
تكشف سرديات الرحّالة الفرنسيين خلال القرن التاسع عشر، بدءاً من رينيه كاييه في "رحلته إلى تمبكتو" (1830)، وصولاً إلى راؤول دو بيسون في "رحلات عبر الصحراء الغربية" (1863)، عن تشابه ملحوظ في العادات والتقاليد وأنماط العيش. تميزت تلك الأنماط بالبساطة والشقاء والصبر اللامتناهي، مشكّلةً ثلاثيةً أساسية في تشكيل هُوية صعاليك الصحراء، إضافةً إلى عامل الدين والشغف المزمن بالترحال تحت ظروف بالغة القسوة.
هذه الظروف نفسها هي التي سهّلت على الفرنسيين التوغّل في هذا الحيز الجغرافي، لكنها في الوقت ذاته صعّبت مهمة إخضاعه بالقوة. فبقي هذا المجال عصيّاً على جغرافيا الدولة الحديثة لخلوّه من العمران، مما دفع مؤسسيه إلى التركيز على الإيديولوجيا سبيلاً لرسم معالم الجغرافيا عبر خريطة أنثروبولوجية لا تخفي انزعاجها من الارتباط بالاستقرار، الذي يُعدّ أحد أهم مقومات الدولة المعاصرة.
برز استغلال الروابط الأنثروبولوجية جلياً في خطاب الرئيس الراحل المختار ولد داداه عام 1957 في مدينة شنقيط، حيث اعتمد في مرحلة تأسيس الدولة على العوامل المشتركة بين سكان هذه المنطقة، موجهاً "رسالة صداقة ودعوة للبيظان من أزواد إلى درعة، ومن درعة إلى حدود السنغال". كان هذا التصور إيديولوجياً في جوهره قبل أن يكون جغرافياً، نظراً لإقصائه ثقافات أخرى غير ثقافة البيظان. لكن الأطماع الدولية المتلاحقة وتطوراتها المتسارعة أسفرت عن واقع جغرافي مختلف، مما دفع بالإيديولوجيا في علاقتها بالدولة الموريتانية إلى مسارات أخرى.
العرقية وإشكالية الهُوية:
يرى بعض المؤرخين أن الرئيس المؤسس أخطأ عندما جَنَّس نخبة من الأطر السنغاليين لتسيير دولة ناشئة، تشكّلت رؤاهم خارج سياقاتها الاجتماعية. هذه الخطوة استغلتها فرنسا التي وقفت وراء حراك 1965 و"بيان التسعة عشر" الرافض للتعريب. لم يكن هذا الرفض مجرد موقف إجرائي ذي أبعاد محلية ضيقة، بل كان تجلياً لخلل بنيوي عميق في دولة ناشئة، قُدِّمَت فيها الإيديولوجيا على المصالح العليا، متأثرةً بعوامل قومية عربية وأفريقية، استقطبت شباباً تتحكم الحماسة في بوصلتهم، والتأثيرات الخارجية في خياراتهم.
تَجَسَّد هذا الصراع في ظاهرتيْ "الفرنسَة" و"التعريب"، على حساب أولويات وطنية مُلحّة، وبتنا نرى الثروة البشرية تستنزف في صراعات هُوياتية وقومية خارج حدود البلاد، متجاوزةً حتى الاعتبارات الاستراتيجية لموريتانيا.
الإيديولوجيا والعنف:
لم تكن ارتدادات ذلك الخطاب لتمر دون أصداء بالغة التأثير على نسيج المجتمع الذي اختار العرقية على حساب الدولة الجامعة. لذا، لم يكن مستغرباً أن يلجأ البعض إلى العنف بدوافع متعددة، حيث تجسدت هذه الحالة في المحاولة الانقلابية عام 1987م، التي مثلت مجرد تمظهر لمشاكل مستمرة مع الدولة، بلغت حدَّ جعل البعض يتشاءم من ذكرى استقلال موريتانيا في 28 نوفمبر، باعتبارها تذكيراً بجراح أليمة لدى مكون بعينه. ومع أن غربلة تلك الأحداث تاريخياً تُظهر حقائق أخرى، إلا أن الجميع يحاول إخفاءها خلف شعار المظلومية تارة، أو وراء هاجس رد الفعل المبالغ فيه تارة أخرى.
والأمر المخيف أن هذه التجاذبات لا تزال تلقى بظلالها القوية على واقعنا الراهن، مستمدّة شرعيتها واستمراريتها من السياقات ذاتها.
من القومية إلى التدين:
مع نهاية تسعينيات القرن الماضي، بدأت الإيديولوجيا تأخذ بعداً دينياً لقي قبولاً واسعاً في أوساط شباب من مختلف مكونات المجتمع. لكن أصحاب هذا الخطاب لم يجدوا غضاضة في نسف كل مقومات الدولة القائمة - في نظرهم - على الشرك والزندقة، متجاوزين بذلك أدبيات الصراع القديم، سواء في الخطاب أو في الفعل السياسي. فقد اعتمدت أدبياتهم على تسويق نهج يرتكز إلى اتهام كل أجهزة الدولة بالزندقة، واعتبار الخروج على السلطة واجباً شرعياً مستنداً إلى النصوص الدينية.
أحدث هذا النهج تحولاً جذرياً في مفهوم النضال، مما جعل الدولة تدخل طوراً بالغ التعقيد في صراعها مع المؤدلجين، حيث منح الخطاب الديني أصحابه مصداقية أكبر، وسحب البساط تدريجياً من دعاة القوميات، نظراً لتأثير خطابه في مجتمع تدين غالبيته بالإسلام.
عزلة إقليمية واستقطابات:
في هذا الظرف بالذات، وجدت موريتانيا نفسها في مأزق حقيقي، حيث فرض عليها محيطها الأفريقي عزلة إستراتيجية بسبب اتهامات روجت لها حركة أفلام تتعلق بأحداث عنف عرقية، في حين أن موقفها من احتلال العراق للكويت جعلها محاصرة من قِبَل كبريات الدول العربية. بلغ التهديد درجة انقطاع سلاسل التزويد الغذائي، مما عرض البلاد لمجاعة محققة بسبب شح الموارد.
وبحسب سفير سابق فإن هذه الظروف القاسية هي التي دفعت الرئيس معاوية ولد الطايع إلى مد جسور المصالحة مع إسرائيل، وهي الخطوة التي استغلها الإسلاميون للتصعيد ضد نظامه، كما تجلى في مداخلة الشنقيطي في برنامج "الاتجاه المعاكس" على قناة الجزيرة، حيث اتسمت لغته بالتحامل واتهام الدولة بـ"دبلوماسية التسول". والحق أن أنصار هذا الخطاب لم يولوا أي أهمية للوضع الداخلي وإكراهاته، كما أوضح ذلك سفير سابق لموريتانيا في مدريد.
الشرائحية المتحور الأخطر
يبدو أن وسائل التواصل
الاجتماعي ساهمت بدور كبير في نشر بذاءات افتراضية، أضفت على نفسها صبغة حقوقية لتستبيح كل المحظورات. وهكذا وصلت الإيديولوجيا في علاقتها بالدولة والمجتمع إلى مرحلة انشطارية، تنذر بتفككٍ وشيك.
ويرى الكثير من المهتمين أن السلطة القائمة آنذاك ساهمت في احتضان هذا المحور الإيديولوجي للحد من مخاطر الربيع العربي، لكن انتهازية أصحاب هذا الطرح مكنتهم من التسلل بسهولة إلى مفاصل السياسة، ليصبحوا رقماً صعباً في مشهدٍ يجمع بين ترسبات الماضي وإكراهات الحاضر، لخلق ما يمكننا تسميته بمنظومة التفاهة الموازية للدولة وبأساليب عنيفة في معظمها.
نحو خلاص من ظلم الأدلجة:
تظهر هذه التجاذبات الإيديولوجية مدى معاناة الدولة الموريتانية من ظلم المؤدلجين منذ نشأتها حتى اليوم. وقد تكون موريتانيا من الدول القليلة التي حُرمت من هُوية جامعة بسبب الأدلجة، بل وحتى من مجرد التفكير في مصالحها الحيوية، الأمر الذي يحتم على أصحاب القرار وضع خارطة طريق محكمة تشارك فيها جميع القوى الفاعلة في المجتمع، لبحث السبل الحقيقية التي تمكننا من الخروج من هذا المأزق، والتي تتطلب في نظري:
- الاعتراف بالمشكلة أولا،بهدف تذليل كل الصعاب المحتملة.
-التركيز على تعليم جامع لديه من الوسائل ما يمكنه بأن يكون تعليما جمهوريا بامتياز.
-إخضاع الإعلام لمعايير جودة عالية بحيث يكون إعلاما مسؤولا مساهما في تكريس لحمة المجتمع.
- خلق سردية وطنية جامعة، تمكننا من تحويل تنوعنا إلى مصدر ثراء، بدل أن يكون أداة للصدام.
- حياد الدولة في توزيع المشاريع ، والتعيينات.
حينها سنكون قد وضعنا خطة واضحة لتجاوز أكبر تحد يواجه دولتنا، وإلا سنكون مجبرين على تكرار أخطاء يتجاوز عمرها ستة عقود.
المؤسف أن الاستمرار على هذا هذا سيمكن المؤدلجين من إعادة انتشارهم عبر خرائط سياسية متحركة، تُعيدإنتاج خطابهم بين فئات عمرية تتراوح بين 18 و27 عاماً، مساهمين بذلك في تعطيل الإنتاجية في بلد بأمس الحاجة إلى شباب يفكر بمنطق الدولة ويعمل من أجل مصالحها الحيوية، خاصة في هذا الظرف العصيب الذي تشهد فيه المنطقة تنامي الأطماع الخارجية التي تهدد استقرار دولها في الصميم. فهل تكون الذكرى الخامسة والستون للاستقلال مناسبة لتحرير الوطن من براثن الأيديولوجيا، التي رسَّخت تخلفًا أشد وطأة مما خلَّفه المستعمر منذُ ستة عقود؟ أم أن تأثير الإيديولوجيا المتحورة سيُعيق كل جهد في هذا المسار؟.
د. أمم ولد عبد الله



.jpeg)

.jpeg)