
أعاد تساؤل تم تداوله على شبكات التواصل الاجتماعي – نشأ إثر تسريب وثيقة إدارية داخلية – إحياء النقاش، ولو بشكل عابر، حول مسألة «الهدايا» المقدَّمة خلال بعض الزيارات الرسمية. وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى توضيح قانوني.
فالتشريعات الحديثة لمكافحة الفساد تحظر تلقي أي منفعة من شأنها التأثير في القرار العمومي، وهي تستهدف ما يسميه القانون «المنفعة غير المشروعة»، أي كل مقابل شخصي مرتبط بممارسة الوظيفة. غير أن هذا الإطار القانوني لم يكن يومًا موجّهًا للطعن في الأعراف الدبلوماسية أو في بعض الممارسات الثقافية المتجذّرة بعمق في الفضاء الإفريقي.
وبوجه عام، فإن الهدية البروتوكولية، التي تُقدَّم علنًا وبصفة رسمية وباسم دولة إلى دولة أخرى، لا تندرج ضمن دائرة المنفعة الشخصية، بل تمثل فعلًا رمزيًا للمجاملة السيادية، وتعبيرًا مؤسساتيًا عن حسن الجوار والضيافة وروح الأخوّة بين الدول.
غير أنه ينبغي التمييز هنا بين مستويين أساسيين.
فالهدایا الرمزية والحرفية، التي تعكس الهوية الثقافية للبلد المضيف، يمكن تصويرها وتداولها إعلاميًا بشكل مشروع، لأنها تندرج ضمن إطار التمثيل الرسمي.
وبموازاة ذلك، توجد في موريتانيا ومحيطها الإقليمي القريب تقاليد بروتوكولية راسخة في الكرم، تتعلق بمنتجات غذائية أو ثقافية مميزة، مثل:
السمك الموريتاني، والحلويات المغربية، والتمور الجزائرية، والفول السوداني السنغالي، وزيت الزيتون التونسي، والعسل المالي، فضلًا عن قماش «البازين» عالي الجودة المستورد من ألمانيا، والذي تُصنع منه الدراعات التي يحرص الموريتانيون على إهدائها.
وتُقدَّم هذه الهدايا بروح خالصة من الكرم، ومن دون أي غاية وظيفية أو مصلحة عملية، وهي تندرج ضمن أخلاقيات اجتماعية تقوم على الكتمان والاحتشام. لذلك لا ينبغي تصويرها أو الترويج لها إعلاميًا، لأن إظهارها للعلن يُعد خرقًا لثقافة العطاء، حيث تكمن قيمة الهدية في النية لا في الاستعراض.
وخلاصة القول، يمكن التأكيد على أن القانون يحمي نزاهة القرار العمومي، بينما تكرّم الهدية البروتوكولية العلاقات بين الدول.
عبد القادر ولد محمد
ترجمة: أقلام



.jpeg)

.jpeg)