قراءة في كتاب الأستاذ عبد الله محمد حول اعتقالات البعثيين الموريتانيين في مطلع ثمانينيات القرن الماضي

أهداني أخي الأكبر الإعلامي والكاتب المعروف الأستاذ عبد الله محمد حفظه الله نسخة من كتابه: "في ضيافة ملائكة العذاب".
وقد قرأت الكتاب من الغلاف إلى الغلاف أو قريبا من ذلك.
وهذه خلاصتي لقراءته.
يقع الكتاب في 144 صفحة من القطع المتوسط وهو من إصدارات  مطبعة المرايا 2024.
يرسم الكتاب صورا مأساوية مؤلمة لأنواع التعذيب الذي تعرض له البعثيون أو من اتهم بالانتماء لهم في عهد حكم الرئيس الأسبق محمد خونا هيداله.
يقول المؤلف في مدخل الكتاب: "شكر وتقدير": (اعتقد انه يجدر بالنخبة الموريتانية، اليوم بعد مضي أكثر من ستة عقود على الاستقلال، الإسراع إلى تدارك الوضع من خلال مجهودات نوعية تصب في محاولة إعادة تشكيل العقلية عن طريق التبصير والتنوير وتسليط الأضواء على التشوهات في المفاهيم والمسلكيات وعلى المناطق المعتمة والاختلالات الكثيرة التي تكبل الطاقات الخلاقة الكامنة في المجتمع.
ويضيف:
(ولعل من أخطر تلك الاختلالات، الحيوف التي انزلتها بعض الأنظمة والمستقوون بالدولة ومراكز النفوذ المختلفة، بالفئات الضعيفة وبالمتذمرين والمنافحين عن الحرية..وقد تخطى الأمر احيانا، مستوى التجبر والتكبر ووصل حد قطع الأرزاق وجز الأعناق فضلا عن تعذيب المعارضين السياسيين والتنكيل بهم.)
تناول الكاتب بالتفصيل محنة البعثيين في المعتقلات سنة 1982  ابتداء بمرحلة الاعتقالات ثم التنقل بين عدة محطات كلها أسوأ من سابقتها: مفوضيات الشرطة ثم جيني مليتير (الهندسة العسكرية) ثم مرحلة العلاج في المستوصف العسكري التي كانت السبب في تسريب أخبار ما يتعرض له السجناء من تعذيب إلى منظمة العفو الدولية وإلى العالم الخارجي،ثم السجن المدني ثم اجريدة ثم المحاكمة العسكرية ثم الأحكام وما تضمنته مختلف هذه المراحل من صنوف التعذيب والإذلال وامتهان كرامة الإنسان بصورة يصعب على العقل البشري تخيلها، ثم توزيع المحكومين إلى المنافي البعيدة في الداخل ثم صدور العفو بعد الانقلاب الذي قاده الرئيس معاوية ولد سيد أحمد الطايع على حكم محمد خونا هيداله .
أما ملاحق الكتاب فقد تضمنت حكم المحكمة العسكرية مع تأبين للمفكر الراحل محمد يحظيه بريد الليل رحمه الله.   
مهد المؤلف لهذه التفاصيل بالحديث عن حركة التطوع التي انخرطت فيها التيارات السياسية ونشط فيه البعثيون بشكل كبير وما رافق تلك المرحلة من قرارات مثيرة للجدل من قبل الرئيس هيداله  وما آل إليه نظامه  من احتقان وتخبط ، وقد بلغ التوتر ذروته من خلال المحاولة الانقلابية المعروفة ب 16 مارس (1981) وقد سرد المؤلف تفاصيل دخول الانقلابيين إلى الإذاعة حتى محاصرتهم من قبل مفرزة من الحرس.
وسنقف هنا عند مرحلة الاعتقالات ثم نقدم أمثلة من أنواع التعذيب ثم رحلة بومديد..  
مرحلة الاعتقال 
يصور المؤلف مرحلة الاعتقال تحت عنوان "زوار الفجر"، حيث يقفز رجال الشرطة إلى البيت في وقت متأخر من الليل ويكسرون الأبواب ويفتحون كل شيء ويعيثون فسادا في محتويات البيت ثم يعتقلون الضحية ويعصبون عينيه ويلقونه في السيارة من الخلف ثم يوصلونه  إلى مفوضية الشرطة حيث يبقى أياما في غرفة ضيقة نتنة الرائحة لا فرش فيها إلا ما كان من الصراصير والباعوض فيأخذ المعتقل وجبة أولية من الترهيب النفسي والبدني قبل بداية التحقيق. 
وهذا جانب من تصوير تلك الحملة كما ورد في إحدى قصائد الشاعر  فاضل أمين رحمه الله:
إسمع أخي سأقص عما قد جرى،
طرق اللصوص بيوتنا غِبّ الكرى
كان المؤذن يا أخي يدعو الورى
الله أكبر فالصباح قد أسفرا
لكنّهم كانوا هناك بجيشهم
وكلابهم تعوي وتنبش في الثرى
جاءوا كعاصفة الجراد من المدى
تجتاح في الظلمات نبتاً أحضرا
هتكوا البيوت بخيلهم وبرَجلهم
واستجوبوا حتى الشقيق الأصغرا
حتى دمى الأطفال، حتى مصحفي
ظن الكلاب به سلاحاً مُشْهرا
ما أعجب الجبار يملك عسكرا
لكنه يخشى التراب الأغبرا
في أحرف الكلمات يسمع نعيه
فيخالُ في الحداثِ موتا أحمرا
كاللص يضرب في متاهات العمى
خوفا فيحسب كل شيء مبصرا

 مرحلة التعذيب 
وصف المؤلف ما تعرض له المعتقلون من صنوف التعذيب التي شملت الضرب والتعرية من معظم الملابس والتجويع والمنع من الزيارات والمنع من استعمال أدوات النظافة ومنع زيارات الأهل أو التواصل معهم..
يقول المؤلف في وصف ما يتعرض له المعتقل عند دخوله غرفة التحقيق (بتصرف خفيف):
(يحمل المعتقل بعنف ويرجع على قفاه فوق القضبان الحديدية الصدئة واسلاكها الناتئة ويقف على كل طرف من اطرافه رجل شرطة يطأه بنعليه الخشنتين ويأتي الخامس وهو غالبا المفوض المسؤول عن عملية الاعتقال والتحقيق والتعذيب، ويبدأ رفسه على بطنه وصدره وأعضائه الأخرى بما فيها تلك الحساسة.. ثم يرفعه الجلادون فوق رؤوسهم ويخلون بينه وحصير الفولاذ فيسقط عليه سقوطا حرا..)
ونذكر هنا صورا من أقسى انواع هذا التعذيب كما أوردها المؤلف:
  الحزام الكهربائي 
وهو عبارة عن حزام عريض يلف بإحكام حول خصر الضحية وينفخ فيه آليا، وكلما انتفخ احس الإنسان بأنه سيتقيأ بل يشعر كأن جوفه سيخرج من فيه وبأن جسمه كله سينفجر، ثم يفقد الوعي. 
التهديد بالاغتصاب
ذكر المؤلف أنه سمع في إحدى الليالي صرخات تطلقها إحدى الفتيات المعتقلات في ساعة متأخرة وهي محاطة، فيما يبدو، برجال الشرطة المقنعين فكانت تصرخ وأحيانا تذكر الله وأحيانا تخفت الأصوات، فيزمجر "القائد " ويرعد ويزبد ويهدد ..  ويأمر بهتك حرمات الله والاعتداء على المسلمات المصونات، افعلوا بفلانة كما فعلتم  بفلانة.
ويضيف المؤلف: لم ينفذ الجنود الأوامر، أو لم نسمع فيما بعد أنهم نفذوا ما أمروا به، فهل كان الأمر للتخويف ام أن الجنود تورعوا أم أحيط الأمر بسرية..؟
وأورد المؤلف أبياتا من قصيدة الشيخ الخليل النحوي " نم مليا" التي تصف المشهد : 
فــي سبيـــل العـــــلى تـئن فتــــــــــــــــــاة
ليلها شاحب النجـــــــــــــــــوم شــــــــــجي
كلمــا استعطــفت صــــراخــــــــــا ، وأَََنتْ
سحرا ، واستهـــــــــــــل دمـــــــــع عَصِي
جـــاوبتها الصخــــــــور صمـــــــا وبكما :
ليس إلا الصـــــــــــدى وإلا العِــــــــــصِي
والرجــــال الملثـــــمـــــــــــون حضـــــور
أَوَمـــــــــــــا في الملثــــــــــــمين حَيــــــِي
أَوَمـــــــــــــا في الحمي شريـــــــفٌ عفيفٌ
أوَ ما في العبــــــــــــــــــاد عبــــــــــد تقي
سُبيتْ هــا هنا المـــــــــــروءةُ والرحــ (م)
ــمـــة والدين ، والحيـــــــــــــــــــــاء سَبِي

التعذيب بالآسيد 
ذكر المؤلف أن صحفيا بوكالة الأنباء الموريتانية اسمه محمد حرمة ولد محفوظ أخذ إلى الساحة في الهندسة العسكرية - أو أبو غريب موريتانيا كما سماها المؤلف- وسكبت على ساقه مادة قيل إنها الآسيد أو الزيت المحترق  وأنه شاهده بعد ذلك وقد تقشرت بعض انسجته وتلفت وتحولت إلى بقع بيضاء مثل البرص تحتل مساحة واسعة من جسده وأن هذه الحادثة أعاقته عن المشي  وعانى من آلام لمدة طويلة من الزمن.
حفلة "الباربكيو" (الشواء)
مع أن المعتقلين تعرضوا لحملات بشعة من التعذيب كما بين المؤلف لكن لعل أقساها ما سماه الكاتب حفلة " الباربكيو".
يقول المؤلف:
أحضر الرجل في وقت مبكر من ليلة ليلاء على غير العادة التي دأب عليها الجلادون وانتزعت ثيابه وأخذت كميات كبيرة من الجمر الملتهب، وامسك رجال أشداء أطرافه الأربعة وأخذوا يشوونه على ذلك الجمر كما تشوى الدجاجة أو الشاة، يقلبونه على جنبيه وبطنه وظهره حتى نضج اللحم وغاب الرجل عن الوعي.. ).
وذكر المؤلف أن الضحية بقي 6 أشهر جالسا لا يستطيع الاضجاع ، ينام جالسا وقد ألبس من الضمادات ما جعله يبدو مكفنا وهو حي.
هذا فضلا عن صنوف أخرى من التعذيب لا تقل قسوة ووحشية مثل التعذيب بجكوار والتعذيب بالوقوف.   
كيف تسرب الأمر إلى منظمة العفو الدولية؟
أصبحت حالة أربعة من السجناء حرجة بسبب التعذيب وسوء المعاملة ، ومنهم المؤلف، فقال الطبيب الذي كشف عليهم في السجن إنه لا بد من نقلهم إلى المستوصف العسكري وهناك تولى علاجهم طبيبان فرنسيان، ويبدو أن الرواية التي قدمتها الحكومة للطبيبين الفرنسيين أن هؤلاء رعاة كانو يتشاجرون على الآبار والمراعي  ولما اكتشفا أن الأستاذ عبد الله يتكلم الفرنسية زاد اهتمامهم بالسجناء واهتما بمعرفة الحقيقة فقدم لهم تفاصيل التعذيب الذي تعرضوا له، عندها كتب الطبيبان تقريرا  إلى منظمة العفو التي أنذرت الحكومة الموريتانية وكان من نتيجة ذلك  التخفيف عن المعتقلين.

حكم المحكمة 
ذكر المؤلف أن محكمة العدل الخاصة أصدرت أحكاما قاسية في فاتح أكتوبر 1983 بالسجن والأعمال الشاقة على قيادة حزب البعث تراوحت بين 12 - 10 سنوات وبفترات أخرى متفاوتة على مجموعة من كوادره،  مع مصادرة أموال الضحايا وممتلكاتهم لصالح " الأمة"، وعقب المؤلف على هذا الحكم بعبارة ذات مغزى وطرافة بقوله إنهم لا يملكون سوى ضمائرهم..
وتضمن حكم المحكمة أسماء (قضاتها) :
الرئيس: الرائد صو صميا 
المساعدان(assesseurs) : النقيب العربي ولد سيدي عالي والملازم اديابرا الشيخ 
المدعي العام: النقيب جدو ولد حكي 
كاتب الضبط : الرقيب أول با صمبا.

رحلة بومديد
توزع أصحاب الأحكام في المنافي داخل البلاد فوضع المؤلف ومعه الشيخ الخليل النحوي والأستاذ محمد فاضل ولد سيدي هيبة في سيارة انطلقت بهم من نواكشوط وسلكت بهم طريق الأمل وهم في حوضها الخلفي غير المريح والسيارة تسير بسرعة ولم يكترث السائق بالمطبات أو العوائق على الطريق ولم تتوقف السيارة إلا في مدينة ألاك حيث سمح لهم بأداء صلاة عاجلة تحت هجمات البعوض.
ثم استأنفت الرحلة ولم تتوقف السيارة إلا في مدينة كيفة مع الفجر وأصر الضابط المرافق للمعتقلين على تسليمهم في ذلك الوقت إلى والي العصابة، الطالب اخيار ولد مامين، الذي أمر بتسليمهم إلى فرقة من الحرس بقيادة المساعد أول محمد ولد اسويدي ثم نقلوا على الفور إلى سيارة أخرى انطلقت بهم تحت الحراسة إلى بومديد..  
يقول المؤلف إن الرحلة إلى كيفة كانت شاقة وطويلة ولم يتخاطب معهم أي من الحراس ولم يقدم لهم الشاي ولا الشراب ولا الطعام، لكن الرحلة من كيفة إلى بومديد كانت أشق لأن الطريق رملية ولكنها تميزت أيضا بالمعاملة الخشنة التي حرص قائد الفرقة على إظهارها فعاملهم بأسلوب فج وبعنجهية واستخفاف.
بعد الوصول إلى بومديد توجهت بهم السيارة إلى بناية من الطين قديمة تقع غرب المدينة وهي معزولة عنها.
وفي غياب تعليمات محددة بشأن التعامل مع السجناء استشار حاكم المقاطعة معاونيه وهم أعضاء فرقة الحرس فكان جواب قائد الفرقة، محمد ولد اسويدي، أن يستعملوا(السجناء) في ترميم وبناء البنايات الخربة والمدارس التي دمرتها السيول السنة الماضية.
أما العريفان محمد محمود ولد الصديق وأحمد سالم ولد الفلالي فقد تميز موقفهما بالشهامة فقالا للحاكم إن هؤلاء الشباب جاءوا لا يحملون من المتاع إلا الكتب وبعض الثياب ولا يبدو أنهم تعرضوا للأعمال الشاقة ولذلك اقترحا على الحاكم الانتظار حتى تاتيه تعليمات صريحة ، فإذا كانت الحكومة تريد معاقبتهم  بالأعمال الشاقة فإنها ستامر بذلك وتتحمل وزره ، أما إذا لم يكن الأمر على ذلك النحو فقد كفى الله المؤمنين القتال، خير لنا أن نزهد في شطط لم نكلف به من أن نخطئ في حق هؤلاء الشباب خطأ قد نندم عليه طيلة العمر.
واخيرا أخذ الحاكم براي العريفين وخذل ولد اسويدي، وأكمل العريفان معروفهما بالعاملة الحسنة رغم تشدد ولد اسويدي وفي غفلة من عيونه.
ونتيجة للضغط على الحكومة فقد سمحت بالتخفيف عن السجناء كما سمحت بزيارة الأهل وبالتواصل مع منظمة العفو التي أرسلت للنزلاء بعض الكتب والحاجات البسيطة..
وبدأت زيارات الأهل بما في ذلك الوالدات وتعاون النزلاء الثلاثة على خدمة الضيوف فكان الأستاذ عبد الله يتولى غسل الأواني وتولى الشيخ الخليل إعداد النشاء اما الأستاذ محمد فاضل فكان يتولى مهمة إعداد الشاي.
وخلال هذه الفترة تعرض النزلاء ثلاثتهم لمتاعب صحية وسعى إسلم ولد تاج الدين رحمه الله لنقلهم للعلاج في كيفة لكن الوالي رفض ذلك.
عرض التهريب.
 أثناء فترة الإقامة في السجن في بومديد عرض أحد شرفاء تيشيت الذي جاء يسقي إبله مع بعض رفاقه، عرض على السجناء،  تهريبهم إلى الأراضي المالية فرد عليه الأستاذ عبد الله بشكره  مؤكدا أنهم لم يقترفوا ما يستدعي  الهرب، وقارن بين سلوك هذا الرجل الشهم وسلوك قائد فرقة الحرس ومن سبقه من المتشددين مع السجناء. 
استمرت الإقامة في سجن بومديد حتى وقع الانقلاب على محمد خونا ولد هيداله وتولي معاوية الرئاسة في 12/12/1984 وأعلن بعد ذلك عن الإفراج عن السجناء السياسيين.
 
الخاسرون 
الخاسرون أو الذين سقطوا في اختبار الضمير والإنسانية وقبل ذلك اختبار الشريعة، وقد تكون قائمتهم طويلة وقد أورد المؤلف اوصافهم ومواقفهم وسلوكهم ومنهم الجلادون وقبلهم الذين أصدروا الأوامر ومعهم القادة الأمنيون والمسؤولون الإداريون الذين  شاركوا بشكل مباشر أو غير مباشر في تعذيب وإهانة المعتقلين أو إساءة معاملتهم وترويع ذويهم.
فقد خسر هؤلاء من أكثر من وجه ومن أعظم أوجه الخسارة أن يكونوا ممن باع آخرته بدين غيره.
عندما كان الإمام أحمد بن حنبل مسجوناً، سأله السجان: "هل أنا من أعوان الظلمة؟".
رد الإمام أحمد:  "إن أعوان الظلمة من يخيط لك ثوبك، ومن يطهو لك طعامك، ومن يبيعك الإبرة والخيط... أما أنت فمن الظلمة أنفسهم".

الفائزون 
الفائزون أو الناجون هم الذين نجحوا في الاختبار فلم يتجردوا من إنسانيتهم ولم تمت ضمائرهم ومنهم:
- ضابط الصف الذي وصف حيطان (جيني مليتير)- الهندسة العسكرية-  بأنها طويلة وخشنة لأنها معدة للرجال، وأكرم السجناء لمدة يوم وليلة ثم اختفى فلعله عوقب بسبب حسن تعامله مع السجناء 
- الشرطي الشاب الذي احسن التعامل مع السجناء عكس أعضاء مفرزته حيث كان يمر على بعض السجناء بعد التعذيب لنزع الشظايا من ظهورهم ويضمد الجراح كما حصل مع المؤلف وربما غيره.
- الطبيبان العسكريان الفرنسيان الذين كتبا تقريرا عن حالة السجناء إلى منظمة العفو الدولية بعد أن أتاحا الفرصة للسجناء المرضى للحديث عن ظروف الاعتقال وأسبابه.
- الضباط والحراس الذين كانوا يساعدون خفية في تسهيل تبادل المراسلات بين السجناء والأهالي 
- نقابة المحامين التي اعتادت مواجهة المستبدين 
- العريفان الذين وقفا دون إلزام السجناء بالأعمال الشاقة في سجن بومديد وعاملا السجناء معاملة حسنة.
- إسلم ولد تاج الدين الذي سعى لنقل السجناء إلى مدينة كيفة للعلاج.
- شريف تيشت الذي عرض على السجناء تهريبهم إلى مالي، وموقفه هذا يذكر بموقف محمد بن زيد بن علي في إنقاذه لمحمد بن هشام من بطش ابي جعفر المنصور وهذا مختصر للقصة:
عرض على أبي جعفر المنصور جوهرا فاخرا فعرف أنه لهشام بن عبد الملك وفهم من ذلك أن محمد ابن هشام يصلي معهم في المسجد فطلب ابو جعفر من رئيس حرسه أن يغلق المسجد بعد الصلاة وأن لا يخرج أحد حتى يتعرف عليه فعرف محمد ابن هشام أنه هو المقصود فتعرف عليه محمد بن زيد ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ووعده بتخليصه فوضع رداءه على رأسه وبدأ يسحبه فلما وصل للحرس لطمه لطمات وقال لهم هذا الخبيث جمال من أهل الكوفة اكراني جماله ذهابا وعائدا فهرب مني فساذهب به إلى القاضي فأرسل معه الربيع ، رئيس الحرس،  حرسيين فلما بعدا قال له يا خبيث أتؤدي لي حقي قال نعم يا ابن رسول الله، فطلب من الحرسيين الانصراف ، وبذلك نجا محمد بن هشام.
وهذا موقف شهم من محمد بن زيد فيه مخاطرة عليه هو نفسه لكنها مواقف الرجال.

أين الاعتذار ؟
دأبت الدول التي تحترم نفسها على الاعتذار لمن ظلمته وحتى المستعمرون- المستخربون- الذين لا يحكمهم سوى قانون القوة والغاب اعتذر بعضهم لضحاياه من الشعوب والدول.
فلماذا لا تعتذر الدولة لهؤلاء الأبرياء الذين تعرضوا لهذه المحنة القاسية وتعتذر لغيرهم من كل الذين ظلموا من الحركات القومية الأفريقية والعربية واليسارية والإسلامية وحتى إن رأت الدولة أن هذه أحداث وقعت في عهد أنظمة سابقة فإن الذين شاركوا في هذه الآثام بصورة مباشرة أو غير مباشرة عليهم أن يعتذروا علنا أو على الأقل يعتذروا مباشرة للضحايا لأن القصة لم تنته بعد فعند الله تجتمع الخصوم وكل إنسان سيحاسب على أفعاله واقواله، قال تعالى:(( وكلهم آتيه يوم القيامة فردا)).
وورد في الحديث الشريف:
جلس النبي صلى الله عليه وسلم  ذات يوم مع أصحابه فسألهم  عليه الصلاة والسلام: (أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: إن المفلس من أمتي، من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا. فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته. فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار).
فليبادر من تلبس بظلم الأبرياء بالاعتذار وطلب الصفح من الضحايا ومن ذويهم قبل فوات الأوان..
وهذا نموذج من نماذج الاعتذار السياسي  للسفير اليمني محمد عبد الرحمن العبادي، اخترت منه هذه الفقرات: 
أعتذر.. لأنني كنت جزءا من نظام تجبر وجرب وضل الطريق، 
أعتذر.. لأنني ناضلت من أجل الحرية والسيادة، ولكنني مثل غيري، لزمت الصمت على مذبحة الإعلام في عدن، وإغلاق الصحف، وخاصة «الأيام» و«فتاة الجزيرة» و«المصير» و قبلها أيضا.. لم أعترض على إقصاء أطراف الحركة الوطنية من العملية السياسية، إنني والله أخجل وأشعر بالعار عندما أتذكر أن رموز التنوير والتحرر الوطني من أمثال المكاوي والجفري وشيخان والصافي وجرجرة وخليفة وطه مقبل والبيحاني وبن فريد وآخرين ماتوا ودفنوا خارج وطنهم.
يا أبناء وطني.. أيها الشعب العظيم..! هل لكم أن تقبلوا اعتذاري، من ابن مخلص ضل وأخطأ، ويحاول التصحيح منذ 14 عاما ومايزال، لقد اعتذرت مرارا للأفراد والأحزاب والجماعات، وسأظل أعتذر لكم حتى آخر يوم من حياتي، لكنني أيضا أدعو الآخرين لما فوق الاعتذار.
فهل من مقتد بالسفير اليمني؟

هذه وثيقة تاريخية مهمة عن مرحلة مفصلية من التاريخ السياسي للدولة الموريتانية في العصر الحديث رسم فيه الكاتب ما عاناه البعثيون من تعذيب في المعتقلات في مطلع ثمانينيات القرن الماضي ولعله اول كتاب منشور يوثق للعلاقة بين أحد الأنظمة وبين إحدى الحركات السياسية.
ومع ما صور المؤلف من قسوة الجلادين وسقوط ضمائرهم وموت إنسانيتهم فقد تحلى بمستوى عال من الترفع عن الانتقام والإحساس بالمسؤولية، يقول المؤلف:
( انهيت كتابة هذه القصة شهر اغشت 2010 وكانت أكثر تفصيلا وتحديدا للوقائع  وذكرا للأسماء وخاصة اسماء الجلادين.. وبعد تفكير مطول آثرت عدم نشرها مراعاة لمشاعر الناس وإشفاقا على أبناء واحفاد واقرباء الجلادين انفسهم ونأيا بالنفس عن نكء جراح غائرة لم تندمل بعد وخوفا من إيقاظ نوازع الفتنة وبواعث والثأر  وابتعادا عن المشاركة في المزيد من تلطيخ السمعة السياسية للبلد).
  كما تحلى المؤلف بخلق الإنصاف عندما اعتبر أن الاعتداءات التي تعرض لها من قبل بعض المنتمين للحركات السياسية المنافسة كانت مجرد تعبير طائش من مراهقين أو أشخاص سذج يلتمس لهم العذر وأبعد هذا السلوك عن العداوة بين الحركات السياسية. .
وكذلك أيضا عندما أنصف بعض الحرس الذين أساءوا معاملتهم في السجون ووصفهم بأنهم ضحايا مثلهم.
ولعل هذا الكتاب مثل حجرا أو أحجارا حركت مياها راكدة ومن مظاهر ذلك الندوة التي نظمها المركز المغاربي للدراسات الاستراتيجية لمناقشة ما ورد في الكتاب وحضرها لفيف من المفكرين والمثقفين.
كما أن مقابلة المؤلف مع صحراء 24 حول الموضوع نفسه سجلت أكثر من خمسين ألف مشاهدة في الفيس بوك واليوتيوب خلال فترة قصيرة.
اعتقل ما يزيد على الف شخص في هذه الحملة وتعرض المعتقلون لشتى صنوف التعذيب وإهانة الكرامة الإنسانية بتهمة السعي لقلب النظام وتلقي الأموال من العراق وقد قدم المؤلف محاججة مفصلة فند فيها هذه التهم..
لكن السؤال الكبير هو كيف نستلهم الدروس والعبر من هذه التجربة القاسية المؤلمة خاصة فيما يتعلق بالعلاقة بين الحاكم والمحكوم؟
وفي جانب التحليل السياسي لأداء  الأنظمة بين المؤلف أن الدولة منذ الاستقلال فشلت في بناء نهضة عمرانية واخفقت في بناء شخصية وطنية وعقل موريتاني قادر على اخذ زمام المبادرة وعجزت الدولة عن تجفيف منابع التخلف التقليدية (الأمية، القبلية، العبودية) بل ظهرت منابع جديدة للتخلف مثل الولاءات العرقية والولاءات الساسية والطائفية.
كما أشار إلى أن التصحر الذي يعاني منه البلد إنما هو تصحر الفكر وجفاف الأخلاق.
وفيما يتعلق بالعلاقة بين الدولة والنخبة أشار إلى أن السياسيين والمثقفين ليسوا احسن حالا من الانظمة فيما يتعلق بعدم وجود رؤية واضحة أو مشروع مستقبلي، وذكر أن الحكومات المتعاقبة فرضت على الساحة ثقافة التزلف التي استغلها الوصوليون. 
لقد سن المؤلف سنة حسنة في توثيق مرحلة من مراحل التاريخ السياسي المعاصر لموريتانيا وتحديدا تجربة اعتقالات البعثيين في عهد محمد خونا هيدالة مع ما تضمنه هذا التوثيق من نقد ومراجعة لأداء الأنظمة والنخبة خلال فترة معينة. 
إن مراجعة سياسية شاملة لتاريخ الدولة منذ استقلالها تحتاج إلى اقلام السياسيين والمفكرين والمثقفين خاصة فيما يتعلق بتجارب علاقات الحركات الساسية مع الأنظمة ولكل حركة سجلها وتجاربها..
هذه المراجعة الشاملة ضرورية لبلورة مشروع فكري وطني يؤسس لرؤية مستقبلية واضحة تقود إلى وئام اجتماعي أخذا في عين الاعتبار ما يواجه البلد من تحديات داخلية وخارجية.
وتلك هي المحطات التي لا غنى عنها لبناء دولة حديثة، دولة المواطنة والمؤسسات وسيادة القانون والعدالة.. ومدار كل ذلك  الإنسان وكرامته وحريته واحترام حقوقه..
وربما أن هذه هي الرسالة العامة التي أراد المؤلف وفقه الله إيصالها.

اثنين, 22/12/2025 - 08:12