حوار ملغوم.. أم حوار محسوب !!

أحيانا تتماثل الأنظمة السياسية  و الأفراد في المغامرات غير المحسوبة، فبعض الأفراد ، حين يشعر بصداع أو حساسية جلدية مع حكة مزعجة تأتيه على نوبات، يقرر بإرادته الكشف على وضعه الصحي  عموما دون أي مؤشر على تلبسه بمرض خطير مهدد لحياته ، فيكتشف، بسبب ذلك الكشف العام،  أن فيه مرضا كان بوسعه، في غياب الوعي به و بتداعياته النفسية عليه، أن يعيش عشرات السنين بذلك المرض و قد يختفي منه دون علم به، تبعا لتحسن غذائه أو تنظيف بيئته،  لكنه ينهار فورا حين يعي بحجم هشاشته ، جراء انهيار معنوياته و استحضاره للموت  !  كذلك، فإن بعض الأنظمة السياسية تغامر أحيانا  بإرادتها بالدخول في حوار سياسي لا تتوفر له أبسط مقومات الموضوعية  و لا شروط  التوافق على أي من الموضوعات المرهقة المطروحة على موائد الحوار: ففي موضوع إعادة تأسيس الدولة، فإن الإثنيين من المكونة البولارية لن يقبلوا بأقل من إعادة  تأسيس الدولة على أسس عرقية و لونية تفرز كيانا سياسيا برأسين عرقيين، أحدهما مشرق و الآخر مغرب،  و لا أقل من إلغاء المادة السادسة من دستور  البلاد المعمول به اليوم المعتمد للغة العربية لغة رسمية   ، و اعتماد اللغة الفرنسية، بدلا منها،  أساسا مشتركا لوحدة الدولة الوطنية و أرضية تفاعل نخبها، كما كان معمولا به في دستور 1964! و في موضوع أحداث 1991-1992، فلن يقبلوا بأقل من تسمية العسكريين،  بمختلف المراتب مهما عظم العدد و تعددت المراتب، الذين يتهمونهم، حقا أو باطلا،  بارتكاب قتل و تعذيب العسكريين من المكونة البولارية خلال تلك الأحداث الغامضة في المؤسسة العسكرية، و لا بد أيضا من نبش قبور أولئك الضحايا و تحديد أسباب موتهم  ، هل بالخنق أو بالرصاص أو بالدهس... و لا مناص من  تغيير تاريخ الاحتفال بالاستقلال الوطني ، الذي يعتبرونه يوم حداد و حزن، أي نقل يوم الاحتفال من يوم الثامن و العشرين  نوفمبر إلى تاريخ يرضيهم؛بل قد يشترطون أن يكون  مصادفا لتاريخ تأسيس حركة( افلام! )؛ و قد تنضاف شروط لاحقة تشكل موضع إجماع مع الفئويين من حركة (إيرا ) تتمثل في إعادة تقطيع إداري على أساس لوني يسهل الدعاية بأكثرية السود ، لغو يعتمدونه جميعا في أدبياتهم التحريضية على البلاد في المحافل الدولية، فضلا عن فرض إلغاء معايير الحالة المدنية البيومترية التي تصعب انسيابية التجنيس للمهاجرين غير الشرعيين، الوافدين من شعوب جنوب الصحراء، خاصة الفارين من الحروب الأهلية ! 
هكذا ستأتي حركة افلام ، لموائد الحوار ، برؤية متكاملة خدمها عناصرها  بعناية على مدى أربعة عقود داخل البلاد و خارجها! أما حركة ( إيرا)  التي انحصرت وظيفتها في (واق صدمات)  عن افلام، فليس لها  دليل عمل سياسي واضح أكثر من السخط على التاريخ الاستعبادي في البلاد ، تاريخ البيظان حصرا،  و الهوس بالانتقام من أمواتهم الاستعباديين عن طريق إدانة أحفاد أحفادهم الأحياء و القادمين، و أخذ الثأر منهم للعبيد السابقين و للمنحدرين من أصلاب الأرقاء السابقين ... و هذا الهوس الانتقامي من التاريخ  حمل هذه الحركة على تبني بل التماهي كليا مع أجندة حركة افلام تحت يافطة اللونية، بعدما أعجزهم وجود قواسم مشتركة أخرى مع الإثنيين العنصريين  من البولار !  أقول ذلك، لأنه لا داعي للحديث ، في هذا الحوار، عن الوضعيات الاقتصادية و الاجتماعية المزرية  للحراطين عموما و المنحدرين منهم من أصول استرقاقية، لأنها تحظى بإجماع وطني لا يعرف الاستثناء، و أي معنى لطرح موضوع للنقاش، فيما هو موضع وفاق وطني مسبق بالمطلق؟! و المطلوب فيما يخص هذه النقطة هو تفعيل مؤسسات الدولة في قوانينها و فرض مبدأ المساواة و العدالة الاجتماعية...  و اعتماد مبدأ مكانة الفرد بدلا من مكانة الجماعة ....
هذه أجندة( افلام - إيرا )  إلى الحوار الاستعراضي المقرر يوم السابع من الشهر الجاري، فما الذي يحمله المحاورون باسم النظام و "  أغلبيته"؟ و ما ذا يريد النظام نفسه من هذا الحوار ؟ ما ورائياته منه؟. ثمة ( إنّ) ... هل يقابل أجندة افلام  الملغومة في بعضها، و غير المشروعة في بعض آخر،  بأجندة بالاتجاه المعاكس كليا؟ و أي بصيرة هذه التي تسعى للصدام دون هدف على الحافة؟    و أي من مطالب افلام و شروطها  قابل للنقاش بالنسبة للنظام،  و المرونة إزاءه، إذا لم يكن السعي للتصادم و التصعيد  معها مطلبا سياسيا؟ و لأي مصلحة فتح حوار سياسي محكوم عليه بالفشل ، في ضوء حدية و إرهاق موضوعات الحوار المعلومة الآن؟  و كيف ينظر النظام و المتحاورون عموما لحقوق أكثرية هذا الشعب ... هل يسقطون حقوقها الثقافية و هويتها القومية و تاريخيتها في هذه الأرض من حسابهم  حين يتنادون  لموائدهم، لقاء نيل رضى الافلاميين، الذي لن يحصل!   
إن أي مشفق على استقرار البلاد و استمرار كيانها السياسي موحدا ، كيان شكل الدولة على الأقل بالرغم من فساد حكامها و هضم حقوق بعض مواطنيها و غبن بعض و ظلم بعض آخر  تاريخيا، كمكونة لحراطين،  أو بأيدي أنظمة سابقة مثل مظالم مكونة البولار في أحداث 1991-1992 ، لا بد أن يتلبسه الخوف العميق، في هذا الظرف بالذات،   من اليوم التالي لتداعيات هذا الحوار المجاني الغامض في مراميه في جهة النظام،  الذي ربما  يكشف من درجات المرض و الضعف الخفية، الهيكلية للدولة و نظامها السياسي ،  ما لن يعالج من الأوجاع و العيوب الماضية  الظاهرة... فنجد أنفسنا إزاء مفاعيل تفتيت جديدة أخطر مما كنا  نتوجع منه قبل الحوار،  تنضاف، بسبب الحوار المتهور  و مضاعفاته،  إلى عوامل و معاول التفتيت السابقة! 
حفظ الله بلدنا و شعبنا...

خميس, 01/01/2026 - 23:05