
خرجنا للتو أو لم نكد من أسبوعين حافلين بالسجالات و النقاشات المثمرة و القيمة و البناءة و السطحية و العدمية و المتفائلة و المتشائمة و المرئية و المسموعة و المقروءة و المكتوبة، أحيانا بلغة سليمة جميلة و أحيانا بلغة ضعيفة هزيلة. استخدم الذكاء الفطريّ الطبيعي و الصناعي الاصطناعي و تراوح الطرح بين الجد الممل و الهزل المخل. أجرت القاعات و استخدمت الساحات و المجالات العمومية و الخصوصية و عجت الفضاءات الزرق و الصفر و السود. كل ذلك للحديث عن موضوع واحد هو الفساد و خطورته و أسبابه و ضرورة محاربته.
تعاقب على المنابر في سبيل ذلك المتخصصون و المتسلقون و المفسدون السابقون أصحاب الخبرة و الحاليون أصحاب الدربة و أسماء أرهقها التاريخ و أسماء أرهقت الحاضر و الصحافة و أشباههم. تحدث الساسة و الدهماء و الغوغاء و الخاصة و خاصة الخاصة و كل من هب و دب.
ظهر أن الأمر جلل و الخطب خطب فبدى و كأنه بداية نهاية الداء و لاحت بوادر الرجوع إلى الله و الإنابة إليه. إلا أن هذا الحماس ما فتئ أن فتر و بدت معالم التقهقر تظهر شيء فشيء و علامات التراخي تتضح بادية للعيان. فما لبثنا إلا قليلا حتى انقشعت الغيمة و ظهر من فعل ما لا يشبه القول و من قول يناقض الفعل و تحول الأمر بين عشية و ضحاها إلى حلم سرعان ما استفقنا منه فكأن الإصلاح هنا ليس سوى حديثا عابرا لا تثبت له جذور و لا يمسك بزمامه أحد فأين الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد و أين الإصلاح الهيكلي الذي خلناه قادما و أين هي التقارير الأخرى.
ثم ما أسرع أن انقلبت البشارة خيبة حين جاءت تسميات يطبعها البهوت في الغالب و يغلب عليها الولاء الشخصي على الكفاءة و كأن الزمان يعيد سيرته الأولى حيث توزع المناصب كما توزع الغنائم. يسترضى بها من يخشى صده و يستعطف بها من يراد وده.
و في الختام أذكركم أن من علامات انحدار الأمم ألا يتبع القول بالفعل و أن أخوف ما يخاف عليها منه أن يقتل الأمل بدم بارد باستدرار العواطف بخطب تدغدغ مشاعر العامة ثم لا تلبث أن تدرك أنها لا تطعم جائعا و لا تصلح فاسدا.



.jpeg)

.jpeg)