تقرير البنك الدولي: موريتانيا بين وعد الإصلاح وخطر السقوط في الفشل

يقدّم تقرير البنك الدولي لعام 2025 حول موريتانيا صورة مركّبة لواقع اقتصادي يقف عند مفترق طرق: من جهة هناك فرص حقيقية يتيحها قطاع الطاقة الناشئ وتزايد الاستثمارات في البنية التحتية، ومن جهة أخرى تظلّ الهشاشة الاجتماعية وتحديات المناخ واعتماد الاقتصاد على الموارد التقليدية عوامل تهدد استدامة هذا النمو.

 

 

اقتصاد ينمو… لكنه لا يتحول

 

يشير التقرير إلى أن الاقتصاد الموريتاني سجّل نموًا متوسطًا، مدفوعًا بقطاعي التعدين والصيد أساسًا، دون أن ينعكس هذا النمو على حياة المواطنين أو سوق العمل. فالبنية الاقتصادية ما تزال رهينة تقلبات أسعار الذهب والحديد، وهي قطاعات لا توفر إلا نسبة محدودة من الوظائف.

ويحذّر البنك الدولي من أن استمرار هذا النموذج يجعل الاقتصاد عرضة لأي صدمة خارجية، خصوصًا في ظل التوترات الدولية وأسواق الطاقة.

 

 

شبكات الحماية الاجتماعية: توسع مستمر لكن بفعالية محدودة

 

أبرز ما يركّز عليه التقرير هو دور الحماية الاجتماعية في بناء اقتصاد أكثر صمودًا.

ورغم اتساع البرامج الحكومية الموجهة للفئات الهشة، إلا أن التقرير يلفت إلى فجوة واضحة بين الدعم المقدم واحتياجات الأسر، إضافة إلى ضعف التنسيق بين البرامج الحكومية.

ويشدد البنك الدولي على أن الحماية الاجتماعية لا يجب أن تكون دعمًا ظرفيًا فقط، بل رافعة للاندماج الاقتصادي عبر التكوين المهني وخلق فرص عمل مُوجّهة.

 

 

الفوارق المجالية… العائق الصامت أمام التنمية

 

واحدة من أكثر النقاط حساسية في التقرير هي الفجوة الكبيرة بين المدن والريف، وبين ولايات الساحل والشمال والمناطق الداخلية.

فضعف البنية التحتية الصحية والتعليمية، وغياب الخدمات الأساسية في مناطق واسعة، يقلل من قدرة فئات كبيرة من السكان على المشاركة في النشاط الاقتصادي.

ويرى التقرير أن هذه التفاوتات تمثل تهديدًا حقيقيًا للاستقرار الاجتماعي والنمو المستدام.

 

 

مواجهة المخاطر المناخية: التحدي الذي لا ينتظر

 

يُذكّر البنك الدولي بأن موريتانيا من بين الدول الأكثر تعرضًا لتبعات التغير المناخي في الساحل، سواء من حيث الفيضانات أو الجفاف أو توسع المناطق الهشة.

ويؤكد أن التخطيط الحضري، والزراعة الذكية مناخيًا، والاستثمار في البنية التحتية المقاومة للمخاطر، لم يعد خيارًا بل ضرورة.

فالاقتصاد الموريتاني لن يصمد أمام موجات التغير المناخي إذا بقيت البنى الحالية على حالها.

 

 

ما الذي يتطلبه التحول الاقتصادي الحقيقي؟

 

يطرح التقرير، بشكل غير مباشر، سؤالًا جوهريًا:

هل يمكن لموريتانيا أن تحقق التحول الاقتصادي دون إصلاح عميق في السياسات الاجتماعية والمالية؟

 

الإجابة، وفق البنك الدولي، واضحة:

 نعم يمكن، ولكن بشرط أن تُعاد صياغة مسار التنمية بحيث يكون الإنسان في قلبه، وأن يتجه الاستثمار نحو القطاعات القادرة على خلق القيمة المضافة، وأن يتم تعزيز الشفافية والكفاءة في الإنفاق العام،

- وأن يترافق النمو الاقتصادي مع حماية اجتماعية قوية وفعّالة.

 

خلاصة: اقتصاد بين الفرصة والهاوية

 

يقدم التقرير رسالة مزدوجة:

 موريتانيا لديها فرصة تاريخية بفضل مشاريع الغاز والبنية التحتية والتحول الرقمي. لكنها في الوقت ذاته محاطة بمخاطر جدية: هشاشة اجتماعية، اعتماد على الموارد، تغيّر المناخ، وتفاوتات داخلية كبيرة.

وبين الفرصة والتهديد، يبقى المسار مرهونًا بمدى قدرة السياسات الوطنية على جعل الإنسان في مقدمة الإصلاح الاقتصادي، وتحويل إمكانات البلاد إلى نمو حقيقي ومتوازن.

 

أقلام

ثلاثاء, 25/11/2025 - 09:36