
في سنة 1982 وبمناسبة مرور عام على تولي حسني مبارك
رئاسة مصر كتب الكاتب المصري المعروف الأستاذ محمد حسنين هيكل ست رسائل مفتوحة الى حسني مبارك ، و علمت الرئاسة المصرية آنذاك بأمر هذه الرسائل قبل نشرها، فتقدمت الى الكاتب الذائع الصيت بطلب تأجيل نشرها فوافق دعما لنظام ناشيء وحذر بعد فترة غليان حسمت بزخات الرصاص، و هكذا تم تأجيل نشر هذه الرسائل سنوات طويلة لتظهر بعد ذلك في الفصول الأولى من كتاب أصدره سنة 2012 تحت عنوان "مبارك وزمانه" وهو كتاب يرسم صورة لما جرى في مصر في الفترة الممتدة من حادثة المنصة حين قتل السادات الى أحداث الميدان، حين أجبر مبارك على التنحي.
المقطع التالي من احدى هذه الرسائل يقدم شهادة تاريخية من شاهد على عصور مختلفة حيث يوثق هنا شهادته حول حقبة التعاون العسكري بين مصر والاتحاد السوفياتي قبل حرب اكتوبر ، وهي شهادة تزداد أهميتها وقيمتها اليوم في سياق أحاديث الريبة والتوجس من طموحات روسيا المتزايدة وسعيها لتعزيز نفوذها من جديد وبشكل خاص في افريقيا ..
"..ولم تكن مصر مستعمرة سوفيتية يا سيادة الرئيس كما يزعم بعض ذوي الهوى، كان في يد مصر سلاح سوفيتي هي التي ارادته وسعت اليه، وكان عندها خبراء من الاتحاد السوفيتي هي التي وظفتهم لخدمة معركتها مع اسرائيل، وهؤلاء الخبراء السوفيت لم يتدخلوا في غير نطاق عملهم وهذه شهاده لله وحده ؛ وربما تجاوز واحد منهم او تجاوز اثنان لكن مصر كانت دائما في وضع يسمح لها بان تقول لمن تشاء منهم اذهب ! ثم لا يكون امامه الا الذهاب ، ولقد استاذنكم يا سيادة الرئيس في تذكير هؤلاء الذين يتحدثون عن مصر المستعمرة السوفيتيه بان الزياده الكبيره التي طرات على اعداد الخبراء السوفيت بعد يناير 1970 كانت بطلب منا فقد حملناهم مسؤولية الدفاع عن العمق المصري في وقت كانت قوات الدفاع الجوي المصري تركز جهدها بالكامل على حماية الجبهة العسكرية، وكان ذلك ترتيبا مؤقتا لاجتياز عنق الزجاجه ففي ذلك الوقت وانتم خير من يعرف، كانت لدينا اعداد هائلة من الشباب يتدربون في الاتحاد السوفيتي على انواع جديدة من الطائرات والصواريخ المتطورة، وحتى يعود هؤلاء ويتحملوا مسؤولياتهم في عمق الوطن فقد قبل السوفيت ان يتولوا مهمة حماية العمق فترة عنق الزجاجه، أوليس محزنا ان نشهر بهم لهذا الذي فعلوه معنا في لحظة حرجة كانت اسرائيل فيها وبالطائرة الفانتوم تنفذ في اجوائنا لكي تضرب المرافق الحيوية والبيوت والنساء والاطفال ! لقد كنت هناك بنفسي يا سيادة الرئيس واحدا من الذين حضروا مع جمال عبد الناصر اجتماعات موسكو السريه في يناير 1970 ولقد رايت وسمعت كيف كان تردد القادة السوفيت ازاء احتمالات تواجد عسكري لهم في مصر، كانوا يرون هذه الخطوة خطرا على موازين القوى العالمية وقد جازفوا وقبلوا تحت الحاحنا وان اشترطوا يا سياده الرئيس، هم الذين اشترطوا ان يخرج خبرائهم من مصر قبل المعارك حتى لا تكون هناك ذرائع للقوة الاعظم الثانية لتتدخل مع اسرائيل.. يومها يا سياده الرئيس، وهناك شهود احياء على الواقعة، اتذكر ان الزعيم السوفيتي السابق ليونيد برجينيف ترك مقعده على رئاسة الوفد السوفيتي وجاء وراء مقعدي وكنت منهمكا في متابعة ما أراه امامي واحسست بمن يربت على كتفي والتفتت واذا به بريجينيف وهممت بالقيام بسرعة فضغط على كتفي يبقيني على مقعدي ويقول لي اننا اتخذنا اليوم قرارا خطيرا لم يسبق لنا اتخاذ مثله على الاطلاق، لكن أزمة الشرق الاوسط وامن مصر وسلامه شعبها تعنينا وهناك قضية سوف اعتبرك مسؤولا عنها وهي قضية مواجهة الحملة الخارجيه في حالة ما اذا تسرب سر القرار الذي اتخذناه اليوم، انت تعرف صحافة الغرب وهم كثيرا ما ينقلون عنك ما تكتب.
إلى هذا الحد يا سيادة الرئيس كان تخوفهم مما دعوناهم اليه وهم بالطبيعة ابعد الناس عن المغامرة بل لعل اكبر عيوبهم ان حبالهم طويلة وانهم على استعداد للانتظار حتى تنضج عوامل صنع التغيير التاريخي وفق عقائدهم. اقول هذا يا سياده الرئيس للانصاف واقوله ايضا عارفا ان الشعب مصر كريم الاخلاق ووفي وليس ذنبه ان البعض حاولوا التعبير عنه باسلوب لم يكن هناك ما يدعو اليه، أوليس غريبا يا سياده الرئيس ما راينا حين اقلعت طائرتنا الى الحرب في اكتوبر ومعنا الاتحاد السوفيتي وعادت طائرتنا بعد الحرب واذا معنا الولايات المتحده الامريكية ! اي انه سلاح سوفيتي لحماية العرب وبعده حل امريكي لحماية اسرائيل، اقول ذلك يا سيادة الرئيس وانا لست شيوعيا بالطبع وبالقطع، ولكني اقوله كمواطن مصري وكقومي عربي، ذلك أنه من قبيل المصائب ألا نعرف كيف نفرق بين من ساعدنا وبين من ساعد عدونا، ثم انه من قبيل المصائب ايضا ان نجد بيننا من يرددون، منافسه للببغاوات، ما كان يقوله اعداؤنا عنا ضمن حربهم النفسيه ضدنا، استعمار سوفيتي ! اي استعمار ذلك الذي ينتهي باستدعاء سفير كما فعل الرئيس السادات يوم الثامن من يوليو 1972 مع السفير السوفيتي فلاديمير فينوجرادوب ، ليقول له اسحبوا جميع خبرائكم من عندي في ظرف 10 ايام ، ويعود السفير في اليوم التالي برد من حكومته مؤداه ان سحب الخبراء سوف يتم في اسبوع واحد لا اكثر، ثم يحدث ذلك فعلا، اي نوع من الاستعمار هذا يا سياده الرئيس؟ "
مبارك وزمانه (الفصل الخامس



.jpeg)

.jpeg)