عنف الإمبراطوريات في لحظة الاحتضار

لا تفقد الإمبراطوريات، وهي في طور الأفول والانحدار، قدرتها على الضرب والإيذاء، لكنها تفقد قدرتها على الإقناع. وحين يتآكل الإقناع، تُستبدل السياسة بالقسوة، ويُعوَّض التأثير وبناء التحالفات بالقوة العارية.

 

في عملية خاطفة، مجرّدة من أي غطاء تحالفي أو تمهيد شرعي، نُفِّذت بقوة السلاح وحده، جرى اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله خارج بلاده. لم تكن العملية إعلان حرب، ولا تنفيذًا لقرار دولي، بل استعراضًا صافيًا للقوة العسكرية؛ رسالة مباشرة هدفها الإعلان عن الجاهزية والقابلية للوصول، وعن يدٍ قادرة على البطش دون الحاجة إلى مبرر أو غطاء شرعي.

 

هذا المشهد ليس استثناءً في التاريخ، بل يتكرر غالبًا في اللحظات التي تدخل فيها الإمبراطوريات طور الأفول، حين تصل إلى مرحلة إدراك ما لا تريده دون أن تكون قادرة على تحديد ما الذي تريده فعليًا.

 

فعلى سبيل المثال، حين هاجمت بريطانيا مصر في أزمة السويس عام 1956، لم تكن عاجزة عسكريًا، لكنها كانت عاجزة زمنيًا. كانت تعرف أنها لا تريد خسارة قناة السويس، لكنها لم تكن تعرف أي دور تريد أن تلعبه في نظام دولي لم تعد مركزه. فجاء العنف محاولة لتجميد التاريخ، لا لصناعته.

 

وتكرر المنطق نفسه مع الاتحاد السوفياتي حين غزا أفغانستان. فقد كان السوفيات يدركون ما لا يريدونه، وهو فقدان نفوذهم، لكنهم لم يعرفوا، أو لم يستطيعوا تحديد، ماذا يريدون في عالم كان ينتقل اقتصاديًا وثقافيًا إلى طور جديد، فتحول السلاح من أداة حماية، ومن ضمانة نفوذ، إلى أداة استنزاف وانهيار.

 

هذا المنطق هو ما يجمع بين تلك الحالات وما جرى في فنزويلا ليلة أمس؛ فالهجوم الأمريكي لم يكن نصرًا، ولا استعادةً حقيقية للنفوذ، بل مؤشرًا لا لبس فيه على فقدان البوصلة التاريخية. وحين تعجز الإمبراطوريات عن استعادة الزمن الذي صنع هيمنتها، تلجأ إلى العنف والسلاح، ليس لفتح أفق جديد، بل لمنع الانتقال إلى الأفق القادم.

 

عنف الإمبراطوريات في لحظة الاحتضار ليس تعبيرًا عن قوة متجددة، بل ارتباك أخير أمام حركة التاريخ. فالتاريخ لا يُجمَّد بالقوة، والزمن لا يُستعاد بالسلاح، وكل محاولة لإيقافه لا تفعل سوى تسريع لحظة تجاوزه.

سبت, 03/01/2026 - 23:40