
يوجد تشابه كبير بين الحروب التي شنت على أهل الأندلس وأدت إلى طردهم وتهجيرهم وبين حروب الإبادة التي يتعرض لها أهل غزة وأدت إلى تدمير كل مظاهر الحياة في القطاع.
بدأ سقوط الأندلس في القرن الثالث عشر الميلادي واستمر انحسار المسلمين وتراجع قوتهم حتى تغلب عليهم الإسبان بسقوط غرناطة سنة 1492م.
والحرب على غرناطة هي سلسلة من الحملاتِ العسكريةِ بين عامي 1482 و1492 أثناء عهد الملوك الكاثوليكيين ملكة قشتالة وفرديناند الثاني ملك أراغون ضد إمارة غرناطة.
انتهت الحملة بهزيمةِ غرناطة وإلحاقها بمملكة قشتالة، وبذلك انتهى الحكم الإسلامي للأندلس اي شبه الجزيرة الايبيريهِ وبسقوط غرناطة انتهت حروب الاسترداد كما يسميها الإسبان.
كانت محاكم التفتيش وسيلة ملوك إسبانيا الصليبيين لتطهير إسبانيا من المسلمين، خلافا لما تضمنته المعاهدة الموقعة بين الطرفين عندما سقطت غرناطة – حيث نصت المعاهدة بين أبي عبد الله الصغير والملوك الكاثوليك وضمنها البابا وأقسم عليها على: «تأمين الصغير والكبير في النفس والأهل والمال وإبقاء الناس في أماكنهم ودورهم ورباعهم وإقامة شريعتهم على ما كانت ولا يحكم على أحد منهم إلا بشريعتهم وأن تبقى المساجد كما كانت والأوقاف كما كذلك وألا يدخل نصراني دار المسلم ولا يغصبوا أحدا....و ألا يؤخذ أحد بذنب غيره وألا يكره من أسلم على الرجوع للنصارى ودينهم ولا ينظر نصراني إلى دور المسلمين ولا يدخل مسجدا من مساجدهم ويسير المسلم في بلاد النصارى آمنا في نفسه وماله... ولا يمنع مؤذن ولا مصلي ولا صائم ولا غيره في أمور دينه». تم نقضت المعاهدة كليا. وتم حظر اللغة العربية واجبر المسلمون على التنصر لكنه كان في معظمه بالاسم فقط: إذ كان المسلمون يمارسون الطقوس الدينية المسيحية، إلا أنهم استمروا في تطبيق الدين الإسلامي سرا. وكانت هناك محظورات كثيرة منها: حظر الختان، وحظر الوقوف تجاه القبلة، وحظر ارتداء الملابس العربية. وإذا وجد الإسبان رجلا لابسا للزينة يوم العيد عرفوا أنه مسلم فيصدر في حقه الإعدام. وكذلك لو وجدوا في بيته مصحفا، أو امتنع عن الطعام في رمضان، أو امتنع عن شرب الخمر وأكل الخنزير. وكانوا يكشفون عورة من يشكون أنه مسلم، فإذا وجدوه مختونا أو كان أحد عائلته كذلك فليعلم أنه الموت ونهايته هو وأسرته.
وإجمالا خيرت محاكم التفتيش المسلمين في الأندلس أو الموريسكيين كما كانوا يسمونهم بين 3 خيارات: التنصر أو التهجير أو القتل.
وفعلا خرج كثير من المسلمين من الأندلس إلى شمال إفريقيا فاستقروا في دول المغرب العربي وذهب بعضهم إلى البوسنة وذهبت جماعات منهم إلى أمريكا اللاتنية.
وعندما استنجد أهل الأندلس بالمسلمين ارسلت لهم الدولة العثمانية بعض السفن لإجلائهم وتذكر بعض الروايات أن الذين استفادوا من هذه الفزعة كانوا أساسا أصحاب الأموال.
أوجه الشبه والفروق بين الحرب أهل غزة والحرب على أهل الأندلس.
أوجه الشبه
عانى أهل غزة معاناة ربما أشد من معاناة أهل الأندلس وإن كانوا جميعهم تعرضوا لظروف متشابهة.
فغزة تعرضت لحصار خانق مثل غرناطة تماما .
وتعرض المسلمون في الأندلس لحرب إبادة كما تعرض لذلك أهل غزة.
وتعرض أهل الأندلس للتهجير كما تعرض أهل غزة ويتعرضون لذلك.
خذل أهل الأندلس فلم يأتهم العون من المسلمين وهذا أيضا هو حال أهل غزة اليوم.
الحرب في الأندلس كانت بين الأروبيين والمسلمين وهذا هو الحال كذلك بالنسبة لغزة فالصهاينة جاء معظمهم من اوروبا وبريطانيا هي التي منحتهم أرض فلسطين بناء على وعد بلفور والدول الأوروبية هي التي رعتهم وامدتهم بالسلاح وجميع أشكال الدعم أما الرعاية الأساسية فقد تولتها الولايات المتحدة التي اسسها المهاجرون الأروبيون بعد أن أبادوا السكان الأصليين في أمريكا الشمالية. كما قدمت الدول الأوروبية كل الدعم لدولة الاحتلال في حرب الإبادة الحالية.
البعد الديني
كان هدف الإسبان من حملتهم على العرب والمسلمين في الأندلس هو التهجير واستئصال الإسلام من الأندلس فكانت الحرب حربا دينية واضحة. وكذلك الحال بالنسبة لغزة فحرب الصهاينة عليها كانت ذات أبعاد دينية معتمدين على أساطير توراتية مزعومة يدعون أنها تمنحهم حق احتلال غزة وطرد سكانها أو قتلهم وإن كان الفرق بينهم مع الإسبان أنهم لا يريدون تهويد أهل غزةمن منطلقات عنصرية استعلائية.
الخروج لمن يدفع أكثر
كما ذكرنا فإن بعض الروايات تقول إن السفن العثمانية التي جاءت لإجلاء أهل الأندلس كانت تجلي من لديه قدرة وكذلك الحال بالنسبة لأهل غزة فتكلفة الخروج قدرت ب 5 آلاف دولار للفرد.
نقض العهود والاتفاقيات
غدر الإسبان بالمسلمين بعد توقيع الاتفاقية المشهورة بعد سقوط غرناطة فقتلوهم ونصروهم ومنعوهم من ممارسة شعائرهم الدينية وكذلك الحال في غزة فقد خرق مجرم الحرب نتنياهو كل الاتفاقيات والهدن وواصل حرب الإبادة على الأطفال والنساء والعزل.
ومن أوجه الفروق
أن أهل غزة تعرضوا لحرب شاملة شاركت فيها الولايات المتحدة ومعظم دول الاتحاد الأروبي ودول أخرى.
أهل الأندلس منحوا 3 خيارات كما ذكرنا وأعطيت لهم الفرصة للاختيار، أما أهل غزة فلم يمنحوا فرصة للاختيار إنما قررت دولة الاحتلال تهجيرهم بالقوة أو قتلهم أو سجنهم ولا مجال للمناقشة.
الموقع الجغرافي
أهل الأندلس كانوا جغرافيا خارج المساحة الجغرافية العربية الإسلامية بينما تقع غزة في قلب العالم الإسلامي.
البلاد المجاورة لأهل الأندلس(بلاد المغرب العربي) لم تمنعهم من دخولها لينجو بأنفسهم بينما أهل غزة في حصار من دولة الاحتلال ولا يستطيعون الخروج إلى أقرب دولة تحدهم جغرافيا.
ولعل من أهم أوجه الفروق بين الحالتين أن الحرب على الأندلس كانت في عصور لا توجد فيها وسائل الاتصال ولا وسائل النقل الحديثة أما في غزة فالحرب تنقل على الهواء بالصوت والصورة ومشاهدها يتابعها العالم بكل تفاصيلها.
نوعية الأسلحة
تعرض أهل غزة لحرب إبادة بأكثر الأسلحة تطورا من أحدث ما أنتجته المصانع الأمريكية والغربية عموما بينما لم تكن الأسلحة بذلك التطور إبان سقوط الأندلس.. وإن كانت الدماء سالت بغزارة هنا وهناك.
لكن الغريب ان إسبانيا التي قتلت ونصرت وهجرت المسلمين من الأندلس تقف اليوم موقفا مشرفا مساندا لأهل غزة ومعارضا لعدوان دولة الاحتلال على غزة وقد أعلن رئيس وزراء إسبانيا، شانسيز ، عن سلسلة إجراءات ضد الكيان المحتل من ضمنها حظر الصفقات العسكرية ومنع سفن الاحتلال من استخدام الموانئ الإسبانية.
وعبر سانشيز عن موقف قوي عندما قال إن بلاده "لا تملك قنابل ذرية أو حاملات طائرات أو موارد نفطية ضخمة"، وبالتالي "لا تستطيع وحدها وقف الهجوم الإسرائيلي".
موقف مصر من التهجير
أكدت مصر في أكثر من مناسبة معارضتها لتهجير أهل غزة.
فقد اعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي رفض مصر تهجير الشعب الفلسطيني، مشددا على أن «تهجير وترحيل الشعب الفلسطيني ظلم لا يمكن أن نشارك فيه».
وأضاف: «الشعب المصري بأكمله على الاستعداد للخروج إلى الشارع رفضا لتهجير الفلسطينيين».
وتابع: «من المهم للجميع أن يعرف أن هناك في المنطقة أمة لها موقف بشأن تهجير الفلسطينيين. وتهجير الفلسطينيين في الماضي لن يتكرر مرة أخرى».
جاء ذلك في كلمته أمام القمة العربية الطارئة التي عقدت في القاهرة خلال مطلع العام الحالي لبحث تطورات القضية الفلسطينية وخاصة في قطاع غزة.
ومع هذا الموقف المصري الرسمي الواضح في رفض التهجير فإن بعض المحللين المصريين الذين لا ينتمون للمعارضة بل إنهم من أشد المدافعين عن النظام يقدمون الصورة بطريقة أخرى وفي مقدمتهم إبراهيم عيسى وسمير غطاس حيث تحدثوا عن استحالة خروج أهل غزة إلى مصر بسبب حجم ونوع الحواجز على الحدود
ويشرح إبراهيم عيسى وغطاس الأمر في بعض الأحاديث التلفزيونية على النحو التالي:
"لن يقتحموا (اهل غزة) معبر رفح 1000% بل مليون في المائة يستحيل على الفلسطينيين الخروج ليه؟ احنا حدودنا مع رفح 14 كيلو مصر اتخذت الاجراءات التاليه احكي لك ال 14 كيلو فيهم ايه وقول لي مين الجن اللي ممكن يعبرها مصر عامله صور حديدي فلاذي سور حديدي فلاذي طوله حوالي من سبعه الى 8 متر غير العمق اللي جوه الارض بعديه في منطقه تسع لمرور مراكب بتمر فيها دوريات عشان تراقب ودوريات تفتيش بعديه ديها جدار اسمنتي فولازي بارتفاع خمس امتار بارتفاع من 4 الى 5 متر
مش هقول لك السمك يعني عشان ما تتخضش بعديها تلال وكثبان عاليه ومرتفعه فيها 27 برج مدرع وفيها 124 كاميرا وسبعه رادارات بعديها بعد كده في اقماع من الجرانيت اللي وزنه طن مع اسلاك شائكه بعديها هيلاقوا ايه بعدها هيلاقوا مانع ماي بعديه منطقه حفرة فيها ميه بحيرات ممتده على ال 14 كيلو عمقها 20 مترا بعديها قوات مصريه من الشرطه او من الأمن المركزي اسمها السهم الأسود يعني غريب لن يقتحم فلسطيني واحد ولن يقدر على دخول الحدود المصريه مع رفح".
أهمية موقف مصر
موقف مصر غاية في الأهمية بالنسبة لحماية ومساعدة أهل غزة باعتبار مصر إحدى أكبر الدول العربية ولأنها جغرافيا هي الأقرب إلى غزة.
لكن السؤال المشروع الذي يحتاج إلى إجابة شرعية وقانونية وإنسانية واخلاقية هو هل يجوز منع الغزيين من الخروج إلى مصر اذا لم يكن أمامهم سوى القتل بالقنابل او الصواريخ ومختلف انواع الأسلحة الأخرى مع استحاله الحياة في القطاع الذي دمره الاحتلال تماما؟
إبراهيم عيسى وعداوته لأهل غزة
روجت صفحة إسرائيل بالعربية لبعض تصريحات إبراهيم عيسى
حيث أعادت نشر حديث قديم له، كان قد صرّح خلاله عبر برنامجه "حديث القاهرة" المذاع على قناة القاهرة والناس، بأن "الحدود المصرية الإسرائيلية تمتد لـ246 كيلومترًا، بينما لا تتجاوز حدود مصر مع غزة 14 كيلومترًا، ومع ذلك فإن كل الأذى أتى من غزة، فهي الخطر الحقيقي، بينما إسرائيل لم تمس حبة رمل من سيناء ولم تتعد شبرا من الحدود".
وزعم إبراهيم عيسى في التصريحات نفسها أن حماس قتلت جنودًا مصريين في سيناء، وشاركت في عمليات مع تنظيم داعش ضد الجيش المصري.
لكن بعض الكتاب المصريين ردوا على إبراهيم عيسى وفندوا كلامه،
مؤكدين انه منذ فرض الحصار الإسرائيلي المصري على قطاع غزة عام 2007، عقب سيطرة حركة حماس على القطاع، خضعت غزة لإغلاق شبه كامل من المعابر المصرية والإسرائيلية، ولم يُسجل أي هجوم عسكري مباشر من غزة على مصر.
وإبراهيم عيسى ليس هو الوحيد الخارج على الموقف الرسمي المصري احرى الموقف الشعبي فيوجد من يماثله في معاداة أهل غزة مثل سمير غطاس واسامة الدليل..
فهؤلاء لا يمثلون حسب رأيي موقف شعب مصر العظيم الذي لا يتنكر لقيم الدين والجيرة والإنسانية ولا يتخلى عن إغاثة اهله الغزيين في محنتهم العصيبة ولا ينسى أن عدوه الرئيس هو دولة الاحتلال مهما وقع معها من اتفاقيات.
وقد كان موقف الرئيس السيسي واضحا عندما وصف إسرائيل بالعدو خلال كلمته في قمة الدوحة الأخيرة ولم يوبخ المقاومة كما يفعل بعض الكتاب والإعلاميين المصريين، فقد ذكر
أن «ما حدث في 7 أكتوبر كان نتيجة سنين طويلة لم يتم الوصول فيها إلى حل للقضية الفلسطينية».
كما حذرت مصر في بيان صادر عن خارجيتها بتاريخ 16 سبتمبر الجاري، من أن المنطقة باتت على "أعتاب مرحلة جديدة من الفوضى الشاملة" جراء "التهور الإسرائيلي والتمادي في الغطرسة".
ومع ما تعرض له أهلنا في غزة من محنة وابتلاء ومن ضمنه الخذلان فإن الجهود الدبلوماسية التي قادتها المملكة العربية السعودية اثمرت واقعا جديدا تمثل باعتراف عدد من الدول خاصة الغربية بدولة فلسطين وذلك ما سيكون موضوع مقال خلال الأيام المقبلة بإذن الله.
سقطت الأندلس وخذل أهلها وإن كانت الجغرافيا وصعوبة التواصل قد تمثل عذرا لبقية المسلمين أما غزة فقد سقطت وهي تتعرض لحرب إبادة تابعها ويتابعها الجميع.
تبخرت أجساد الأطفال بفعل الأسلحة الفتاكة وتناثرت الأشلاء وسألت انهار من الدماء وماتت العوائل تحت الانقاض ودمرت غزة باكملها تقريبا ومات الأطفال والكبار جوعا بعد ان اصبحوا هياكل عظمية واصبحت اشلاء الشهداء طعاما للحيوانات والعالم يتابع ويشاهد فهل من عذر ؟
الدكتور الهادي بن محمد المختار النحوي



.jpeg)

.jpeg)