
تمرّ ذكرى رحيل السياسي والمفكر محمد يحظيه ولد ابريد الليل (يناير 2021) فتعود معها أسئلة الوطن الكبرى: معنى الدولة، حدود السلطة، شروط العدالة، ودور الوعي في بناء الاستقرار السياسي والاجتماعي. لم يكن الرجل مجرد اسم في سجل النخب، ولا صوتًا عابرًا في ضجيج اللحظة السياسية، بل كان أحد العقول التي أسهمت، بهدوء وصرامة، في تشكيل جزء معتبر من النقاش العمومي الموريتاني خلال عقود اتسمت بالتحولات والانكسارات والرهانات الكبرى.
في مشهد سياسي كثير الاضطراب، هيمنت عليه أحيانًا الشخصنة، والاستقطابات الحادة، والتقلبات السريعة في المواقف، مثّل ولد ابريد الليل استثناءً لافتًا. كان ينظر إلى السياسة بوصفها فعل بناء طويل النفس، لا مجرد صراع مواقع أو سباق نفوذ. دافع باستمرار عن فكرة الدولة الجامعة، وعن أولوية المؤسسات على الأفراد، وعن ضرورة إخضاع السلطة لمنطق القانون والمعايير، لا لمنطق الولاءات والتوازنات الظرفية.
تميّز بقدرة نادرة على الجمع بين عمق التحليل ووضوح الموقف، وبين النقد الصارم والالتزام الأخلاقي. لم يكن نقده انفعاليًا ولا انتقائيًا، بل مؤسسًا على قراءة تاريخية واجتماعية دقيقة لمسار الدولة الموريتانية، وعلى وعي عميق بتعقيدات المجتمع وتنوعاته وحساسياته. كان يدرك أن أزمات الحكم ليست تقنية فقط، بل ثقافية وسياسية في جوهرها، مرتبطة بضعف الثقة، وهشاشة العقد الاجتماعي، وتآكل المعنى العام للسلطة والمسؤولية.
لم يكن يكتب ليجامل، ولا يتكلم ليكسب شعبية أو تموقعًا ظرفيًا. ظل وفيًا لخطاب العقل، حتى عندما بدا هذا الخيار مكلفًا في بيئة سياسية تميل إلى الخطاب السهل والشعارات السريعة. وفي مقالاته ومداخلاته، حذّر باستمرار من اختزال السياسة في الأشخاص، ومن تحويل الدولة إلى امتداد للعلاقات الخاصة، ومن تغليب الخطاب العاطفي على التفكير المؤسسي الرصين.
وكان حضوره في النقاش العام ــ سواء عبر الكتابة أو الحوار أو المساهمة الفكرية ــ بمثابة ضمير نقدي هادئ، يذكّر بأن الإصلاح الحقيقي لا يُبنى بالقطيعة اللفظية ولا بالمزايدات، بل بتراكم الأفكار، وبترسيخ ثقافة القانون، وبإعادة الاعتبار للعقل العمومي كمرجعية مشتركة.
اليوم، ونحن نستحضر سيرته، لا نستدعي مجرد ذاكرة شخصية أو حنينًا لنخبة راحلة، بل نواجه سؤالًا وطنيًا ملحًا: ماذا تبقى من تقاليد النقاش الرصين في فضائنا العام؟ ماذا تبقى من المثقف الذي يزعج السلطة والمعارضة معًا لأنه لا يساوم على الحقيقة؟ وماذا تبقى من السياسة باعتبارها مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون ممارسة سلطوية؟
إن أفضل وفاء لمحمد يحظيه ولد ابريد الليل ليس في الرثاء وحده، بل في استعادة المعنى الذي دافع عنه: أن الفكر جزء من الأمن الوطني المعنوي، وأن الدولة لا تُبنى فقط بالقرارات، بل بالأفكار، وبالثقة، وبالقدرة على إدارة الاختلاف بعقلانية.
رحل الجسد، وبقي الأثر. وبقيت الفكرة حيّة، عصية على النسيان، تنتظر من يحملها في زمن تتكاثر فيه الأصوات ويقل فيه المعنى.
رياض ولد احمد الهادي



.jpeg)

.jpeg)