
اعتمدت موريتانيا لسنوات سياسة دعم مباشر لأسعار المحروقات، بهدف الحفاظ على استقرار الأسعار وحماية القدرة الشرائية للمواطنين. غير أن ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا خلال الأعوام الأخيرة جعل كلفة هذا الدعم مرتفعة على الميزانية العامة، حيث تحمّلت الدولة فروقات كبيرة بين سعر التكلفة وسعر البيع عند المضخة.
في هذا السياق، اتجهت الحكومة اليوم إلى مراجعة آلية الدعم، عبر الانتقال من الدعم الشامل للأسعار إلى الدعم الموجّه للأسر الهشة، من خلال آلية وطنية جديدة للمقاصة تحمل اسم «تساند».
المنطق الاقتصادي للقرار
اقتصاديًا، يُنظر إلى الدعم العام للمحروقات باعتباره:
•مكلفًا ماليًا: يستنزف الموارد العمومية ويحد من قدرة الدولة على الاستثمار في قطاعات اجتماعية أساسية مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية.
•غير عادل توزيعيًا: يستفيد منه بشكل أكبر أصحاب الاستهلاك المرتفع (الشركات، الأسر الميسورة، النقل الخاص)، أكثر مما تستفيد منه الفئات الفقيرة.
•مشوّهًا للسوق: يضعف إشارات الأسعار ويشجع على الإفراط في الاستهلاك والتهريب.
التحول نحو دعم موجّه يسمح:
-بتقليص العبء على الميزانية.
-بتحسين استهداف الفئات الأكثر هشاشة.
-بتحرير جزء من الموارد لبرامج اجتماعية وتنموية أخرى.
آلية «تساند»: كيف يُفترض أن تعمل؟
وفق المعطيات الرسمية، تعتمد الآلية الجديدة على:
•محددات تقنية قابلة للتحيين مرتبطة بأسعار الطاقة العالمية.
•بيانات اجتماعية موثوقة مأخوذة من السجل الاجتماعي الوطني لتحديد المستفيدين بدقة.
•تنسيق بين القطاعات الوزارية لضمان سرعة التنفيذ والشفافية.
ويُفترض أن يتم تفعيل الدعم تلقائيًا كلما تجاوز سعر الوقود عتبة معينة، بحيث تحصل الأسر الهشة على تحويلات أو تعويضات مالية تخفف أثر ارتفاع الأسعار.
الآثار المتوقعة على الاقتصاد والأسعار
على المستوى الكلي:
•تخفيف الضغط على الميزانية العامة.
•تحسين الانضباط المالي وتقليص العجز.
•تقليل مخاطر تقلبات أسعار الطاقة على المالية العمومية.
على مستوى الأسعار والمعيشة:
-احتمال ارتفاع تكاليف النقل والسلع المرتبطة بالطاقة في المدى القصير.
-بقاء التأثير الاجتماعي مرتبطًا بمدى سرعة وفعالية وصول الدعم للأسر المستهدفة.
التحديات والمخاطر المحتملة
رغم وجاهة المنطق الاقتصادي، يظل نجاح الإصلاح مرتبطًا بعدة عوامل:
-دقة استهداف المستفيدين من الدعم.
-سرعة صرف التعويضات مقارنة بوتيرة ارتفاع الأسعار.
-شفافية إدارة الآلية وثقة المواطنين فيها.
-قدرة الإدارة على تحديث قواعد البيانات الاجتماعية بانتظام.
-التنسيق بين القطاعات لتفادي الاختلالات أو التأخير.
أي خلل في هذه العناصر قد يضعف الأثر الاجتماعي للإصلاح ويزيد من الضغط على القدرة الشرائية.
خلاصة
يمثل قرار رفع الدعم العام عن المحروقات والانتقال إلى دعم موجّه للأسر الهشة تحولًا هيكليًا في السياسة الاجتماعية والمالية للدولة. وهو خيار اقتصادي منطقي من حيث الكفاءة والاستدامة، لكنه يتطلب إدارة دقيقة، وشفافية عالية، وآليات تنفيذ فعالة لضمان ألا تتحمل الفئات الضعيفة كلفة الإصلاح.
النجاح الحقيقي لهذا التحول لن يقاس فقط بتقليص الإنفاق، بل بقدرة النظام الجديد على تحقيق العدالة الاجتماعية وحماية القدرة الشرائية للفئات الأكثر هشاشة.
أقلام



.jpeg)

.jpeg)