الأمن الوقائي الأوروبي في مأزق الساحل الإفريقي

أدى فراغ السلطة في ليبيا في أعقاب تدخل حلف الناتو إلى تداعيات بالغة الخطورة على الأمن القومي لأوروبا، لا سيما في مجالي الهجرة والإرهاب. وتكمن المُفارقة في أن الحلف الذي أُنشئ للحفاظ على الأمن الاستراتيجي لأعضائه، كان عاملاً محورياً في زعزعة استقرار منطقة كانت إلى وقت قريب تُعد حاجزاً أمنياً لحوض المتوسط.

يمكن رصد عدة معطيات أساسية تُنسج خيوطها حالياً في دول الساحل الإفريقي، تلعب فيها السياسات الأوروبية دوراً محورياً:

 

1. التطور الدفاعي الأوروبي وانزياح الاهتمام نحو إفريقيا:

 

في كتابه"السياسة الأوروبية للأمن والدفاع"  الذي نُشر (2007)، يشرح "جوليان هووورث" كيف أن السياسة الدفاعية والأمنية الأوروبية (ESDP) قد نشأت أساساً من رحم إخفاقات الاتحاد الأوروبي في أزمة البلقان. وقد أدت هذه الإخفاقات إلى تحوّل الاهتمام الاستراتيجي الأوروبي نحو إفريقيا، وتحديداً منطقة الساحل، لمعالجة تهديدات تمس الأمن الوقائي الأوروبي في صميمه، كالاتجار بالبشر وتهريب المخدرات والجماعات الإرهابية. وكان الهدف المعلن هو بناء قدرة عسكرية أوروبية مستقلة تتيح للاتحاد التحرك في حال اعترض الناتو على مثل هذه القرارات.

 

2. فشل المقاربات الأوروبية ما قبل التدخل الروسي:

 

يشير الباحثون إلى أن دول أوروبا الغربية أضاعت فرصاً تاريخية لتحويل العلاقة مع مستعمراتها السابقة من علاقة استغلال إلى شراكة استراتيجية فاعلة تضمن الاستقرار الطرفين. غير أن معظم المقاربات الغربية تجاه منطقة الساحل اتسمت بالارتباك على مستوى التصوّر والتنفيذ. فبينما يُؤكد تقرير صادر عن معهد (إيغمونت) البلجيكي  في يونيو 2022 على ضرورة تبني خطة تنموية شاملة على غرار "خطة مارشال" لمعالجة الأسباب الجذرية للأزمات، اتجهت مؤسسات أخرى إلى تبني المقاربة العسكرية، (مثل معهد توني بلير والمعهد الألماني للدراسات الأمنيةوالسياسة الدولية).. ، بوصفها الحل الأمثل في مناطق تُوصف بالهشاشة وسهلة الإخضاع. وفي هذا الإطار، تأتي إنشاء "قوة برخان" عام 2014. بيد أن المعهد الهولندي للدراسات الاستراتيجية ينتقد هذا المنحى، مشيراً إلى أن التركيز المفرط على تعزيز القدرات التقنية والعسكرية لدول الساحل قد لا يتوافق مع أولويات معالجة مشكلة تتسم بتعقيدات بنيوية فاقت كل التصورات.

 

3. التنافس الدولي وتآكل النفوذ التقليدي:

 

تشكل النظرة الأوروبية الاستعلائية لإفريقيا جزءاًجوهرياً من المشكلة. فعمليات صنع الخلل عبر التقسيمات الجغرافية-السياسية المُصطنعة واستغلال الانقسامات الإثنية لإشعال الصراعات البينية، خلقت رواسبَ من العداء في الذهنية الإفريقية، مُشكّلة دافعاً قوياً للتحريض ضد النفوذ الغربي. هذه النقطة بالذات استثمرتها القوى الدولية المنافسة، حيث عملت الصين على التغلغل عبر أدوات القوة الناعمة وبكلفة أقل، في حين راهنت الاستراتيجيات الأوروبية في بعض السياقات على إطالة أمد النزاعات واستنزاف الموارد وتمزيق النسيج الاجتماعي.

 هذه العوامل مجتمعةً سهّلت للروس تغيير موازين القوى في مناطق كانت تقليدياً ضمن النفوذ الفرنسي، مستغلين السخط المحلي من السياسات الغربية.

 

4. تمزيق النسيج الاجتماعي لأوروبي، ودور موريتانيا:

 

في سعيها لاستعادة النفوذ في الساحل،تعتمد أوروبا بالتعاون مع الحليف الأمريكي على استراتيجيات تقوم على دعم القوى المسلحة المحلية لمواجهة جماعات المرتزقة الروسية. وتُمثل مالي نموذجاً لهذا التحول الذي دفعها إلى حافة الدولة الفاشلة. غير أن هذا السيناريو قد يعيد أوروبا إلى نقطة الصفر، إذ أن التخلص من الجماعات المسلحة، الإسلامية منها خصوصاً، لن يكون سهلاً بعد أن سيطرت بعض فصائلها على موارد طبيعية هامة، مما قد يدفع قوى محلية وإقليمية للتحالف معها. وهو ما قد يجر منطقة الساحل إلى دائرة صراع بالوكالة على غرار النموذج الأوكراني.

وفي هذا السياق، تُشكّل موريتانيا محطة استراتيجية محتملة، حيث يُتوقع أن تكون قاعدة لوجستية لهذا الصراع المتنامي. ويُلاحَظ أن هناك توجهاً في الأدبيات الإعلامية والسياسية الغربية لتصويرها كمنطقة لجوء آمنة للهاربين من الحروب وللمهاجرين الطامحين بالوصول إلى أوروبا. كما تروج بعض التصورات التي تهدف إلى تقسيم موريتانيا إلى كيانات على أساس عرقي تُدار بواسطة قوات أوروبية. هذا التصور، وإن كان يغري بعض صانعي القرار في أوروبا كحلٍ سريع، سيكون بمثابة القشة التي تقصم ظهر البعير، حيث سيفتح الباب على مصراعيه لهجرة غير شرعية واسعة النطاق نحو دول الجنوب الأوروبي مثل إسبانيا وإيطاليا وفرنسا، وربما يتعداها إلى الدول الاسكندنافية.

في خضم حروب النفوذ التي لا تعترف كثيراًبمرجعيات القانون الدولي ولا بحقوق الشعوب في تقرير مصيرها، حيث تُقدّم الاعتبارات الجيوسياسية والمصالح الاقتصادية على كل اعتبار، فإن زعزعة الاستقرار في منطقة حساسة كموريتانيا لن تكون سوى خطوة تزيد من تعقيد المشهد.

 إن تغليب الخيار العسكري والمراهنة على حروب الوكالة لضمان التفوق المستقبلي، قد يأتي بنتائج عكسية كارثية. فقد يؤدي استنزاف موارد أوروبا واستمرار سياساتها المتناقضة إلى تسريع التغيير الديموغرافي فيها، وإلى إثارة ردود فعل قومية في إفريقيا تُذكر بما حصل في القرن الثامن عشر، يكون هدفها القضاء على آخر آثار الهيمنة الاستعمارية التي ظلت لقرون تمثل في المخيال الجمعي للقارة السمراء قوةً غاشمة، -وعلى ما يبدو- فإن  طموحاتها في السيطرة على موارد الساحل الإفريقي قد تكون سبباً رئيسياً في إذكاء نيران الصراع دولي توحي كل ملامحه بأن المتضرر الأكبر منه هو البنية الديموغرافية في بلدان حوض المتوسط الأوروبية التي تعاني من الشيخوخة، خاصة وأن معظم الدراسات الاستشرافية تتوقع هجرة عشرات الملايين من الشباب الإفريقي نحو الضفة الأخرى للمتوسط والذين  تترواح أعمارهم بين 18 سنة إلى 30 ، وسيكون لأي تغيير في البنية السياسية القائمة في موريتانيا بالغ الأثر على التسريع بوتيرة الهجرات التي تهدد بتحول جذري في تركيبة السكان في أوروبا، وفي أقل من عقد من الزمن.

 

د.أمم ولد عبد الله

جمعة, 21/11/2025 - 10:03