداع بالريع، والرؤية بالافتراس.

 

لكن عمق النص ليس اقتصادياً في جوهره، بل أنثروبولوجياً أخلاقياً. يصف ولد ابريد الليل كيف تُنتج المجتمعات المنجمية انقلاباً في القيم: يصبح الطفيلي هو السائد، ويُحتقر المنتج، ويُقدَّس المدى القصير. فالثروة لا تصنع التقدم، بل تدمّر القدرة على تصوّره أصلاً.

 

واستحضاره لمهدي المنجرة ليس استفزازاً بل مفتاح قراءة: الموارد الباطنية ليست ملعونة لأنها شريرة، بل لأنها تعفي من التفكير. فهي تعطي قبل أن تطلب. وكل حضارة تتلقى دون جهد تبدأ بالموت.

 

إن طلب الكتابة مجدداً عن ولد ابريد الليل هو في الحقيقة طلب للمستحيل: حبس عبقرية داخل تعليق. والعبقرية لا تُستنفد بالشرح. بل تُعاد قراءتها في كل زمن كما يُعاد قراءة الكلاسيكيات: لا من أجل الإحاطة بها، بل لقياس مدى استمرار تفوّقها علينا.

 

محمد ولد الشريف

اثنين, 19/01/2026 - 11:09