
أعاد إصدار القضاء البلجيكي مذكرات اعتقال بحق الدبلوماسي الموريتاني عبد الله ولد كبد -في سياق ما يعرف إعلاميًا بـ”قطر غيت” - فتح نقاش واسع حول أبعاد الملف، وتقاطعات القانون الدولي مع الحسابات السياسية، ثم طبيعة الرد المتوقع من نواكشوط بعد إعادة تعيين المعني سفيرًا في اليابان.
القضية، وإن بدت في ظاهرها إجراءً قضائيًا صرفًا، إلا أنها تحمل في عمقها تداخلًا بين المسارات القانونية والإعلامية والسياسية. وهذا ما يجعلها واحدة من أكثر الملفات حساسية في العلاقات بين موريتانيا وبعض المؤسسات الأوروبية.
البعد القضائي.. مذكرة ذات مفعول ناقص
المذكرة البلجيكية تُعد إجراءً قابلًا للتنفيذ داخل الاتحاد الأوروبي فقط، ولا تمتلك أي قوة إلزامية تلقائية خارج الفضاء الأوروبي.
بمعنى آخر:
•حضور ولد كبد في اليابان، أو أي بلد خارج أوروبا، لا يعرّضه لخطر التوقيف.
•الحصانة الدبلوماسية التي يتمتع بها، بعد إعادة تعيينه سفيرًا، تمنحه حماية قانونية قوية.
إلا أن الإشكال الحقيقي يبرز في نقطة واحدة: إذا دخل دولة أوروبية أو مرّ بها ترانزيت، يصبح عرضة للتوقيف.
وهذا يجعل مذكرة الاعتقال أكثر رمزية منها عملية.
البعد السياسي… هل هناك رسالة أوروبية؟
تأتي المذكرات في سياق أوسع يكشف عدة رسائل سياسية ضمنية:
1.إبقاء ملف “قطر غيت” مفتوحًا لضمان استمرار الضغط الأوروبي في قضايا الشفافية وتأثير المال الخارجي.
2.تحميل رموز من خارج أوروبا جزءًا من المسؤولية، في محاولة لإثبات أن القضية ليست “فضيحة أوروبية داخلية”.
3.إرسال إشارة إلى الحكومات بأن تعيين شخصيات محل متابعة قضائية قد يُواجه برد أوروبي غير ودي.
لكن من المهم التأكيد أن إصدار مذكرة توقيف بحق دبلوماسي أجنبي لا يعني صدامًا سياسيًا مع موريتانيا، لأن بلجيكا تعرف أن نطاق التنفيذ محدود.
البعد الدبلوماسي… لماذا أعادت موريتانيا تعيينه؟
إعادة تعيين ولد كبد سفيرًا في اليابان ليست خطوة عبثية؛ بل تُقرأ سياسيًا كالتالي:
•تجديد للثقة الرسمية في أحد كوادر الخارجية.
•تحصين قانوني عبر منحه حصانة دبلوماسية كاملة.
•رفض ضمني للاتهامات البلجيكية دون الدخول في مواجهة مباشرة.
•التشديد على مبدأ عدم خضوع الدبلوماسيين لسلطات القضاء الأجنبي، وهو مبدأ راسخ في القانون الدولي.
هذه الخطوة تؤكد أن نواكشوط لا ترى في المذكرة تهديدًا مباشرًا، وأنها تراهن على الوقت وعلى محدودية نطاق تنفيذ القرار.
ما الذي يمكن أن تفعله موريتانيا؟
المسار الأكثر واقعية أمام الحكومة يتمثل في:
1.التمسك الكامل بالحصانة الدبلوماسية لولد كبد.
2.منع سفره إلى أوروبا لتفادي التصادم مع القضاء البلجيكي.
3.التواصل الدبلوماسي الهادئ مع بروكسيل لإبقاء القضية خارج التصعيد.
4.رفض أي طلب تسليم استنادًا إلى القواعد الدستورية الوطنية.
وبهذا تصبح القضية قانونيًا محدودة وسياسيًا تحت السيطرة.
مذكرة الاعتقال البلجيكية ليست نهاية مسار، بل جزء من معركة سرديات.
بلجيكا تقول: “لدينا ملف قضائي يجب متابعته.”
وموريتانيا تقول: “لدينا دبلوماسي محصّن لا يخضع لولايتكم القضائية.”
وبين هذا وذاك، يبقى تنفيذ المذكرة شبه مستحيل ما دام ولد كبد خارج أوروبا.
الملف إذن قانونيًا هش، وسياسيًا محسوب، وإعلاميًا قابل للتأويل.
والحماية الدبلوماسية تبقى – حتى الآن – أقوى من أي مذكرة توقيف.
أقلام



.jpeg)

.jpeg)