
مع تداول خبر فصل العقيد ألفا يايا سنغاري من الجيش المالي عقب نشره كتابه الموسوم بـ: «مالي والتهديد الإرهابي في إفريقيا» (Mali: Les défis du terrorisme en Afrique) الصادر عام 2023 في 318 صفحة، يبرز سؤال محوري حول مدى تقبل المؤسسات العسكرية للتشخيص النقدي الداخلي، خاصة عندما يتناول قضايا حساسة.
يقدم الكتاب، الذي وُصف بمحتواه بالمفصلي والشجاع، تحليلاً استراتيجياً عميقاً لأزمة مالي، بدءاً بمدخل تاريخي لجذور الإرهاب ما قبل عام 2012، مركزاً على عاملي التمرد في الشمال وإخفاق الدولة المركزية. ويتتبع تطور دور الجماعات المسلحة في الساحل وتحالفاتها مع شبكات الجريمة المنظمة، ليصل إلى عنصر بالغ الحساسية وهو اختراق المؤسسة العسكرية نفسها.
ويرى الكاتب بأن هذا المزيج من العوامل الداخلية المنهكة والتدخلات الخارجية أدخل البلاد في دوامة عنف مستدامة. في مواجهة هذه التشخيصات الجريئة، يطرح العقيد سنغاري رؤيته للإصلاح المتمثلة في إعادة بناء الدولة وإصلاح المؤسسة العسكرية من جذورها.
تشير هذه الوقائع، بمقاربة تحليلية، إلى نمط قد يتكرر في محيط إقليمي يواجه نفس المخاطر. فالتقارب الجغرافي والسياقي يفرض تهديدات ومآلات متشابهة على دول ساحل، حيث تتشابك العوامل العضوية ذاتها: ضعف البنية المؤسسية، وتغلغل الفساد، واختراق المؤسسة الأمنية من قبل شبكات الفساد العابر للقارات .
في هذا الإطار، تذكرنا شهادة العقيد سنغاري بتصريح سابق للعقيد المتقاعد ولد الفايدة، الذي حذر الرئيس معاوية ولد سيدي أحمد الطايع، في أول اجتماع بعد فشل محاولة فرسان التغيير ، من أن بعض ضباط الجيش يعملون "في البرص" في مؤشر خطير على تراجع كفاءتهم العسكرية (أي أنها في حالة خمول وانكفاء)، مما فتح المجال لاختراق المؤسسة العسكرية.
التشابه هنا يكمن في التحذير من تحول بعض العناصر العسكرية من حماة للدولة إلى فاعلين في اقتصاد الظل، متورطين في تعاملات مشبوهة مع جماعات مسلحة أو مصالح غير مشروعة، وفقاً لتحليل سنغاري.
يمثل الكتاب تشخيصاً دقيقاً للمخاطر الاستراتيجية الناجمة عن تآكل الروح العسكرية الأصيلة والصرامة المؤسسية بين قادة الوحدات القتالية، وهو تآكل قد يؤدي إلى عواقب وخيمة على أمن الدولة وسيادتها. وقد شهد الجيش الموريتاني نفسه في بداية الألفية وضعا مشابها، من حيث طبيعة الأخطار عكسته المحاولة الانقلابية في العام 2003، التي خططت لها عناصر مدنية داخل إحدى أهم الكتائب العسكرية.
صحيح أن السياق الموريتاني الحالي يختلف جوهرياً عما كان عليه قبل عقدين، حيث تم تعزيز الصروح المؤسسية والانضباط العسكري.
إن بعض الممارسات الحديثة، كمحاولات إقحام أفراد في الجيش في التجاذبات السياسية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تستدعي اليقظة. فهذه الأساليب، وإن اختلفت في الشكل، فإنها تشترك في الجوهر مع أساليب الاختراق "الناعم" التي استخدمتها الجماعات المتطرفة لإغواء وتجنيد بعض الضباط الماليين، كما وثق الكتاب.
في الخلاصة، يظل كتاب العقيد ألفا يايا سنغاري وثيقة تحليلية استراتيجية ثمينة، تجمع بين الخبرة الميدانية للكاتب والجرأة في تشريح الأزمات من داخلها. إنه ليس مجرد سرد تاريخي، بل هو نموذج لتحذير استباقي من الدوافع الهيكلية للانهيار، مما يجعله مرجعاً مفيداً لدول المنطقة في مسارها نحو تحصين مؤسساتها من الاختراق وبناء المرونة في مواجهة التهديدات المعقدة



.jpeg)

.jpeg)