ماذا بين الشيخ عثمان خميس مع أهل عزة؟

الشيخ عثمان خميس داعية كويتي معروف، وربما صنفه بعض أنصاره من العلماء، ولعله من جملة طلبة العلم المثابرين.
والشيخ عثمان له دروس مفيدة ونافعة ما لم يتكلم في العقيدة أو يبدي بعض المواقف السياسية.
وهو يمثل المدرسة السلفية المتطرفة فكريا بامتياز خاصة في مناهجها في احتكار الحق والصواب، وإقصاء المخالف من أهل السنة بل ومن الملة.
 ويعد التصنيف أحد أهم مناهج المدرسة إذ تعقد محاكم تفتيش لطوائف المسلمين وفرقهم ومذاهبهم وأفرادهم فيصدرون أحكاما غير قابلة للاستئناف ولا للنقض ويوزعون شهادات "التخرج" بالابتداع والشرك الأصغر أو الأكبر والزندقة أو التكفير المراوغ أو الصريح.
ومن تابع دروس الشيخ خميس يجد تطبيقا عمليا واضحا لهذا المنهج فلم تسلم منه فرق أهل السنة من أشاعرة وصوفية فضلا عن الفرق الأخرى.
فالصوفية عند الشيخ خميس معظمهم زنادقة، والأشاعرة ليسوا من أهل السنة وإن كانوا يتفقون مع أهل السنة في بعض المسائل المحدودة حسب توصيفه وقد تفضل عليهم بأن جعلهم من جملة المسلمين وإن كانوا حسب رأيه ليسوا من أهل السنة.
أما الإمام البوصيري فعنده شركيات حسب الشيخ خميس بسبب هذا البيت:

يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به    **. سواك عند حلول الحادث العمم

فوصف هذا الكلام بأنه من الشركيات.
ونسي الشيخ عثمان حديث الشفاعة الطويل الذي ورد فيه:
(...فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس: ألا ترون ما قد بلغكم، ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: عليكم بآدم، فيأتون آدم عليه السلام فيقولون له: أنت أبو البشر...) فيعتذر ثم يعتذر باقي أولي العزم من الرسل.
(فيأتون محمدا فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فأنطلق فآتي تحت العرش، فأقع ساجدا لربي عز وجل، ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئا، لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك سل تعطه، واشفع تشفع فأرفع رأسي، فأقول: أمتي يا رب، أمتي يا رب، أمتي يا رب، فيقال: يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، ثم قال: والذي نفسي بيده، إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة، كما بين مكة وحمير ـ أو كما بين مكة وبصرى). وهذا لفظ البخاري.
عن هذا المعنى يتحدث البوصيري رحمه الله، لكن عثمان الخميس أقرب عنده التكفير من حسن الظن.
 وهذه مسألة قد تكون مفهومة في سياق الحرب المستعرة بين السلفية ومخالفيها من فرق المسلمين الأخرى لكن الغريب هو إساءة الشيخ عثمان للطائفة المنصورة أهل غزة الذين تجمع الأمة على نصرتهم وتقدير تصديهم للظلمة المحتلين المعتدين.
فقبل أشهر تحدث خميس في بودكاست عن انحراف أهل المقاومة في غزة ووصفهم بالضلال والانحراف والارتماء في أحضان إيران ودعا إلى تدميرهم.
وحتى عندما اعتذر بعد أن كثر استنكار أقواله من أبناء الأمة من مختلف أطيافها وخاصة من أهلنا في الكويت فإنه اعتذر عن الدعوة لتدميرهم لكنه أصر على كلامه الآخر.
ويكفي من الرد عليه في هذه النقطة ما قاله الإمام ابن تيمية:
 (فإذا تعذر إقامة الواجبات، من العلم والجهاد وغير ذلك، إلا بمن فيه بدعة مضرتها دون مضرة ترك ذلك الواجب، كان تحصيل مصلحة الواجب، مع مفسدة مرجوحة معه: خيراً من العكس، ولهذا كان الكلام في هذه المسائل فيه تفصيل). [مجموع الفتاوى: 28/212]).
ويبدو أن الشيخ خميس لم يتعظ بحجم الردود على كلامه هذا خاصة ردود أهل غزة أنفسهم فأعاد الكرة، وذكر أن ما أصاب أهل غزة كان بسبب الذنوب.
تحدث الشيخ خميس خلال الأيام الماضية عن الابتلاءات التي تقع على المسلمين فقال:
(بالنسبة لموضوع غزة وموضوع التتار أيام بغداد يعني أيام التتار والمغول وبالنسبة للبوسنة والهرسك وبالنسبة لحروب الصليبية هذه أحداث تقع على المسلمين يعني هكذا الدنيا يعني ابتلاءات والله تبارك وتعالى يسلط الكفار أحياناً بذنوب المسلمين...).
الإشكال هنا أن الشيخ عثمان إذا كان يقصد أن ما وقع لأهل غزة كان بسبب ذنوبهم فقد تألى على الله ورجم بالغيب وظلم أهل غزة بأن عد ما وقع لهم بسبب ذنوبهم وليس عنده دليل على ذلك وأهل غزة كما هو معروف أهل استقامة وأهل قرآن وأهل رباط..
وإذا كان يقصد أن ما أصابهم كان بسبب ذنوب المسلمين الآخرين فهذا أيضا ليس عنده اي دليل عليه.
فكيف يذنب المسلمون فينزل العقاب بأهل غزة؟ ((وما ربك بظلام للعبيد)).  
والذنوب قد تكون من أسباب الابتلاء لكن الابتلاءات لها أسباب متنوعة وليس سببا واحدا، وتعيين فئة أو قوم مع تحديد سبب معين لابتلائهم أو تعميمه على الأمة على سبيل الجزم واليقين فيه افتراء على الله وتجن على عباد الله كما أوضح ذلك بعض المشايخ الذين ردوا على الشيخ عثمان خميس.
ابتلاء التمحيص 
 قد يبتلي الله الأمة أو يبتلي فئة من المؤمنين لتمحيصهم وتمييزهم عن المنافقين وفضح المرجفين ومن في قلوبهم مرض حتى ينكشف حالهم أمام المؤمنين.
   قال تعالى: ((ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب)). قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: أي: لا بد أن يعقد سببا من المحنة، يظهر فيه وليه، ويفتضح فيه عدوه. يعرف به المؤمن الصابر، والمنافق الفاجر.

 

ابتلاء الاصطفاء

 
 وهو الاصطفاء ورفع الدرجة وإعلاء المنزلة يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن عِظَمَ الجزاءِ مع عِظَمِ البلاءِ، وإن اللهَ – عز وجل - إذا أَحَبَّ قومًا ابتلاهم)  وورد في الحديث أيضا: (سُئِلَ رسولُ اللهِ أيُّ الناسِ أشدُّ بلاءً قال الأنبياءُ ثم الأمثلُ فالأمثلُ يُبتَلى الناسُ على قدرِ دِينِهم فمن ثَخنَ دِينُه اشتدَّ بلاؤه ومن ضعُف دِينُه ضعُفَ بلاؤه وإنَّ الرجلَ لَيصيبُه البلاءُ حتى يمشيَ في الناسِ ما عليه خطيئةٌ).
لكن المثير ليس أن يتكلم الشيخ عثمان في المسائل العامة فذلك حقه إن المحير حقا هو لماذا الحديث عن أهل غزة وفي هذه الظروف تحديدا فهل سأله أهل غزة عن عقيدتهم؟ وهل سألوه عن أي الدول يمكنهم طلب الدعم منها وهل سألوه أن يقوم "انحرافهم"؟
وهل سألوه عن سبب ما نزل بهم؟
لم يرد في حديث الشيخ عثمان ما يفيد بأن أهل غزة سألوه، فلم يبق إلا أن السؤال ورد من غير أهل غزة فعندها كان الأسلم للشيخ والأشرف أن يقول للسائل اهل غزة حالهم يكفي عن السؤال ومن يرد أن يسأل فليسأل علماءهم وعلماء أهل فلسطين عموما.
أما إذا كان هو تبرع بالحديث عنهم فلا نقول له إلا لو غيرك قالها، فكان يسعك السكوت عن أهل غزة عندما عجزت عن مناصرتهم ولو بشطر كلمة.
وليتك اقتديت بالشيخ عبد الله المطلق، عضو هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، عندما سئل قبل سنوات عن العمليات الاستشهادية أثناء انتفاضة الأقصى فقال ما معناه: هذا يسأل عنه علماء فلسطين.
ثم إن الشيخ عثمان وهو الداعية الذي يحمل هم الدين وهو في مقام القدوة للناس كان عليه أن يتعظ بحجم الردود الكثيرة المستنكرة لكلامه ويعتذر ليس فقط لأهل غزة بل للأمة عندما طعن أهل غزة في الظهر وهم يواجهون حرب إبادة من عدو ظالم متوحش. 
كان عليه أن يبكي على خطيئته ويندم ويظهر ذلك عندما جاءت رسائل مؤلمة ومؤثرة من أهل غزة، منها  ما قاله أحد الذين ردوا على الشيخ خميس: ماذا بينك وبين الله حتى تدعو عليك أمهات الشهداء الغزيات في شهر رمضان.
‏ومنها رسالة عتاب من مجاهد من أنفاق غزة اخترت منها هذه الفقرات:
‏د. عثمان: كل عام وأنت والشعب الكويتي الأصيل الحبيب بخير وصحة وعافية،، كويت العطاء والنصرة،، كويت الشهامة والفزعة،، كويت المحبة،، تاج الرؤوس والله. ‏باختصار نحن الآن يا دكتور في أحضان الأنفاق دفاعا عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وأولى القبلتين،، ولسنا في أحضان إيران!!
‏وقرأنا عن شيخك وشيخنا ابن عثيمين رحمه الله أنه قال: (على المسلمين النفير وبذل كل شيء لتخليص أسرى الشيشان من الروس). 
‏قبل الختام خذ بمنهج ابن عثيمين عندما قال له رجل وقت الحرب الأفغانية: إن جماعات الأفغان لديهم بدع وضلالات، فأجاب الشيخ: (اذهب إليهم جاهد معهم وانصحهم).
‏لقد آذيت نفسك والله في كلماتك هذه. ‏وإني أخشى عليك أن تلقى الله بهذا البهتان العظيم.
‏ختاما وليتسع صدرك لهذه الخاتمة: 
‏قلت إنك ستسعى بتخريب جماعتنا بعد الحرب.. أنا أقول لك:
‏لا تتعب نفسك يا دكتور، فقد تولى هذا المهمة ترامب واليهود، فلا تزاحمهم في مهمتهم!! ولا نرضى لك هذه المهمة. ‏فإن تمنيت لنا الخراب فإنا نتمنى لك ولأهل السنة العمارة والرفعة والسيادة والسعادة.
‏أخوك الغزي حفيد أبي بكر وعمر ‏ من حدود عسقلان.

 كان على الشيخ عثمان أن يعتزل الفتيا ويراجع عقيدته بصدق وإخلاص بعد أن أعلن الصهيوني إيدي كوهين مناصرته تأييدا لكلامه عن أهل غزة، حيث قال:
 «كلنا مع الشيخ الدكتور عثمان الخميس.. صرت أحبّه والله، رجل يعلم عن ماذا يتكلّم. كل التحية يا دكتور».
موقف كعب بن مالك رضي الله عنه أثناء محنة الثلاثة الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك.
فقد ورد ضمن قصتهم الطويلة:
(فبَيْنَا أَنَا أَمْشي في سُوقِ المدينةِ إِذَا نَبَطيُّ منْ نبطِ أَهْلِ الشَّام مِمَّنْ قَدِمَ بالطَّعَامِ يبيعُهُ بالمدينةِ يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كعْبِ بْنِ مَالكٍ؟ فَطَفقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ إِلَى حَتَّى جَاءَني فَدَفَعَ إِلى كتَاباً منْ مَلِكِ غَسَّانَ، وكُنْتُ كَاتِباً. فَقَرَأْتُهُ فَإِذَا فيهِ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ قَدْ بلَغَنَا أَن صاحِبَكَ قدْ جَفاكَ، ولمْ يجْعلْك اللَّهُ بدَارِ هَوَانٍ وَلا مَضْيعَةٍ، فَالْحقْ بِنا نُوَاسِك، فَقلْت حِين قرأْتُهَا: وَهَذِهِ أَيْضاً مِنَ الْبَلاءِ فَتَيمَّمْتُ بِهَا التَّنُّور فَسَجرْتُهَا).
فليت الشيخ عثمان كانت له ردة فعل على إشادة إيدي كوهين به وعدها من الابتلاء وأعلن ذلك للأمة تمثلا بموقف كعب بن مالك من رسالة ملك الروم.
ومع أن الشيخ خميس اعتذر لأهل غزة ودعا لهم، لكن حسب تقديري فإن الاعتذار كان في بعض صوره يمثل إصرارا على موقفه وإساءته كما في تصريحه الأول عن انحرافهم، أو أنه لم يكن بذلك الوضوح المطلوب وليس فيه اعتراف بالخطأ كما في الاعتذار عن التصريح الثاني المتعلق بالذنوب.
فهل يشفع للشيخ دعاؤه لأهل غزة بعد أن طعنهم في الظهر؟.

لماذا مخاطبة الشيخ عثمان بهذا الوضوح وهذه الصراحة؟
لأنه داعية مسموع الكلام وقدوة في الدعوة وكلامه له وزن عند جمهور عريض فخطؤه ليس كخطإ غيره، ولا يعني هذا نزع الاحترام عن الشيخ أو التنقيص من مكانته.
وإن كان يحق لي أن أنصح الشيخ عثمان فأنصحه بالتفرغ لدروسه ومواعظه المفيدة مع الابتعاد عن تفريق الأمة بحجة تبيين "العقيدة الصحيحة"، خاصة أن العقيدة التي يتحدث عنها إنما هي فهم فرقة أو طائفة محدودة من العلماء لا تلزم غيرهم وليست هي عقيدة المسلمين المجمع عليها.
وأنصحه تحديدا بأن يترك عنه أهل غزة إلا ما كان من كلمة طيبة أو دعم أو مؤازرة حسب الاستطاعة، أما العقيدة فإن كثيرا من المسلمين يمارسونها بالأقوال بعيدا عن الابتلاءات، أما أهل غزة فهم أساتذة العقيدة، بالفعل قبل القول، بعدما نجحوا وشهدت لهم الدنيا بذلك وهم في هذا الحجم الكبير من الأهوال والابتلاءات التي تهد الجبال.
ألم تشاهد في الصور التي تبثها القنوات النساء الصابرات والرجال الصابرين وقد فقدوا كل أفراد عوائلهم أو بعضها مع ممتلكاتهم وأظهروا من قوة الإيمان والثبات وعدم السخط ما يعجز عنه غيرهم؟ 
ورد في الحديث كما يعرف الشيخ عثمان:
(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت).
توجد الآن بشائر بقرب انتهاء حرب الإبادة في غزة وقد سجل التاريخ كل موقف نصرة أو خذلانا.. فمن أحسن فلنفسه ومن أساء فعليها.

أحد, 05/10/2025 - 15:23