
خلال «المنتدى الإفريقي الدوري حول التعليم» المنعقد الأسبوع الماضي في أكرا (جمهورية غانا)، قدّمت وزيرةُ التربية الموريتانية، هدى باباه، موريتانيا على أنها «تسير نحو نموذجٍ تعليمي مستدام يقوم على الجودة والابتكار والإنصاف». وأشادت بـ«نتائج مشجّعة» و«انسجامٍ مُعزَّز في الممارسات البيداغوجية».
ومع ذلك، تصطدم هذه الرؤية المتفائلة بوقائع الميدان. ففي المدارس الريفية والحضرية على السواء، يعاني التلاميذ من صعوباتٍ في إتقان أساسيات القراءة والرياضيات، ويعوز المعلّمين التأهيلُ الكافي، فيما تظلّ البُنى التحتية غيرَ كافية.
إن الأقسام المكتظة، والزيّ الموحد المفروض، وممارسات التسيير المختلّة تجسّد نظاماً تُخفي فيه البلاغةُ الرسمية اختلالاتٍ عميقة.
1. تمدرسٌ في ازدياد… لكن تعليمٌ معطّل
يكشف المسح العام للسكان والمساكن RGPH 2023 الصادر عن الوكالة الوطنية للإحصاء والتحليل والديموغرافيا أن 36% من الأطفال بين 6 و11 سنة غيرُ متمدرسين بانتظام، وأن صافي معدل الالتحاق بالابتدائي يراوح عند 64.3% . كما تُخفي المساواةُ بين الجنسين تفاوتاتٍ جهوية كبيرة: ففي الحوض الغربي وكيدي ماغه تترك نحوُ فتاةٍ من كل اثنتين المدرسة قبل السنة السادسة.
وقد أدّت سياسةُ التعميم إلى أقسامٍ مكتظة وتعلّمٍ محدود. ففي بعض المدارس الريفية يشرف معلّمٌ واحد على ما يصل إلى 90 تلميذاً، غالباً من دون طاولات–مقاعد أو كتبٍ كافية. كما يجسّد فضيحةُ الطاولات–المقاعد المُسعَّرة بأكثر من قيمتها، التي نقلتها وسائل الإعلام وأكّدتها تدقيقاتٌ داخلية لوزارة التعليم، حجمَ الفجوة بين الميزانيات المُعلَنة والظروف الفعلية للتعلّم (البنك الدولي، 2022).
2. تعلّمٌ هشّ ومعلّمون منزوعو الأدوات
تضع نتائجُ مسابقة خام الدروس الابتدائية في 2019، التي أكّدتها استطلاعات 2023، موريتانيا في المرتبة 12 من أصل 14 بلداً إفريقياً ناطقاً بالفرنسية. ولا يبلغ نحو 70% من تلاميذ نهاية الابتدائي المستوى الأدنى في القراءة، فيما يفشل 82% في الرياضيات (CONFEMEN، 2019).
كما أن الجسمَ التعليمي مُنهك: 60% من المعلّمين يعملون من دون دبلومٍ تربوي مكتمل، و45% لم يستفيدوا قط من تدريبٍ مستمر (ANSADE، 2023). ولا تصل المنصةُ الرقمية «تنْوير» إلا إلى 3.8% من المدارس بسبب نقص التجهيز والتكوين، ما يُفاقم الفجوة بين المؤسسات الحضرية والريفية (يونيسف موريتانيا، 2023).
3. الزيّ الإلزامي: رمزُ وحدةٍ أم قيدٌ اجتماعي؟
منذ 2024، فُرض ارتداءُ الزيّ الموحّد في الابتدائي لتعزيز الوحدة الوطنية وتجسيد المدرسة الجمهورية. غير أن هذه الخطوة، في بلدٍ يعيش فيه 28% من الأسر تحت خط الفقر، تطرح عوائقَ حقيقية أمام الالتحاق بالمدرسة (يونيسف موريتانيا، 2023). فبالنسبة لكثيرٍ من العائلات المتواضعة، يُصبح اقتناءُ الزي عبئاً، ويُستبعد بعضُ الأطفال من الأقسام لعدم الامتثال.
ورغم أن الهدف هو ترقية تعليمٍ جامع وذو جودة، تكشف الإجراءات عن معضلة: كيف نوفّق بين الوحدة الوطنية وتكافؤ فرص الوصول لجميع التلاميذ، بمن فيهم المنتمون إلى «المجتمعات المُميّزة على أساس النَّسَب والعمل» الذين غالباً ما يكونون الأكثر هشاشة؟
4. نظامٌ تعليمي أسيرُ اللامساواة البنيوية
تعكس المدرسةُ اللامساواةِ الاجتماعية والمجالية. فـ62% من المدارس الريفية تعمل بقسمٍ واحد متعدد المستويات، وغالباً من دون مياهٍ صالحة للشرب أو مراحيض (البنك الدولي، 2022). وتبقى الأميةُ مرتفعة: 52% لدى النساء البالغات و48% لدى الرجال (ANSADE، 2023). ويقع أكثرُ التهميش على أبناء أُسر الرحّل والمناطق المعزولة. وتزيد النواقص الإدارية وسوءُ الحوكمة من تفاقم هذه اللامساواة (البنك الدولي، 2022)،
5. أهدافُ التنمية المستدامة أمام امتحان الواقع الموريتاني
انخرطت موريتانيا في أهداف التنمية المستدامة (ODD)، غير أن ترجمتها تصطدم بوقائع اجتماعية ومجالية معقّدة.
-الهدف 4 (تعليمٌ دامج وجيد): أكثر من ثلثي تلاميذ نهاية الابتدائي لا يحققون الكفاءات الأساسية، وتجميع بعضُ الأقسام الريفية ما يصل إلى 90 تلميذاً مع معلّمٍ واحد (PASEC 2019؛ ANSADE، 2023). ويظلّ التعلّم محدوداً بفعل نقص التجهيزات والموارد، وهو ما يمسّ خصوصاً أطفالَ الفئات الهشة.
-الهدف 5 (المساواة بين الجنسين): تُضعفه الزيجاتُ المبكرة والأعباءُ المنزلية وغيابُ مرافق صحية ملائمة للفتيات، اللواتي يتركن المدرسة قبل السنة السادسة، بما يُكرّس حلقةً من اللامساواة عبر الأجيال (يونيسف موريتانيا، 2023).
-الهدف 10 (الحد من اللامساواة): يصطدم بتهميش الأطفال القادمين من بيئاتٍ فقيرة أو من أوساط الريف، حيث تقلّ فرصُهم في إتمام الابتدائي إلى النصف مقارنةً بالأطفال في المدن (ANSADE، 2023). كما تعكس إلزاميةُ الزيّ والمركزةُ المفرطة والأقسامُ المكتظة مساواةً إداريةً مفصولةً عن الواقع.
-الهدف 17 (الشراكات من أجل التعليم): يقيّده نمطُ حوكمةٍ مُمركز يحدّ من مشاركة المنظمات غير الحكومية والنقابات والجماعات المحلية (اليونسكو، 2023). وغالباً ما تُثبت المبادراتُ المجتمعية فاعليتَها الأكبر في تلبية حاجات التلاميذ المهمّشين، خصوصاً أبناء الريف.
ومن دون تعاونٍ حقيقي، تظلّ أهدافُ التنمية المستدامة شعاراتٍ دبلوماسية أكثرَ منها أفعالاً ملموسة.
وتُظهر هذه الخلاصاتُ أن تحقيق الأهداف يستلزم سياساتٍ واقعيةً ومُكيَّفةً اجتماعياً ومجالياً، قادرةً على رأب الشروخ التاريخية والبنيوية.
6. من أجل إعادة تأسيسٍ تعليمية حقيقية ومستدامة
- لامركزةُ الحوكمة وتعزيزُ دور وكالة الإحصاء والجماعات المحلية.
- الاستثمارُ في التدريب المستمر وإعادة تأهيل المعلّمين.
- مواءمةُ الزيّ المدرسي مع الواقع الاجتماعي عبر إعاناتٍ أو جعل الإجراء اختيارياً.
- ردمُ الفجوة الرقمية بتجهيز المدارس الريفية وتكوين المعلّمين.
- إنشاء «مرصدٍ مواطنيٍ لجودة التعليم» يضمّ باحثين ونقابات ومنظماتٍ غير حكومية.
- إدماجُ حقوق CDWD والعدالة المجالية في جميع السياسات التعليمية.
خاتمة
إن الخطابَ حول «نموذجٍ تعليمي مستدام» أقربُ إلى الدعاية منه إلى الواقع. فما يزال النظامُ التعليمي الموريتاني ناقصَ التمويل، غيرَ عادل، وضعيفَ التنسيق، ومُنهكاً بالأقسام المكتظة والبُنى التحتية القاصرة.
لا بد أن تتجاوزَ الإصلاحاتُ البلاغةَ كي تضمن الولوجَ والجودةَ والإنصاف. وحدها مقاربةٌ متكاملة، تُركّز على الحاجات الفعلية للأطفال والمجتمعات المُهمَّشة—ولا سيّما مدارس الأرياف —قادرةٌ على جعل التعليم رافعةً للتحرّر والتنمية المستدامة.
الشيخ سيداتي حمادي
خبيرٌ تربوي



.jpeg)

.jpeg)