أزمة البنزين: ماذا يقول الاتفاق عن المخزون الاحتياطي؟ وأين الخلل؟

تشهد السوق الموريتانية منذ أيام اضطرابات ملحوظة في تزويد المحطات بالمحروقات خاصة البنزين، على خلفية تأخر الإمدادات الخارجية، وهو ما انعكس في طوابير أمام بعض المحطات ونقص في توفر الوقود بعدد من المدن. غير أن هذه الوضعية تطرح سؤالًا جوهريًا حول فعالية منظومة الأمان التي يفترض أن تحمي السوق من مثل هذه الانقطاعات، وفي مقدمتها المخزون الاحتياطي الإلزامي المنصوص عليه في اتفاق تموين البلاد بالمحروقات.

 

وفقًا لدفتر الشروط الرسمي الموقّع بين الدولة والمورّد، فإن هذا الأخير ملزم قانونيًا بالاحتفاظ داخل البلاد بمخزون استراتيجي يعادل شهرًا كاملًا من الاستهلاك الوطني لكل منتج، وهو ما يُعرف في الوثيقة باسم Stock de sécurité، أي مخزون الأمان، والغرض منه امتصاص الصدمات الناتجة عن تأخر السفن أو الأزمات الدولية أو الاختناقات اللوجستية.

 

 

كميات محددة بدقة في الاتفاق

 

لم يترك الاتفاق مسألة المخزون الاحتياطي للتقدير أو الاجتهاد، بل حدّد له كميات دنيا يجب توفرها داخل المستودعات الوطنية في جميع الأوقات.

وتشمل هذه الكميات 4,000 طن من البنزين، و3,600 طن من الكيروسين (وقود الطيران)، و53,650 طنًا من الغازوال (الديزل)، إضافة إلى 1,800 طن من الفيول.

وبذلك فإن الحجم الإجمالي للمخزون الاحتياطي يتجاوز 63,000 طن من مختلف أنواع المحروقات.

 

هذه الأرقام تعكس أن المخزون الاحتياطي ليس كمية رمزية، بل كتلة ضخمة يفترض أن تكفي لتأمين السوق الوطنية لفترة معتبرة حتى في حال توقف الإمدادات الخارجية مؤقتًا.

 

 

كيف يُوزّع المخزون داخل البلاد؟

 

حسب دفتر الشروط، يتم تكوين المخزون على مرحلتين وبطريقة تضمن توفره في المراكز الرئيسية للتخزين.

في المرحلة الأولى، وقبل منتصف شهر مايو، يجب أن تتوفر في مستودعات نواكشوط وحدها كميات أولية تشمل 2,700 طن من البنزين، و900 طن من الكيروسين و9,800 طن من الغازوال، دون تخزين الفيول في هذه المرحلة داخل نواكشوط.

 

أما في المرحلة الثانية، فيتم استكمال بقية الكميات وتوزيعها بين نواكشوط وانواذيبو، وتشمل 1,300 طن إضافية من البنزين، و2,700 طن من الكيروسين، و43,850 طنًا من الغازوال، إضافة إلى كامل كمية الفيول البالغة 1,800 طن.

 

وباكتمال هذه المرحلة، يكون المخزون القانوني الواجب توفره داخل البلاد قد تحقق بالكامل وفق ما ينص عليه الاتفاق.

 

مخزون محسوب لكنه غير قابل للاستخدام

 

يشير الاتفاق كذلك إلى وجود جزء من الوقود لا يمكن استعماله عمليًا في التزويد اليومي، لأنه يبقى داخل الأنابيب أو في قاع الخزانات، ومع ذلك يُحتسب ضمن المخزون الرسمي.

وتبلغ هذه الكميات 500 طن من البنزين، و300  طن من الكيروسين، و565 طنًا من الغازوال، إضافة إلى 1,660 طنًا من الفيول.

 

ولهذا السبب، يُلزم الاتفاق المورّد بتعويض هذه الكميات عند تكوين المخزون، حتى لا تؤثر على القدرة الفعلية على تزويد السوق في حالات الطوارئ.

 

 

متى يُستخدم المخزون الاحتياطي؟

 

ينص الاتفاق صراحة على أن المخزون الاحتياطي لا يجوز استعماله إلا بترخيص رسمي من وزير الطاقة، وفي حال استخدامه لأي سبب طارئ، فإن المورّد ملزم بإعادة تكوينه فورًا وعلى نفقته الخاصة. كما يمنع رهن هذا المخزون أو التصرف فيه تجاريًا، باعتباره مخصصًا حصريًا لضمان أمن التزويد الوطني.

 

وبذلك فإن المخزون الاحتياطي ليس جزءًا من الدورة التجارية اليومية، بل هو أداة سيادية لحماية السوق في الظروف الاستثنائية.

 

 

لماذا ظهرت الأزمة إذن؟

 

إذا كان المخزون الاحتياطي متوفرًا فعلًا بالكميات المنصوص عليها في الاتفاق، فإن تأخر السفن أو اضطراب الإمدادات الخارجية لا ينبغي أن ينعكس فورًا على توفر الوقود في المحطات. وهو ما يطرح اليوم احتمالين مقلقين:

 

إما أن المخزون الاحتياطي غير مكتمل أصلًا أو أقل من المستوى المطلوب قانونيًا،

وإما أنه استُخدم دون إعادة تكوينه في الوقت المناسب.

 

وفي كلتا الحالتين، فإن الأمر يتجاوز مجرد إشكال لوجستي عابر، ليطرح مسألة احترام الالتزامات التعاقدية، وفعالية منظومة الرقابة الحكومية على مخزون استراتيجي يمس مباشرة الأمن الاقتصادي والاجتماعي للبلاد.

 

 

بين النص والواقع

 

يظهر من خلال نص الاتفاق أن الدولة وضعت إطارًا قانونيًا واضحًا لتفادي مثل هذه الأزمات، وحددت كميات دقيقة، وآليات للتخزين، وضوابط لاستخدام المخزون الاحتياطي. غير أن الأزمة الحالية تعيد طرح سؤال التنفيذ والرقابة:

هل تم احترام هذه الالتزامات كما هي مكتوبة؟ أم أن الفجوة لا تزال قائمة بين النصوص والواقع الميداني؟

 

ذلك سؤال مشروع لا يهم فقط المستهلكين الذين يواجهون اليوم صعوبات في التزود بالبنزين، بل يهم أيضًا صانعي القرار، لأن أمن الطاقة لم يعد مسألة تقنية، بل عنصرًا أساسيًا من عناصر الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

 

أقلام

سبت, 17/01/2026 - 13:31