الساحل: رتابة حرب كامنة تتكرّس

تُظهر أطراف الأزمة مأزق توازن الاستنزاف المتبادل. فكل مكسب، سواء تعلق بعودة نازحين داخليين أو باستعادة رقعة جغرافية كانت قد فُقدت، يُقابَل عاجلًا أم آجلًا بتصاعد جديد في العنف، تختلف حدّته ومدّته من حالة إلى أخرى. يسقط الجهاديون بأعداد كبيرة، غير أن عزيمتهم تزداد صلابة، بفعل تجدّد تدفّق المجندين، ومعظمهم من فئة المراهقين، القادمين من مراكز تدريب سرّية. ومع ازدياد التجاوزات التي تُنسب إلى تحالف دول الساحل في حق مدنيين عُزّل، تتماسك القاعدة المجتمعية للتجنيد أكثر، لصالح الجهاديين. وهكذا تستمر مواجهة عقيمة لا تفضي إلى نصر لأي طرف، فيما تتواصل عملية التدمير المتبادل دون أن يلوح في الأفق القريب أي أمل واقعي في السلام.

 

في مالي، وتحديدًا في محيط العاصمة باماكو، أعلن تنظيم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين تبنّيه سلسلة هجمات استهدفت وحدات موالية للدولة. وشملت هذه العمليات السيطرة، يوم 4 يناير 2026، على هدف ذي طابع تكتيكي في منطقة فالاني بولاية كوليكورو، تلاها في اليوم التالي الاستيلاء على مواقع قرب مدينة دوغوفري بولاية سيغو. كما أعلن التنظيم مسؤوليته عن كمين نُفذ يوم 3 يناير بين منطقتي كسارو وسوريبوغو بولاية خاي، استهدف رتلًا للقوات المسلحة المالية وعناصر من “فيلق أفريقيا” الروسي كانوا يرافقون صهاريج وقود. ووفق رواية التنظيم، شملت الغنائم أسلحة وذخائر ووثائق هوية ومتعلقات شخصية.

 

ومع تصاعد حضوره الإعلامي، بثّ التنظيم، ابتداءً من 6 يناير، صورًا قال إنها لمعسكر “أبو عيسى الأنصاري”، الذي يُقدَّم بوصفه مركز ثقل لعملياته الأخيرة. وعلى امتداد غرب مالي، المحاذي لموريتانيا والسنغال، تشير معطيات الرصد الأمني إلى ارتفاع وتيرة مصادرة الممتلكات من طرف المسلحين، مستفيدين من هامش حركة أوسع لما يُعرف بجباة “الزكاة القسرية”. في هذه المناطق، يتراجع حضور الدولة بشكل متواصل، وتحاول المجتمعات المحلية التكيّف مع الفراغ القائم، حيث يتردد السكان في الإبلاغ عن المسلحين، تحت وطأة الإرهاق والخوف من الانتقام. وفي العديد من المناطق التي تآكلت فيها قدرة الردع الرسمية، تتشكل ترتيبات موضعية لعدم الاعتداء، أو أشكال من التعاون الاضطراري مع الكتائب المسلحة.

 

من لملغي وتريلا وسومانكيديه وعمر فرا وصولًا إلى خاي، ومن سيلفلي وبليكواتو وبرارا إلى تيوجوب، اختفى حضور الجمارك والجنود من المشهد اليومي. لجأ عمد القرى إلى عواصم الولايات، بينما لا تلقى نداءات السكان القاطنين قرب مناطق الاشتباك أي استجابة من القوات المسلحة. وفي نهاية المطاف، يجد المدنيون أنفسهم مضطرين إلى التعايش مع هشاشة أوضاعهم. ومع ذلك، يلاحظ شهود هذا الانسحاب الجزئي للدولة من غرب مالي غيابًا لافتًا لظاهرة قطّاع الطرق، مع تسجيل مستوى متدنٍ للجريمة العادية.

 

في مواجهة هذا التآكل، تحاول هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة المالية إبراز بعض إنجازاتها الميدانية. فقد أعلنت، يوم 3 يناير، تحرير رهينة في محيط قرية غوريل هيري شمال غرب مدينة نيورو، معقل الزعيم الصوفي الشيخ بويي ولد حماه الله، الذي يُعد بدوره هدفًا للتنظيم. وتمت عملية الإخلاء في ختام دورية عسكرية محددة الهدف.

 

كما جرى توقيف شخصين يُشتبه بحيازتهما كمية كبيرة من المتفجرات خلال عملية تفتيش عند مخرج بلدة فركو، على الطريق الوطنية رقم 10 جنوب شرق سيكاسو، وهي منطقة تشهد تكرارًا لزرع العبوات الناسفة. وقد أُحيل المشتبه بهما إلى الدرك يوم 2 يناير لاستكمال التحقيقات.

 

ورغم السياق غير المواتي، تؤكد القوات المسلحة المالية قناعتها بفعالية عملياتها ضد صانعي المتفجرات، مشيرة إلى أن آخر عبوة ناسفة جرى اكتشافها وتفكيكها في المنطقة يعود تاريخها إلى 27 ديسمبر.

 

في موازاة ذلك، تداولت قناة روسية على تطبيق تلغرام تُدعى “Departamente” معلومات عن سيطرة مزعومة لعناصر من جماعة نصرة الإسلام والمسلمين على منجم ذهب في مورِيلا وسط البلاد. وكان المنجم يُستغل من قبل شركتي أنغلوغولد أشانتي وراندغولد ريسورسيز. ووفق القناة، أقدم المسلحون، يوم 4 يناير، على احتجاز سبعة موظفين قبل الإفراج عنهم لاحقًا دون تسجيل ضحايا.

 

في بوركينا فاسو، تبنت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين سلسلة هجمات متفرقة استهدفت القوات النظامية وميليشيا “متطوعي الدفاع عن الوطن”. وشملت هذه العمليات هجومًا يوم 31 ديسمبر في بلدة بوني بولاية ديدوغو، ثم السيطرة على ثلاثة مواقع عسكرية في مادوبا ويورونا وتوبا شمال شرق البلاد يوم 1 يناير 2026، قبل تنفيذ هجوم آخر يوم 5 يناير قرب بانفورا بولاية تانّونيان، المعروفة سابقًا بمنطقة الشلالات. ويُلاحظ أن التنظيم عاد إلى التحرك بمحاذاة شمال ساحل العاج، دون أن يجعل من هذه الجبهة أولوية استراتيجية في الوقت الراهن، في ظل تسجيل فترة هدوء نسبي خلال الخريف الماضي، نتيجة نشاط مكثف لقوات المتطوعين، شمل عمليات توغل واختطاف لموظفين وعسكريين داخل أراضي الدولة المجاورة.

في المقابل، أشادت وكالة الأنباء البوركينابية بما وصفته بنجاحات “المقاومة ضد الإرهاب” بين نوفمبر ونهاية ديسمبر. وأكدت السلطات العسكرية تحييد مقاتلين متخصصين في استخدام طائرات مسيّرة صغيرة لإلقاء متفجرات، كانوا مسؤولين عن مقتل عشرات الجنود خلال عامي 2024 و2025.

 

ووفق المصدر ذاته، حاول مسلحون نشر طائرة مسيّرة مفخخة قرب تيطاو بولاية يادغا شمال البلاد، قبل ملاحقتهم داخل منطقة غابية كثيفة والقضاء عليهم إثر انفجار المتفجرات التي كانت بحوزتهم. كما سُجلت محاولات مماثلة في ولاية ناكامبي وسط شرق البلاد، حيث كانت مجموعات أخرى تُحضّر لهجمات جوية، وتم تحييد إحدى الفرق أثناء محاولتها العودة إلى قاعدتها.

 

وفي المنطقة نفسها، حاول مئات من المسلحين، تحت ضغط العمليات الحكومية، نقل معداتهم اللوجستية باتجاه غابة كابونغا، غير أن غالبية هذه المعدات جرى رصدها وتدميرها. أما في ولاية تابوا جنوب شرق البلاد، فقد كُشف مخطط لإلقاء متفجرات على بلدة كانتشاري، وتم تتبع منفذيه والقضاء عليهم مع المعدات التي كانوا يعتزمون استخدامها في هجوم وشيك. كما لقي آخرون المصير نفسه أثناء ممارستهم أنشطة تنقيب غير قانوني عن الذهب.

 

وفي تطور كُشف عنه لاحقًا، تمكنت وحدة من مجموعة التدخل الخاصة التابعة للكتيبة السادسة والعشرين للتدخل السريع، المتمركزة في أوغارو، يوم 19 ديسمبر، من إحباط مخطط لتلغيم جسر بييغا بولاية غولمو شرق البلاد، بعدما أدى تفريق العناصر المسلحة إلى إفشال العملية.

 

في النيجر، شنّت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين هجومًا يوم 5 يناير على بلدة تورودي، الواقعة بين نيامي والحدود البوركينابية، حيث سيطر المسلحون على مواقع عسكرية وقصفوا القوات النظامية باستخدام مدفعية ثقيلة. وأسفرت الاشتباكات عن مقتل محافظ المنطقة، النقيب تشايبو مالي، إلى جانب أفراد من أسرته.

 

من جهته، أكد تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل تنفيذ هجوم بعبوة ناسفة يوم 1 يناير استهدف مرور آليات للجيش قرب قرية تيليبيس بولاية تاهوا، ما أدى، بحسب البيان، إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف الجنود.

 

على الصعيد الداخلي، حذّرت الحركة الوطنية من أجل الحرية والعدالة، المحسوبة على الرئيس المنتخب محمد بازوم، من مخاطر تخزين كميات من مادة اليورانات في مناطق ذات كثافة سكانية، وتحديدًا في نيامي، معتبرة ذلك تهديدًا للصحة العامة. ودعت الحركة إلى سحب المواد المشعة وفتح تحقيق مستقل للتحقق من احترام معايير السلامة النووية. وفي الوقت نفسه، تتابع المعارضة النيجرية، إلى جانب جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وتنظيم الدولة الإسلامية ومحامي شركة “أورانو” الفرنسية، عن كثب عملية نقل شحنة تُقدّر بنحو ألف طن من هذه المواد باتجاه ميناء لومي، حيث تنتظر سفينة ترفع العلم الروسي لشحنها. وحتى الآن، لا يزال الغموض يلف مصير هذه الشحنة، في ظل التحقيق الذي فتحه الادعاء العام في باريس منذ منتصف ديسمبر 2025.

 

منصة رصد الساحل

اثنين, 12/01/2026 - 09:04