
كان العام 1978، تاريخ أول انقلاب عسكري في موريتانيا، هو اللحظة التي أُعلن فيها رسميًا بدء “محاربة الفساد”، وذلك عبر خطاب حماسي ألقته الطغمة العسكرية التي وصلت لتوّها إلى القصر الرئاسي. وكما أنّ العسكريين مُدرَّبون على القتال، فقد جاءوا ومعهم حزمة واسعة من “المعارك” الأخرى ليخوضوها: ضد التصحر، وضد الأمية، وضد الفقر… غير أنّه، وكما هو حال كل معركة فيها غالب ومغلوب، يبدو — للأسف — أن الفساد ومشتقاته ظلّت عصيّة على الهزيمة. بل إن الأسوأ هو أنها أصبحت، مع مرور الوقت، مصدرًا للفخر والنفوذ، بل والتنافس بين “المسؤولين”، تُعرَض بلا خجل خلال الزيارات الرئاسية وخلال الانتخابات.
فلكلٍّ منهم حرصه على استعراض عضلاته، مستنفِراً الوسائل اللوجستية والسيارات رباعية الدفع التي جرى الحصول عليها بطرق غير مشروعة. ويعتبر الأكثر نفوذًا واحترامًا هو الأوفر حظًا في تحصيل مزيد من الامتيازات من السلطة. وتشكّل تلك الزيارات لحظة مناسبة لعرض الجزء الظاهر من الأموال المنهوبة، أمّا الجزء الخفي، المهرَّب عبر العقار، فيُستثمر في فيلات فخمة في تركيا والإمارات وفرنسا وإسبانيا والمغرب والسنغال، فضلًا عن تلك المشيّدة في نواكشوط ونواذيبو.
وإذا كانت موريتانيا جادّة فعلًا — على لسان رئيسها — في محاربة الفساد وسوء الحوكمة، فلا بدّ من بدء المعركة بتغيير استراتيجية المواجهة، أو استبدال “المقاتلين”، أو الاثنين معًا، لاتخاذ إجراءات جريئة ووطنية وعادلة تفضي إلى النتائج الملموسة التي ينتظرها الشعب الموريتاني. ويتطلّب ذلك، أوّلًا، مراجعة جميع الاتفاقيات المتعلقة باستخراج ثروات البلاد، بهدف زيادة نصيب موريتانيا في كل آلية توزيع، بما يعزّز الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية لهذه الموارد.
كما يتطلب الأمر استعادة الأموال المنهوبة عبر جرد محايد لكل تلك الممتلكات، داخل البلاد وخارجها، وبيعها في مزادات علنية. وينبغي إيداع العائدات في بنك استثماري مخصص حصريًا لتمويل مشاريع ومبادرات الشباب المحرومين الذين لم تسمح لهم ظروفهم بمغادرة البلاد وما زالوا يعيشون البطالة والهشاشة.
غير أن نجاح كل ذلك مرهون، قبل كل شيء، بترسيخ قيم النزاهة والكفاءة والتميّز، والبحث عن “الأيادي النظيفة” لتولي إدارة تلك الأموال. فتسيير الموارد البشرية، وهو حجر الزاوية في التسيير العام، يشهد هو الآخر حجمًا كبيرًا من الفساد، حيث يسود غياب التناسب بين الكفاءات والوظائف، وهو إحدى أهم مسببات سوء الحوكمة.
ومن الضروري أكثر من أي وقت مضى وضع نظام فعّال للمتابعة والتقييم يُفعّل مبدأي العقاب والمكافأة. فالمطلوب جعل كل من يعتبر الوظيفة مجرد امتيازات شخصية يدرك أن المنصب تترتب عليه واجبات ومسؤولية تجاه الوطن. ومهما يكن، فإن أمرًا واحدًا يبدو مؤكدًا: طالما ظلّت الأنظمة تكرّر تدوير المسؤولين الضالعين في الفساد، فلن يكون لأي تنمية أن تتحقق، مهما كانت الثروات المتاحة.
ويبقى أمل الجميع أن تختلف “المعركة الجديدة” ضد الفساد ومشتقاته عن سابقاتها، وأن تفضي إلى رفاه موريتانيا واستقرارها وازدهارها وتعزيز مكانتها.
محمد أحمد الشيخ
مهندس
Le Calame



.jpeg)

.jpeg)