الفرص الضائعة للمعارضة الموريتانية

الفرص الضائعة للمعارضة الموريتانية

من العجز عن صناعة التغيير إلى الحاجة لبناء كتلة تاريخية

حين نتأمل مسار المعارضة الموريتانية منذ إرهاصات الاستقلال إلى اليوم، سنواجه تاريخا يتم تقديمه بوصفه مسارا طويلا من النضال في مواجهة أنظمة متعاقبة، لكن ما نواجهه في الواقع هو تاريخ طويل من الفرص الضائعةومن العجز عن تحويل لحظات الانفتاح النسبي والأزمات الكبرى إلى منعطفات تؤسس لتناوب ديمقراطي فعلي على السلطة. فالقوى التي حملت، في كل مرحلة، مشروع التغيير والإصلاح، لم تتعرض للهزيمة فقط بفعل قوةالأنظمة وأدواتها، وإنما أيضا – وربما أساسا – بفعل ضعفها الداخلي وتشتتها وغرقها في صراعات جانبية جعلتها في الغالب طرفا ضعيفا في معادلة سياسية تتحكم فيها الأنظمة، فيما بقيت "قوى التغيير" منشغلة أكثر بخلافاتها الداخلية من انشغالها ببناء ميزان قوة يسمح لها بالوصول إلى الحكم أو التأثير العميق في قواعد اللعبة.

قبيل الاستقلال ومع بدايته، كانت هناك نواة من قوى وطنية تطمح إلى أن يكون ميلاد الدولة الموريتانية مقرونا بمسار ديمقراطي حقيقي، وأن يتحول الصراع مع الاستعمار إلى فرصة لتأسيس عقد سياسي جديد يقوم على تعددية حزبية ومؤسسات منتخبة قادرة على مراقبة السلطة التنفيذية. غير أن هذه القوى نفسها سرعان ما تفرقت على مفترق طرق حاسم حيث آثر جزء منها الانضمام إلى النظام الناشئ، بدافع حسابات واقعية أو طموحات شخصية أو تقدير بأن "العمل من الداخل" أكثر جدوى؛ واختار جزء آخر الرهان على دعم المغرب ومساندة موقفه الرافض لاستقلال موريتانيا، ظنا منه أن المستقبل يمكن أن يبنى على إلغاء الكيان الجديد أو دمجه في فضاء إقليمي أوسع.

والنتيجة المباشرة لهذه الخيارات كانت أن قوى التغيير فشلت في التأثير الجدي في مجريات الأحداث؛ فبدل أن تفرض شروطها على السلطة الوليدة أو تساهم في حماية التعددية من وأد مبكر، وجدت نفسها إما منضوية في نظام سيتخلص منها بعد حين أو معزولة في رهان خارجي خاسر، لينتهي الأمر بتكريس نموذج الحزب الواحد وتضييق المساحة أمام معارضة ذات شأن. هكذا إذا لم تنجح القوى الديمقراطية آنذاك في بناء جبهة قادرة على مقاومة هذا التحول كما لم تستثمر اللحظة التأسيسية في فرض قواعد تحمي الحياة السياسية من الانزلاق إلى احتكار التمثيل وإقصاء التعدد، فكان أن ضاعت أول فرصة تاريخية لتثبيت ديمقراطية مبكرة في بلد كان يمكن أن يدخل مسار التعددية من بوابة الاستقلال نفسه.

في السبعينات والثمانينات، ومع صعود الحركات السياسية ذات الخلفية اليسارية والقومية والتيارات التي رفعت شعار "الثورة الوطنية الديمقراطية"، كان يمكن الاعتقاد بأن لحظة جديدة تتهيأ، تسمح بإعادة طرح سؤال طبيعة النظام السياسي، وصياغة مشروع وطني ديمقراطي بديل، مستند إلى تعبئة اجتماعية أوسع، وإلى قراءة أكثر نقدا للبنى الاقتصادية والاجتماعية الموروثة. غير أن هذه الحركات نفسها فضلت – في كثير من الأحيان – الصراع فيما بينها على الصراع مع السلطة؛ فتوزعت بين تنظيمات متنافسة واستنزفت قواها في معارك داخلية حول الزعامة والمرجعيات الإيديولوجية والخيارات التكتيكية، بدل أن تتحد في مواجهة أنظمة عرفت كيف تستفيد من تناقضاتهاوتفتح أمام بعض مكوناتها أبواب الاندماج المشروط داخل الحزب الحاكم أو تستوعب جزء من خطابها من دون أن تسمح لها بالوصول إلى مفاصل القرار. 

وبذلك، انتهت معظم هذه الحركات إلى الهزيمة الواحدة بعد الأخرى، وفقدت تدريجيا القدرة على التأثير في مجريات الأحداث، وخرجت البلاد من تلك العقود وهي لم تشهد "ثورة وطنية ديمقراطية"، بل تشكل فيها نمط من الحكم أكثر رسوخا مستندا إلى القوات المسلحة وإلى بيروقراطية إدارية، مع ترك هامش محدود جدا للاحتجاج المنظم.

ومع بداية التسعينات، دخلت موريتانيا مرحلة جديدة عنوانها المعلن "التعددية السياسية" في ظل دستور جديد وإعلان عن انفتاح سياسي، رافقته موجة عالمية من الانتقال الديمقراطي في إفريقيا والعالم. في تلك الأجواء، انضوت القوى الديمقراطية في أكبر أحزاب المعارضة(اتحاد القوى الديمقراطية)، واستطاعت أن تشكل – في لحظات معينة – جبهة واسعة رفعت مطالب واضحة تتعلق بالشفافية واستقلال القضاء واحترام الحريات وبناء مؤسسات قادرة على تأمين تناوب سلمي على السلطة. 

كان يمكن لتلك اللحظة أن تكون تاريخية، لو استثمرت المعارضة وحدتها النسبية، وراكمت التنظيم والخطاب والحضور الشعبي بطريقة تجعل النظام مضطرا إلى الاستجابة التدريجية لهذه المطالب، أو على الأقل إلى فتح المجال أمام انتقال تفاوضي حقيقي. لكن الذي وقع هو العكس تقريبا؛ إذ ما لبثت هذه القوى أن تمزقت الواحدة بعد الأخرى، وانسحبت مجموعات منها من الحزب المعارض الرئيس لتؤسس أحزابا خاصة بها، تحت ذرائع اختلاف في التقدير أو نزاعات حول القيادة أو خيارات المشاركة والمقاطعة. ومع كثرة الانشقاقات وتكاثر الأحزاب الصغيرة، تآكل الوزن الرمزي والانتخابي للمعارضة، وأصبح النظام العسكري-الأمني أكثر قدرة على التصرف في البلاد كما يشاء، مستفيدا من تعددية مراقبة، تستخدم فيها المعارضة واجهة لإضفاء مسحة تنافسية على انتخابات تتحكم السلطة في شروطها ونتائجها الأساسية.

بهذا المعنى، يمكن تلخيص حصيلة قوى التغيير في العقود الماضية في ثلاث عناوين كبرى لضياع الفرص:في الستينات، فشلت في المحافظة للبلاد على ديمقراطية ناشئة كان يمكن أن تنمو لو وجدت معارضة موحدة وقادرة على فرض حد أدنى من الضوابط؛ في السبعينات والثمانينات، فشلت في تحقيق الثورة الوطنية الديمقراطية التي رفعتها شعارا مركزيا، لأنها استنزفت طاقتها في صراعاتها الداخلية وفي خطابات أكبر من قدرتها التنظيمية؛ وفي التسعينات وما بعدها، فشلت في الانتقال بالتعددية المراقبة إلى ديمقراطية تضمن التناوب على السلطة، لأنها لم تستطع أن تبني جبهة مستقرةولأنها غلبت، مرة أخرى، منطق التشظي والانشقاق على منطق البناء التراكمي لميزان قوة سياسي واجتماعي قادر على فرض الإصلاح من موقع الندية وليس من موقع التوسل الذي امتهنته خلال السنوات الماضية.

ومع ذلك، فإن أخطر ما في هذا المسار ليس فقط الفشل في الوصول إلى السلطة أو في فرض تناوب ديمقراطي، بل النجاح فقط في إذكاء الصراعات الداخلية. فقدنجحت قوى المعارضة في أن تتنازع وأن تتبادل الاتهامات وأن تبني حساسيات مزمنة بين أجيالها ومرجعياتها وأن تشتغل بمنطق الحسابات الفئوية والقيادية الضيقة، بحيث تحولت كثير من معاركها إلى معارك موقع ومكانة أكثر منها معارك مشروع وتغيير، وهو ما خدم، موضوعيا، الأنظمة المتعاقبة، التي لم تكن بحاجة في أحيان كثيرة إلى أن تبذل جهدا كبيرا في تفكيك خصومها لأنهم قاموا بذلك نيابة عنها. وهكذا، أصبح تاريخ المعارضة، في جوانب واسعة منه، تاريخ تشتت وتفرق أكثر منه تاريخ بناء جبهات طويلة النفس.

وإذا كانت هذه الصورة قاسية، فإنها لا تهدف إلى جلد الذات بقدر ما تهدف إلى إضاءة الطريق أمام ما يمكن أن يكون مخرجا من هذا النفق المزمن. ففي ظل ميزان قوة ما يزال مائلا بوضوح لصالح السلطة وفي سياق إقليمي ودولي يجعل الأنظمة أكثر حساسية من أي وقت مضى لأي مغامرة غير محسوبة، لا يبدو أن التعويل على انفجار داخلي أو على مبادرة من السلطة نفسها لفتحالطريق أمام تناوب ديمقراطي كاف أو واقعي. فالحل المطلوب اليوم، إذا كانت قوى التغيير جادة في إعادة بناء حضورها، هو في تجاوز الخلافات غير المجدية التي استنزفتها لعقود، والانتقال من منطق "الكيانات المتفرقة"إلى منطق "الكتلة التاريخية" التي تجمع في إطار واحد مختلف أطياف المعارضة السياسية والاجتماعية والنقابية والمدنية على أساس برنامج حد أدنى واضح ومحدد.

هذه الكتلة التاريخية لا تعني ذوبان الجميع في تنظيم واحد ولا إلغاء التمايزات الفكرية والسياسية، لكنها تعني بناء جبهة استراتيجية طويلة المدى، تقوم على ثلاث ركائز: أولا، الاعتراف المتبادل بين مكونات المعارضة بحق كل طرف في الوجود والاختلاف مقابل التزام مشترك بعدم تحويل هذا الاختلاف إلى سبب للانقسام الذي يهدد المشروع برمته؛ ثانيا، الاتفاق على برنامج حد أدنى يحدد المطالب المشتركة التي لا تنازل عنها مثل ضمانات التناوب، استقلالية المؤسسات الرقابية، نزاهة الانتخابات، واحترام الحريات؛ وثالثا، بناء أدوات عمل ميداني وإعلامي وتنظيمي تسمح لهذه الكتلة بأن تكون فاعلا حقيقيا في المجتمع وليس مجرد تنسيق فوقي بين قيادات حزبية.

من دون هذا النوع من الوحدة، ستبقى المعارضة محكومة بتكرار السيناريو ذاته: احتجاجات متفرقة، بيانات حادة اللهجة، تحالفات ظرفية، ثم انشقاقات تعيد كل شيء إلى نقطة البداية، فيما يواصل النظام إدارة المشهد بأدواته المعهودة وبثمن سياسي جد محدود. لا شيء، في الواقع، يمكن أن يعدل اليوم ميزان القوة المائل لصالح السلطة سوى بناء كتلة تاريخية جادة تعيد للمعارضة ألقهاوتمنحها حياة جديدة، وتحول خطاب التغيير من تنديد من خارج اللعبة إلى مشروع بديل قابل للتجسد في مؤسسات الدولة وفي صناديق الاقتراع، ولو بدأ ذلك من برنامج حد أدنى، شرط أن يكون هذا الحد الأدنى صلبا بما يكفي ليمنع إعادة إنتاج دورة الفشل القديمة تحت شعارات جديدة.

 

عبد الرحمن ولد حمودي 
رئيس حزب من أجل موريتانيا قوية (تحت التاسيس)

ثلاثاء, 02/12/2025 - 23:42