
بدأت بوادر العداء للإخوان من قبل السلطة المصرية في أعقاب الخلاف الجوهري بين الضباط الأحرار والجماعة على هُوية الدولة. ففي الوقت الذي كان عبد الناصر يسعى لإقامة دولة اشتراكية علمانية، كان الإخوان يطمحون إلى إقامة دولة إسلامية.
ازدادت الهوة بين الطرفين قبل أن تصل إلى مرحلة العداء المزمن في العام 1954، بعد حادثة المنشية التي اتهم فيها عبد الناصر الإخوان بمحاولة اغتياله. حينها اعتقل الكثير من أعضاء الحركة وأُعدم عبد القادر عودة، الذي يُعد واحداً من أشهر قادة التنظيم.
ويرى المهتمون بتاريخ الإخوان أن التضييق المصري كان وراء ثلاث مقاربات مهمة في المسار السياسي للإخوان في البلاد العربية، منها: هجرة الكثير من القادة إلى دول أوروبية، والتركيز على القطاعات الخدمية، لا سيما التعليم والصحة، فضلاً عن العمل الخيري.
والمفارقة الكبرى أن معظم دول الخليج آوت الحركة ودعمتها مادياً، حيث تم ذلك في عهد الملك فهد بن عبد العزيز، والشيخ زايد رئيس دولة الإمارات، وأمير دولة الكويت.
ترسيخ النفوذ:
والحق أن الدعم الخليجي لقادة الحركة ساهم في توفير فائض مالي، استخدمه التنظيم عبر شبكات بالغة التعقيد لترسيخ نفوذه في المجتمعات العربية، خاصة بعد سيطرة الإخوان على قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة، مستغلين انشغال النخب بالمناصب المهمة المتعلقة بضباط الجيش والأمن، متناسين أن ذلك هو في النهاية نتاج منظومة تربوية أشرفت عليها طواقم من الجماعة التي ستتغير جذريا نظرة أمراء وملوك الخليج لقادتها الذين كانوا دعامة مهمة في التسويق لما سُمي وقتها بالجهاد الأفغاني.
استباق أم سقوط في فخ؟:
بعد الربيع العربي، أدركت بعض دو الخليج الخطر الحقيقي الذي يشكله الإخوان على أنظمتها، لذلك أصبحت مجبرة على مواجهتهم عسكرياً خارج أراضيها في خطوة استباقية، نظر لها بعض خبراء الأمن الوقائي.
والسؤال المطروح: هل كانت هذه الخطوة متأخرة؟ في الغالب، وبحسب تاريخ الصراعات، فإن الحل العسكري قد لا يؤتي بالضرورة النتائج المرجوة منه، نظراً لتكلفته الباهظة ولما يخلقه من عداء يتسبب في تعاطف المواطن العادي مع من يراهم رأس حربة في التصدي للتدخل الأجنبي الذي يشكل خطراً حقيقياً في نظره، مهما كان الدعم الحاصل عليه من أشخاص نافذين.
المخابرات الأمريكية تدرك بحكم تجربتها في أفغانستان أن العمل العسكري مغامرة غير مضمونة النتائج، لذلك حافظت على "شعرة معاوية" مع التنظيم الدولي للإخوان من خلال الوساطة القطرية، لكنها لم تخفِ تغاضيها، بل ودعمها أحياناً، للعمل الذي تقوم به دول معينة ضد ما تعتبره أوكار التنظيم.
وليس من الصدفة أن تتركز نقاط الاستهداف على مراكز جيوسياسية حيوية ف الشرق الأوسط وإفريقيا.
كانت "صفقة القرن" إحدى أهم مظاهر هذه الحرب، وإن بدت أكثر نعومة، لكنها في الحقيقة مجرد عملية صامتة لاستئصال الذراع العسكري للإخوان في القضية المركزية للعرب والمسلمين. وقد مرت هذه العملية عبر مسار طويل جمع بين التجسس والعمل الخيري، محققة بذلك هدفين رئيسيين: أولهما تخليص إسرائيل من الخطر الأمني الذي تشكله حماس، وكذا إزالة التهديد الإستراتيجي الذي تخشاه كبريات الدول العربية.
هذه الأسباب مجتمعة كانت وراء حصار غزة، تماما كما كانت سببا في غض الطرف عن قتل أطفالها ونسائها، وإعطاء فرصة لإسرائيل لتحقق بالقوة ما عجزت عنه أساليب القوة الناعمة.
والحق أن التعاطف الدولي مع سكان غزة أربك كل أهداف تلك الحرب وأعادها إلى نقطة الصفر.
في سياق الأجندة ذاتها، تأتي الحرب في السودان، الذي اختطفه الإخوان برئاسة عمر البشير بعد انقلابهم على النظام الديمقراطي في العام 1989، ليحكموا السودان لثلاثين سنة امتدت حتى العام 2019.
ولاشك أن استهداف السودان بعد تقسيمه يصادف هوى في اللاشعور عند منظري الدولة العبرية، باعتباره تطويقاً استراتيجياً لإحدى أكبر دول الطوق، لكنه في الوقت نفسه يلبي رغبة أمنية عند بعض دول الخليج التي فضلت المقاربة العسكرية، وهذا ما اتضح من التصريح الأخير لمحمد حمدان دقلو المعروف بـ"حميدتي".
حروب بلا نهاية:
المهتمون بالتاريخ يدركون جيداً أن الحلول العسكرية تأتي في الغالب بنتائج عكسية. حدث ذلك واقعياً في "عاصفة الحزم"، التي كان هدفها غير المعلن هو القضاء على إخوان اليمن، لكنها مكنت الحوثيين وهددت اقتصادات الخليج بعد ضرب "أرامكو"، الأمر الذي كانت له تبعات كبيرة.
والمؤسف أن من يدفع الثمن هم الشعوب المستضعفة، حيث سيؤدي تجويعها وتشريدها إلى خلق أجيال تكن حقداً دفيناً لدول دمرتها بهدف تحقيق أجندتها الأمنية، رغم كونها تبعد عنها آلاف الأميال.
مقاربات بديلة:
أعتقد أن استخدام القوة العسكرية لن يؤتي أكله، مهما كان فارق القوة كبيراً، بقدر ما سينعكس سلباً على شعوب بريئة ويخلق عداوات ستستمر إلى الأبد. هذا فضلاً عن كونه سيشكل عبئاً على موازنات دول تستنزف مواردها في حروب خارج حدودها لتحقيق أمر أقرب إلى المستحيل.
كان الأجدر بها في رأيي استثمار أموال الحروب في البنى التحتية وفي الإنسان، بهدف تغيير العقليات بطرق أكثر نعومة وأقل تكلفة، وقد تكون أقصر من حيث الفترة الزمنية.
وإلا، سنكون أمام دوامة من الحروب العسكرية والإعلامية هدفها تشويه قادة، كانت لهم -حتى عهد قريب- مكانتهم الخاصة لدى كل شخص في غزة والسودان.
صحيح أن ثمة بعض المستفيدين من هذه الحروب العبثية في مسارها، والمدمرة في مسيرتها، والماحقة لكل من أراد لها أن تكون منقذة لنظامه.
د. أمم ولد عبد الله



.jpeg)

.jpeg)