
التحقت مع زملائي بثانوية الأصمعي التي يبدو أنها هي المخصصة لاستقبال الطلاب الوافدين.
كنا نسكن في السكن الداخلي لمعهد المعلمين وحسبما فهمت وقتها فهذا السكن كان مخصصا لطلاب معهد المعلمين ولكن بما أن الطلاب الكويتيين لا يحتاجون إلى سكن داخلي فقد خصصته الوزارة للطلاب الوافدين.
كانت المسافة بين السكن والثانوية بعيدة نسبيا وكنا نتنقل في ثلاثة باصات كبيرة وأذكر أن أحد السائقين كان عجوزا فلسطينيا اسمه أبو مجدي، وكان الطلاب يتسابقون إلى الباص الذي يصل أولا حتى لا يطول انتظارهم في طابور المطعم.
وقبل الحديث عن بعض الذكريات المتعلقة ببعض مواد المنهج نستعرض نبذة مختصرة من حياة الأصمعي الذي كانت هذه المؤسسة تحمل اسمه.
وإن كان هذا الحديث ليس ذكريات تعليمية متمحضة بل فيه بعض عفو الخاطر وبعض صيد الخاطر مع خروج على النص أحيانا.
الأصمعي
هو عبد الملك بن قريب بن عبد الملك.
نشأ رحمه الله في البصرة فتعلم فيها القراءة والكتابة، ثم أتقن تجويد القرآن على أبي عمرو بن العلاء (ت 154هـ) أحدِ القُرّاء السبعة. وممن ثَقِفَ عنهم علومه عيسى بن عمر الثقفي (ت 149هـ)، والخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 175هـ).
ومما أسهم في ثقافة الأصمعي روايته عن فحول الشعراء كرؤبة وابن ميادة والحسين بن مطير الأسدي وابن هرمة وابن الدمينة وغيرهم.
ومما أغنى علمه خزانة كتبه الواسعة التي جمع فيها أصول علمه ومروياته.
استقدمه الرشيد إلى بغداد لِمَا بلغه من علمه وفضله واتساع درايته للغة، وروايته لأنساب العرب وأيامها، واتخذه سميره ومؤدِّب نجله الأمين.
قالوا عنه
قال الإمام الشافعي : «ما عبر أحد عن العرب بأحسن من عبارة الأصمعي».
وقال إسحاق الموصلي، وكان عدوه: «لم أرَ الأصمعي يدعي شيئاً من العلم فيكون أحد أعلم به منه».
وقال أبو داود: «صدوق، وكان يتقي أن يفسر القرآن».
وقال المبرِّد: «كان الأصمعي بحراً في اللغة، ولا يُعرف مثلُه فيها وفي كثرة الرواية».
ترك الأصمعي تراثاً جمّاً من التصانيف الجيدة عدّتُها تزيد على الثلاثين، منها: خلق الإنسان، الأجناس، الأنواء، الخيل، الشاء، الوحوش، اشتقاق الأسماء، الأضداد، اللغات، القلب والإبدال، فحولة الشعراء: وقد رواه عنه تلميذه السجستاني، وفيه نظرات لطيفة في تقويم الشعر والشعراء، ولعلّ أجلّ آثاره «الأصمعيات» وهو اختيارات شعرية انتخبها من عيون الشعر العربي، تصوّر الحياة الأدبية أدق تصوير، في عاداتها وأفكارها وتقاليدها.
وللمستشرق الألماني ڤلهلم آلڤارت Wilhelm Ahlwardt كتاب سماه (الأصمعيات) جمع فيه بعض القصائد التي تفرد الأصمعي بروايتها.
توفى رحمه الله 216 هـ عن عمر ناهز 88 سنة
تغيير اسم ثانوية الأصمعي
نشرت صحيفة الأنباء الكويتي خبرا في أغسطس 2015 مفاده أن وزير التربية وزير التعليم العالي الدكتور بدر العيسى اعتمد قرارا بتسمية ثانوية الأصمعي في قرطبة المطلة على طريق المطار
باسم رئيس مجلس الأمة الأسبق جاسم الخرافي
رحمه الله، تقديرا لدوره وجهوده التي بذلها في
سبيل رفعة الكويت في مختلف المواقع التي عمل بها.
من الفروق الأساسية بين المنهجين التعليمين في الكويت وفي موريتانيا
لاحظت بعض الفروق الأساسية بين مناهج التعليم في موريتانيا وفي الكويت.
فالمنهج التعليمي في الكويت وقتها وفي الخليج عموما يعتمد على كثرة الكتب فقد كنا ندرس 17 كتابا بين مواد أساسية وملحقاتها، أما في موريتانيا فكان الاعتماد في تلك الفترة أساسا على ما يمليه أستاذ المادة ولعل المسألة تعود في جانب منها إلى الموارد.
والأمر هنا يتعلق بالجانب التربوي فأيهما أفضل للطلاب من حيث طرائق التفكير واكتساب المعلومات : كثرة وكثافة المادة التي تتيح لهم التوسع في الاطلاع أم المواد المركزة التي تقلل اعتماده على الكم المعرفي وتنمي ملكة التفكير عندهم؟
مادة التربية الإسلامية
كان يدرسنا مادة التربية الإسلامية شيخ عراقي اسمه طائس الجميلي ولعله كان لاجئا سياسيا نتيجة لتوجهه الفكري، ولكنه لم يكن، على ما يبدو، من المعارضة التي يحسب لها حساب وإلا لربما تم اغتياله أو لم تقبله الكويت لاجئا عندها تفاديا للمشاكل مع الجار القوي، خاصة أن العراق سبق أن اغتال في الكويت، عدنان التكريتي الذي كان وزيرا للدفاع حتى سنة 1971، وتقول الأخبار إن السفارة العراقية دبرت اغتيال عدنان وهربت القاتل إلى بغداد ليحكم عليه بالإعدام ثم يسجن لفترة قبل إطلاق سراحه. ويقال إن الحكم على القاتل جاء لإبعاد التهمة عن الحكومة العراقية.
و قرأت أن الشيخ طائس غادر الكويت بعد كارثة 2 أغسطس 1990 واستقر في قطر، وكنت تابعت له قبل سنوات حديثا تلفزيونيا في إحدى القنوات الإماراتية.
وأتذكر أنه كان يعبر عن موقف سلبي من التصوف وكان يقول لنا: أنتم في المغرب العربي ابتليتم بالتصوف. لم أكن وقتها في وضع يمكنني من مناقشة الشيخ لأن بضاعتي المعرفية مزجاة - وهي ما زالت كذلك -، ولكن ربما فات الشيخ أن التصوف إذا كان "ابتلي" به أهل المغرب العربي، فذلك مما "عمت به البلوى" في جميع البلدان الإسلامية بل وخارجها، بما في ذلك العراق الذي أنجب عددا من أعلام التصوف الكبار مثل الحارث المحاسبي والجنيد والشيخ عبد القادر الجيلاني رحمهم الله. وقد تركت الطريقة النقشبندية بصمتها واضحة في مقاومة الأمريكان بعد غزوهم للعراق سنة 2003، فقد أبلى جيش النقشبندية بلاء حسنا في مقاومة المحلتين، ويقال إن هذا الجيش كان تحت إشراف إبراهيم عزت الدوري رحمه الله.
وعموما لا يختلف اثنان، حسب تصوري، على أن التصوف أصابه اليوم من الترهل ما لا تخطئه العين وانحرف كثير من المحسوبين عليه عما كان عليه القوم من زهد وورع واستقامة.
والذي أريد أن أنبه إليه هنا هو أن منهج الشيخ طائس في تصنيف بعض المدارس الإسلامية إنما هو نتيجة لما كان سائدا-ومازال- في تلك الفترة من التخندق والرؤية الأحادية وهذا يعني ببساطة أن الإنسان لا يعترف إلا بما تعلم في بيئته الضيقة ويعادي جميع الآراء الأخرى لأنها تصادم "الحق" حسب تصوره وحسب ظروف تربيته.
هذا المنهج يتعامل مع الطالب والمتلقي عموما كما لو كان مجردا من أي معرفة ولا قدرة له على التفكير ولذلك ينبغي "تسويق" ما نعتقده إليه كما لو كان الحق المطلق والعمل على تجريده من كل آرائه السابقة كما لو كانت هي الضلال المبين.
إن هذا المنهج لا يصلح اليوم في عصر التدفق المعرفي الهائل.
لذلك ينبغي أن تعرض جميع آراء المدارس الإسلامية للطلاب والمتلقين بكثير من التجرد والحياد ليترك للطالب فرصة التفكير الحر والاختيار دون إكراه فكري.
مادة اللغة العربية
كان يدرسنا اللغة العربية مدرس فلسطيني وكان من ضمن المقرر
قصيدة البحتري :
أتَاكَ الرّبيعُ الطّلقُ يَختالُ ضَاحِكاً
منَ الحُسنِ حتّى كادَ أنْ يَتَكَلّمَا
وَقَد نَبّهَ النّوْرُوزُ في غَلَسِ الدّجَى
أوائِلَ وَرْدٍ كُنّ بالأمْسِ نُوَّمَا
يُفَتّقُهَا بَرْدُ النّدَى، فكَأنّهُ
يَبثُّ حَديثاً كانَ قَبلُ مُكَتَّمَا
وكان الأستاذ يشرحها شرحا مشوقا موضحا ما فيها من صور بلاغية جميلة.
مناسبتها
ورد عن مناسبتها أن الشاعر مدح أحد القادة العباسيين، فابتدأ قصيدته بوصف الربيع والحديث عن جمالياته غاية منه في إشراك الربيع بالمدح والثناء.
و كان من ضمن المقرر أيضا قصة ابن زيدون وولادة
وهي قصة من أشهر القصص التي اهتم بها أهل الأدب العربي.
ولد أبو الوليد أحمد بن زيدون المخزومي بقرطبة سنة 394هـ/1003م. ويعد من أبرز شعراء الأندلس في عصره. تمتع بمكانة عالية في المجتمع القرطبي بفضل ما أنفق في تعليمه من عناية، وما وهبه الله من ملكة طيبة. ظهرت مَلَكة الشعر عند ابن زيدون وهو في سن العشرين، ذلك أنه عندما توفي القاضي الفقيه ابن ذكوان، ألقى على قبره مرثية بليغة. ثم لم تلبث العلائق أن اتصلت بينه وبين ولاّدة وهي من أشهر نساء الأندلس، وإحدى الأميرات من بني أمية، فهي سليلة بيت ملك إذ أنها بنت الخليفة الأموي محمد بن عبيد الله بن الناصر لدين الله الملقب بالمستكفي بالله، فلما مات أبوها خرجت إلى مجامع الأدباء و العلماء.
ومرت قصتهما بمراحل من التقارب والتباعد ومن الوصل والانقطاع..
وتعرض ابن زيدون للسجن وهرب منه.
وتخليداً لقصة ولادة وابن زيدون وضع نُصب تذكاري في ساحة مارتيليه في قرطبة وسمي "نُصب الحُب"، وفيه كفان كادا أن يلتقيان ويتلامسان، يحاكيان يد الشاعرة "ولادة بنت المستكفي" و يد حبيبها الشاعر "ابن زيدون".
وكتب على التمثال أبيات شعر عربية لكل من ابن زيدون وولادة، وترجمت هذه الأبيات أيضا باللغة الإسبانية.
في الأعلى نقشت أبيات ولادة وهي:
"أغار عليك من عيني ومني.. ومنك ومن زمانك والمكانِ
ولو أني خبأتك في عيوني.. إلى يوم القيامة ما كفاني".
وتحتها كتبت أبيات لابن زيدون وهي:
" يا من غدوت به في الناس مشتهرا..
قلبي عليك يقاسي الهم و الفكرا
إن غبت لم ألقَ إنسانًا يؤنسي..
وإن حضرت فكلُّ الناس قدْ حَضَرا" .
كثر الكلام عن سبب تباعدهما، ولم تغب المكائد السياسية عن قصة ولادة وابن زيدون، حيث أنها لعبت، بحسب بعض المؤرخين، دورا في انفصالهما، وتقول رواية أخرى أن السبب في فراق الحبيبين كان الوزير ابن عبدوس الذي كان مولّها بولاّدة، لكنها حرمته من حبها لتقدمه للشاعر، الذي كان في نفس الوقت منافسه على السلطة، فكاد له حتى حوكم ودخل السجن سنوات طوالا، لم تنقطع خلالها ولاّدة عن زيارته.
تناول الكتاب والمهتمون بالأدب والمؤرخون هذه القصة من جانبها الرومانسي، أما الجانب الذي ربما غاب عن المهتمين فهو بعدها الحضاري، فهذه العلاقة تمثل نموذجا من خلود علية القوم إلى الترف وشهوات النفس والبعد عن الجد ومعالي الأمور لتشكل بذلك مسمارا من مسامير هدم حضارة المسلمين في الأندلس، ففي الوقت الذين كان فيه الأوروبيون يخططون بطول النفس لطرد العرب من الأندلس انغمس بعض المسلمين في حياة الترف والبذخ والشهوات لتضيع الأندلس في غفلة وضعف من ملوك وأمراء الطوائف الذين أعمت بعضهم الدنيا وزخرفها والبحث عن الملك ليخربوا بيوتهم بأيديهم.
الجغرافية الاقتصادية للوطن العربي
كان يدرسنا هذه المادة أستاذ سوري وهي تتناول جغرافية واقتصاد الدول العربية من حيث القطاعات الزراعية والصناعية والمعادن والثروة الحيوانية هذا فضلا عن التضاريس والمساحة والمناخ...
ومما أذكره أن السودان كان وقتها يمتلك أكبر ثروة حيوانة في الوطن العربي، فكان مثلا يمتلك 49 مليون رأس من الأبقار، أما السنوات الحالية فالثروة الحيوانية في السودان تقدر بحوالى 103 مليون راس (30 مليون راس أبقار، 37 مليون رأس أغنام، 33 مليون رأس ماعز، 3 مليون رأس من الإبل)، إضافة ل 4 مليون رأس من فصيلة الخيل و 45 مليون من الدواجن.
أما الصومال فكانت في تلك الفترة الأولى عربيا من حيث عدد رؤوس الإبل، أما اليوم فإن الثروة الحيوانية في الصومال تقدر بأكثر 40 مليون رأس من الإبل والبقر والغنم.
أما موريتانيا فإضافة إلى أنها تحتل المرتبة الأولى عربيا في تصدير الحديد فهي تمتلك وقتها أكثر من مليون رأس من المواشي، أما اليوم فهي تمتلك حوالي 25 مليون رأس من المواشي.
مقارنة
هذه الأرقام الضخمة من أعداد المواشي في السودان والصومال وموريتانيا توحي لأول وهلة أن هذه البلدان لا مجال فيها للفقر والعوز ولكن الواقع عكس ذلك تماما.
ولكي تتضح الصورة أكثر دعونا نقارن حجم الثروة الحيوانية وإنتاجها في هذه البلدان الثلاثة مع الثورة الحيوانية في هولندا والدنمارك.
بلغ عدد الأبقار في الدنمارك سنة 2007 حوالي نصف مليون بقرة، والبقرة الواحدة تنتج يوميا 24 كلغ من الحليب بينما تنتج البقرة الموريتانية حاليا 3 كلغ في اليوم وتسعى الدولة لتحسين الإنتاج اليومي ليصبح 10 كلغ للبقرة الواحدة.
وفي هولندا بلغ عدد الأبقار 1.8مليون بقرة سنة 2009.
وفي عام 2014، حققت مزارع الألبان وصناعة الألبان الهولندية إنتاجاً بلغت قيمته الإجمالية 12 مليار يورو، منها 7 مليارات يورو قيمة منتجات تم تصديرها إلى الخارج. وأدى هذا إلى توفير ما مجموعه 45,000 وظيفة في هولندا، أي 1/6 إجمالي الصناعات الغذائية، والتي تعتبر أكبر حجماً من صناعات الأجهزة الكهربائية أو الأدوية أو السيارات في هولندا.
مقارنة دخل الفرد في هذه الدول
بلغ دخل الفرد في الدنمارك 58 ألف دولار سنة 2021.
وبلغ دخل الفرد في هولندا 53 ألف دولار سنة 2018
وحسب إحصائيات البنك الدولي فإن دخل الفرد في السودان تراجع سنة 2021 إلى 500 دولار
أما دخل الفرد في الصومال فقدر سنة 2021 ب 447 دولار.
أما دخل الفرد في موريتانيا سنة 2021 فقدر ب 2100 دولار
هذه الأرقام توضح بشكل جلي أن المسألة ليست مسألة أعداد وإنما مسألة تخطيط وتحسين إنتاج واهتمام بالجودة وإدارة سليمة، وإلا فلماذا ينتشر الفقر والجوع والبطالة في السودان والصومال وموريتانيا مع وجود ما يقارب مائتي مليون رأس من مختلف أنواع الأنعام بينما إنتاج أقل من 3 مليون رأس من الأبقار في هولندا والدانمارك تقدر قيمته بما يقارب عشرين مليار دولار أمريكي سنويا.
صحيح أن الفروق كثيرة من حيث نوعية السلالات ووسائل الإنتاج والظروف البيئية والمناخية.
وصحيح أيضا أن مقارنة دخل الفرد من خلال أرقام مجردة قد لا تكون عادلة تماما.
فإذا أخذنا أيضا في عين الاعتبار صغر مساحة هولندا والدانمارك واتساع مساحة بلداننا الثلاثة أدركنا أن المسألة مسألة عقول بشرية.
إن هذه الوضعية إنما تعكس بوضوح الفرق بين من يخطط ومن لا يخطط وبين بلدان تستغل مواردها أحسن استغلال وبلدان تهدرها سواء أدركت ذلك
أم لم تدركه.
الهادي بن محمد المختار النحوي
اللهم ارفع عنا الوباء والبلاء
رب اغفر لي ولوالدي ولوالديهم ولجميع المسلمين
والصلاة والسلام على الحبيب الشفيع سيدنا محمد وعلى آله وصحبه



.jpeg)

.jpeg)