سعر الصرف المرن ومخاطر التضخم في موريتانيا

 

البنك المركزي الموريتاني، وبالاتفاق مع صندوق النقد الدولي، انخرط منذ عامين في مسار يهدف في نهايته إلى تطبيق نظام صرف أكثر مرونة، يُسمّى بلطف «المرونة». فما المقصود بذلك؟

يُصار عادة إلى إصلاح نظام سعر الصرف عندما يُعتقد أن العملة الوطنية مُبالغ في تقييمها مقارنةً بسعر التوازن في السوق. وبحسب صندوق النقد الدولي، هناك ثلاثة أسباب رئيسية قد تبرّر اعتماد نظام أكثر مرونة:

 

1.استنزاف احتياطي النقد الأجنبي وتقدير سعر الصرف بأعلى من قيمته الفعلية؛

2.التعرض للصدمات الخارجية؛

3.ضرورة تحديث إطار السياسة النقدية والانتقال إلى نظام استهداف التضخم.

 

 

ما هي المزايا المتوقعة؟

 

من الناحية النظرية، يقدّم اعتماد نظام صرف أكثر مرونة عدة مزايا اقتصادية كلية، من بينها:

 

1.تحقيق قدر أكبر من الانسجام بين سعر الصرف والمتغيرات الأساسية للاقتصاد الوطني؛

2.امتصاص الصدمات والحد من التقلبات الماكرو–اقتصادية والمالية؛

3.الحفاظ على مستوى الاحتياطيات الخارجية؛

4.تعزيز التنافسية ومنح السياسة النقدية قدراً أكبر من الاستقلالية والمرونة في مواجهة الصدمات.

كما يمكن أن يساعد ذلك في تحسين وضعية الحساب الجاري وتعزيز الثقة في العملة الوطنية.

 

 

ما هي المخاطر المحتملة؟

 

الانتقال إلى نظام صرف مرن ينطوي على مخاطر حقيقية، من أبرزها:

•ارتفاع معدلات التضخم؛

•انخفاض قيمة العملة الوطنية (مخاطر سعر الصرف)؛

•ارتفاع كلفة خدمة الدين الخارجي؛

•احتمال تدهور مراكز البنوك المالية.

 

 

ما التدابير المقترحة للحد من هذه المخاطر؟

 

يمكن، نظرياً، الحد من التضخم وجعله أكثر استقراراً عبر السياسة النقدية. أمّا مخاطر سعر الصرف التي يتعرض لها القطاعان العام والمالي، فلا يمكن التخفيف منها بشكل مستدام إلا من خلال تعميق سوق السندات العمومية الداخلية وتشديد صافي المراكز المفتوحة للصرف لدى البنوك.

ومنذ نهاية عام 2023، يقوم البنك المركزي بتنظيم السوق ما بين البنوك للعملات الأجنبية عبر «نطاق تذبذب يومي». ففي 18 ديسمبر 2023 تراوح سعر الدولار بين 37,02 (حد أدنى) و40,94 (حد أقصى)، فيما بلغ السعر المرجعي 39,43 MRU للدولار و43,23 MRU لليورو.

أما في 13 نوفمبر 2025، فكان السعر المركزي للبنك المركزي 46,03 أوقية جديدة لليورو الواحد و39,63 أوقية جديدة للدولار الواحد. وتجدر الإشارة إلى أن متوسط السعر في 2008 كان 24,13 MRU للدولار (و35,48 لليورو) و36,7 MRU للدولار عام 2019.

 

 

ما هي شروط نجاح هذه السياسة؟

 

يتطلّب الانتقال إلى نظام صرف مرن إعداداً دقيقاً وتوفّر جملة من الشروط، أهمها:

•قطاع مالي سليم وأسواق نقدية وصرف تعمل بكفاءة؛

•تشديد أسعار الفائدة مع رقابة فعّالة على السيولة؛

•سوق ما بين البنوك للنقد والصرف تعمل بانسيابية ودون تشوهات؛

•نظام تدقيق ورقابة صارمة على الوسطاء المعتمدين، خصوصاً البنوك الأولية (كفاءة ومصداقية المفتشين وعقوبات رادعة)؛

•نماذج قوية للتوقعات الماكرو–اقتصادية، خصوصاً ما يتعلق باستهداف تضخم واقعي.

ومن المشكوك فيه أن تتوفر هذه الشروط كاملة في موريتانيا.

 

 

هل هناك مسارات أخرى ينبغي استكشافها؟

 

إلى جانب الشروط التقنية المذكورة، والتي قد تُخفف فعلاً من الضغوط التضخمية الظرفية، يبقى من الضروري معالجة المشكلات الجوهرية. وعلى رأسها تقليص العجز الهيكلي في ميزان المعاملات الجارية، الذي يبلغ رسمياً في المتوسط نحو 10% من الناتج المحلي ما بين 2019 و2024.

ويُعزى ذلك إلى الواقع الاقتصادي والاجتماعي للبلاد: ضعفٌ كبير في التنافسية وخللٌ في الإطار التنافسي، ما يجعل البلاد تستورد معظم احتياجاتها ولا تُصدّر ما يكفي لتغطيتها. كما أن قصور الحوكمة يحدّ من القدرة على خفض مستوى الواردات بما يتماشى مع الحاجات الفعلية، ولا يساعد على تحسين العائدات المتولدة من القطاعات التصديرية، خاصة الصناعات الاستخراجية والصيد.

 

 

ما هي الآفاق على المدى القصير والمتوسط؟

 

أي نقص في أحد الشروط المذكورة سينعكس تلقائياً على قيمة العملة الوطنية، وسيُترجم إلى ارتفاع أسعار السلع المستوردة. وسيكون من الضروري القيام بجهد كبير في التواصل وطمأنة الفاعلين الاقتصاديين والرأي العام لتقليل مخاطر فقدان الثقة والمضاربات.

 

 

خلاصة:

 

منذ نحو أربعة عقود تتوالى التقارير والبرامج والتسهيلات بمسميات متعددة. التوصيات تتشابه، لكنها غالباً ما تعالج الأعراض لا الأسباب. التشخيصات عادة صحيحة، لكن الحلول المطروحة نادراً ما تستهدف المشكلات الجوهرية. وجميع هذه المشكلات تتقاطع في تحدٍّ واحد: الحوكمة بكل أبعادها…

 

اسلمو ولد محمد الطالب

خبير احصائي

 

 

 

 

 

 

 

اثنين, 17/11/2025 - 12:00