موريتانيا في خضم الطرح "الحرطاني البيظاني"..

موريتانيا أمانة في أعناق الجميع، ويتأكد دور "المثقفين" عن غيرهم، لأن السياسي بطبعه، يشبه التاجر في تصرفاته وسلوكه، كما يشبه رائد الأعمال في منهجه التسويقي، وهذا ليس بدعا في بلادنا، بقدر ما هو منهج درجت عليه النخب السياسية العالمية، منذ طغيان الطرح "الميكيافيلي"، على حساب المبادئ والقيم الوطنية، التي تبنتها قوى سياسية رغم اختلافها في التفكير والمنهج، -مع بداية سبعينيات القرن الماضي -، في طرحها للتصدي للأنظمة الديكتاتورية، الفاسدة، لكن متطلبات عصرنا فرضت أسلوبا آخر ومنهجا جديدا في الطرح والتفكير، والتعاطي، مع جيل يحترف التلقين، بدل التعليم، وهذا وضع عراقيل جديدة تفرض آليات مبتكرة في التعاطي معها..

والحقيقة أن المسكونين بالهم العام في موريتانيا، لا يؤرقهم شيء في هذه البيئة الجرداء..، أكثر من ملف الوحدة الوطنية، فهذا الملف يتم العبث فيه بشكل صارخ جدا، وإن كان الرئيس شخصيا عبر بصوت عال أكثر تقدمية من كثير من الخطابات السياسية في هذا الجانب في خطاب وادان، فإن دوائر النفوذ داخل مراكز صنع القرار ظلت عقبة كأداء في وجه تطبيق مضمون الخطاب على أرض الواقع، ثم إن طرح بعض "النخبة" يشبه صب الزيت على النار، كما يمكن وصف بعضه بالمتعثر ذهنيا عن مجاراة الواقع، فمن يعتقد أن لحراطين اليوم جزء من البيظان، هو إنسان خارج الزمن، تماما من يعتقد أن البيظان اعتبروا واقعيا لحراطين جزءا منهم على مر التاريخ، وهنا لا أتحدث عن البعد النظري، ولا عن مستوى المعاملات والتداخل بين المكونتين، بقدر ما أتحدث عن عقليات متجذرة في الأنفس، رغم عمق الروابط تاريخيا، لكن هذه الروابط اليوم تشهد تصدعا عميقا يرقى إلى حد تهديد كيان الدولة، لأن الأرضية باتت مهيئة بشكل مخيف ومشابه لمراحل عاشتها دول مماثلة، مباشرة قبل حصول مواجهات دامية بين مواطنيها، هذه الأرضية عادة يعدها السياسيون ويستثمرون فيها، ثم يطلق العسكريون الرصاصة الأولى بتحريض أيضا من السياسيين، ليرحل بعد ذلك "القادة" بأسرهم إلى الفنادق الفاخرة، في العواصم الغربية، أو الدول المجاورة، ويصبحوا متحدثين رسميين عبر القنوات والمنابر الدولية، باسم الشعب، الذي تركوه أشلاء ممزقة، والضحية دائما تلك الغالبية المحرومة من الشعوب..

أعي جيدا أن الملف تم العبث به في مرحلة من المراحل بشكل رسمي، لكن التعاطي معه اليوم يجب أن يكون مختلفا، وينطلق من مبدأ العدالة والخروج على النمط التقليدي، فليس مهما أن يوجد بديل لفلان أو علان ليكون عنوانا لمرحلة جديدة من النفخ في كير جسم الوطن المنهك، بقدر ما يجب التفكير بخلق نمط جديد من التعاطي يقوم على العدالة والإنصاف، وإظهار أن الدولة وريعها للجميع ومن حق الجميع، فمن يقول إن "لحراطين بيظان" عليه أن يثبت ذلك فعلا لا قولا، ومن يستنكر العقليات البائدة عليه أن يدفع بحرطاني لقيادة موريتانيا، فإن فشل فهو على منهج أسلافه من البيظان، وإن نجح فتلك نعمة يبحث عنها الوطن والمواطن، وطرحي هنا ليس شرائحيا بقدر ما هو إحقاق لمبدأ العدالة بين أبناء الشعب الواحد، ورفضا لعرف احتكار المناصب، وإن كان ذلك لا يقود للإصلاح في ظل منظومة فاسدة، إلا أنه مساعد على طمأنة الأنفس، وباعث على الشعور بالانتماء للوطن الواحد، وإن كان المبدأ أعرج، فالدول لا تبنيها إلا العقول المختلفة، التي لا ترى انتماء أسمى من الوطنية.

أدرك جيدا أن القبيلية عائق كبير أمام مبدأ المواطنة وهي أكثر تلونا في طرحها، وانسجاما مع أبنائها، حيث باتت بعض المجتمعات التقليدية، تلعب على مختلف الملفات و التناقضات الإثنية، فهي مستعدة لتسليم زمامها لابنها الحرطاني عندما يجد فرصة في صدارة المشهد التنفيذي، سواء السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي، لذلك تخطط بعض القبائل بإحكام للعب أبناىها من لحراطين، أدوارا قيادية في الحراك الحرطاني، تماما كتخطيطها للدفع بأبناىها إلى الواجهة التنفيذية والعسكرية، وفي ظل هذا المنهج يدرك المراقب أن أي حرطاني في ظل هذه المنظومة يتسلم الحكم في موريتانيا سيكون ابن أسرته، وقبيلته، وأصهاره، وولايته، قبل لحراطين، وباقي موريتانيا، كما هو حال غالبية رؤساء البلاد من البيظان، وتلك معضلة أخرى تبرر ترويج طرح مبدأ خلق آلية لتبادل المناصب بين مكونات أبناء القبائل، في انتظار إيجاد أرضية لإيصال من هو أكثر مقدرة على بناء دولة المواطنة، سواء كان بولاريا، أو سونوكيا، أو أمازيغيا، أو ولفيا، أو حرطانيا، أو صانعا، أو أزناكيا، أو عربيا أو زاويا..

أحمد سالم سيدي عبد الله

أربعاء, 03/09/2025 - 20:57