ظاهرة الوهن الثوري

أجزٓت ليلة واحدة –بل شطرها- ليصبح رئيس فنزويلا رهينة أمريكية، دون أن تسقط مروحية، أو أن يقتل من الغزاة جندي. بعد ثلاثة عقود أو أقل من عهد الثورة البوليفارية، وصلت فنزويلا إلى حالة من الوهن لم تعد قادرة على الصمود دفاعا عن رئيسها ليلة واحدة. فنزويلا الدولة التي يقترب تعداد سكانها اليوم من ثلاثين مليونا –وذلك بعد أن هجر البؤس البوليفاري منهم ثمانية-، ومساحتها ضعف مساحة فرنساتقريبا، وترسو على أكبر احتياطي نفطي معلوم، فهي ليست دولة صغيرة كما قد يظن البعض.

وقبل سنة ونصف تقريبا، لم تجد إيران –جمهورية الثورة الإسلامية- لتحمل رئيسها غير مروحية كندية متهالكة صنعت في التسعينيات. وحين سقطت، سلمته وهنا للاحتراق، تنتظر مسيرة تركية تتحسس لهاحرارة رماده لتصل إليه. إيران الأمة التي يشهد التاريخ وأقطار الأرض على عظمتها، بمساحتها الشاسعة، وشعوبها، وثروتها النفطية الهائلة، وصلت إلى هذا الحد من الوهن بعد أقل من خمس عقود من ثورة ولاية الفقيه.

لن أذكر تفصيلا أمثلة من تجارب ثورية أخرى –يكفي نكئا للجراح، فالنفس إلى الثورة، إلى الخلاص، إلى المعجزة ميالة- لكن التجربة السوفيتية واليوغسلافية والكمبودية والعراقية والليبية والسورية والكورية الشمالية والكوبية، ستتداعى إلى أذهانكم يجرفها الشبه، حالة الوهن، فالفشل، التي أفضت إليها.

صحيح أن الصين حققت في العقود الأخيرة طفرة اقتصادية استثنائية، حققها تياب الثوار. فهل يعد ذلك للثورة أم عليها؟ وهل هنالك اليوم، من يعتبر الصين جمهورية ثورية؟ كما تعلمون جميعا،فإن التياب لا يحتفظون من عشيرتهم بغير اسمها، وذلك تماما حال تياب الحزب الشيوعي الصيني مع الثورة الشيوعية.

كل التجارب الثورية، قومية، إسلامية أو يسارية فشلت في أن تخلق رخاء لبلدانها لأسباب ظرفية وأسباب ذاتية –انترنسك- مرتبطة بالطبيعة الثورية. ولأن الظروف تختلف مكانيا من بلد لآخر، وقد تغيرت زمانيا خلال القرن، فإن الأسباب الذاتية لابد أنها محددة.

ولعل من هذه الأسباب الذاتية أن الطرح الثوري يعتمد في عملية وصوله إلى السلطة على مرتكزين، مرتكز إيديولوجي ومرتكز تنظيمي. ولعل في كنه هذين المرتكزين الضروريين لنجاح الثورة نواة فشلها التنموي. فالإيديولوجيا هي ثمرة حلقات تبسيط -تسطيح- متكررة لطرح فلسفي أو فكري معقد لجعله في متناول العامة، أداة تثويرهم. عمليات التبسيط هذه تفقد الطرح الفلسفي أو الفكري جوهره وتجعل خلقا ممن اكتفوا من التحصيل المعرفي بقسط من مجالسة المؤدلِجين يعتقدون أنهم أئمة ومنظرون، وعند نجاح الثورة يصبح هؤلاء قادة ومسيرين، فتتحدد جودة القيادة على قدر مؤهلاتهم.

وللمرتكز التنظيمي أثر مشابه، فقيادة التنظيم تحتاج إلى مفوهين يتمتعون بقدر كبير من الحماس والقدرة على اتخاذ القرار والمخاطرة حتى بحياة الناس إن لزم ذلك، وهذه الخصال التي تجعلهم قادة جيدين للتنظيم، هي نفسها التي تجعلهم قادة فاشلين للأمة عند نجاح الثورة، حين تتطلب القرارات كثيرا من المعرفة والتأني والحكمة وحين تصبح حياة الناس ومصالحهم هي جوهر الغاية، يخلق تراكمها الأثر التنموي.

بالنتيجة، لعل الأسباب الذاتية للوهن الذي تثمره الثورة–بغض النظر عن خلفيتها الفلسفية- هو أنها عبر بِناها المختلفة تفرز قادة متوسطي الأداء أو دون ذلك، وتخلق عداءات لا تخدم بالضرورة عملية خلق الثروة، وتجعل البعد التنموي هامشيا في اتخاذ القرارات مقارنة مع الأولويات الرمزية. وهم ما يثمر تراكميا، الفشل التنموي، فالوهن الذي يشمل تدريجيا جميع جوانب الحياة، حتى المهمة منها عند الثوريين لأن أموال التنمية هي التي تمولها، فيؤدي ذلك بالنتيجة إلى انهيار النظام، أو وصوله إلى سلطة عاجزة عن مواجهة أعداء الثورة لا تمتلك غير وسائل قمع شعبها، أو تحوله جذريا على يد التياب كما حدث في الجمهورية الشعبية الصينية.

صحيح أن الديمقراطية قد تفرز قادة متوسطي الأداء أو دون ذلك،والأمثلة على ذلك حاضرا وتاريخا كثيرة، ولكن يبدو أن الثورية لا تكاد تفرز غيرهم.

 

لعل في البعد الثوري وآلياته في الوصول إلى السلطة وطبيعة قادتهيكمن الفشل التنموي والوهن الذي أثمرته التجارب الثورية، وليسبالضرورة في اليسارية في حد ذاتها، أو الإسلامية، أو القومية يمينية أو يسارية، فقد نجحت اليسارية في فرنسا وألمانيا في أن تحقق أهدافها في إطار عملية إعادة التوزيع -العدالة الاجتماعية- في الوصول بالمقتطعات إلى حدود الخمسين في المائة من الناتج القوميدون أن يسبب ذلك فشلا كبيرا لهذه البلدان. كما أن الإسلام السياسي في تركيا رغم المآخذ الديمقراطية عليه، والمآخذ التنموية في العقد الأخير، قد نجح في تحقيق طفرة في الصناعات العسكرية،جعلت تركيا اليوم في مقدمة الدول الأوروبية، لعلها ستسمح بحول اللهمع القوة المالية للسعودية وجاراتها والردع النووي الباكستاني بخلق موطئ قدم للشرق الإسلامي على خريطة النفوذ العالمي.

منذ السبعينيات لم تعد الظاهرة الثورية إشكالية موريتانية، فقد استوطنت بفضل الله بعيدا -الشرق الأوسط، أوربا الشرقية، آسيا وأمريكا اللاتينية، ولكن مع عودة الانقلابات الثورية إلى الساحل، أصبحت على حدودنا، إن كففنا جمرها اصطلينا بلهيبها، تهريبا ومهاجرين.

يبدو أن أرضية سياسة الأمم للأسف الشديد ليست أرضية إبداع لفظي، تحرقها الجمل الرنانة ودغدغة المشاعر والأولويات الرمزية. مهما تكن مقدرات أمة، إن قدر لها الفشل صدقت ثورييها، فمكنت لهم.

 

وفق الله وأعان

د. م. شماد ولد مليل نافع

 

 

سبت, 17/01/2026 - 09:53