نيران الحرب الروسية–الأوكرانية تمتد إلى موريتانيا

أصدر مركز أودغست للدراسات الإقليمية يوم 25  أغسطس 2025 ورقة تحليلية بعنوان "نيران الحرب الروسية–الأوكرانية تمتد إلى موريتانيا"، تناولت الاتهامات المتداولة بشأن مرور أسلحة أوكرانية عبر الأراضي الموريتانية إلى مالي، وأعادت تركيب المشهد من زاويتي السردية والدليل. وقد وضعت الورقة هذه المزاعم في سياق أوسع يتقاطع فيه التنافس الروسي–الأوكراني على النفوذ في إفريقيا مع هشاشة الفضاء الساحلي، حيث تتحول الحدود المفتوحة إلى مادة سهلة للتسييس والاتهام، وتصبح الحرب الإدراكية امتدادا طبيعيا لحروب الميدان.
بينت الورقة أن أصل الرواية يعود إلى تصريحات نشرت عبر وكالات إعلام روسية رسمية وشبه رسمية، نسبت إلى شخصية أمنية روسية القول بأن أوكرانيا تستخدم سفاراتها في إفريقيا، ومنها نواكشوط، لتمرير أسلحة ومقاتلين إلى مالي عبر "مقاطع حدود ضعيفة الحراسة". وسرعان ما أعادت منصات ثانوية وصفحات رقمية تضخيم الخبر ليأخذ صبغة "الواقعة المؤكدة"، رغم غياب أي دليل مادي أو ضبطية حدودية تثبت المسار المزعوم. في المقابل، لم تتأخر موريتانيا طويلا في إصدار بيان نفي قاطع، اعتبرت فيه هذه المزاعم غير مؤسسة، وأكدت التزام البلاد بسياسة واضحة تمنع استخدام أراضيها للإضرار بجيرانها أو لزعزعة الاستقرار الإقليمي.
ونبهت الورقة إلى أن هذه الاتهامات لا تمكن قراءتها بمعزل عن حرب السرديات التي ترافق المواجهة الروسية-الأوكرانية في إفريقيا؛ حيث تسعى موسكو، عبر حضورها الأمني المتنامي في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، إلى تقويض صورة أوكرانيا كفاعل ناشئ في القارة، فيما تحاول كييف فتح قنوات دبلوماسية وإنسانية جديدة، كان أبرزها افتتاح سفارتها في نواكشوط وتقديم مساعدات غذائية للاجئين الماليين. ضمن هذا السياق يصبح إدراج موريتانيا في الخطاب الروسي جزء من معركة الرموز والمعاني، أكثر منه إشارة إلى مسارات تهريب مؤكدة، ذلك أن الاتهام، حتى وإن لم يسنده دليل، يكفي لإثارة الشكوك وزعزعة الثقة وخلق بيئة رمزية تربك حسابات الشركاء المحليين والدوليين.
وخلصت الورقة إلى أن غياب الأدلة الملموسة -  من مصادرات أو سجلات عبور أو صور يمكن التحقق منها - يجعل من الصعب التعامل مع هذه المزاعم كوقائع مثبتة ويضعها في خانة الدعاية أكثر من خانة المعلومات الدقيقة. ومع ذلك، شددت الورقة على أن الأثر لا يتوقف عند حدود صحة الادعاء من عدمه، لكونه يتجاوز ذلك إلى الانعكاس سلبا على صورة البلاد لدى بعض الشركاء وتعريض حدودها لاتهامات متكررة في ظل هشاشة جغرافية الساحل وإلى توظيف هذه الروايات في الداخل لإثارة الشكوك أو تغذية الاستقطاب السياسي.
وأوصت الورقة بضرورة اعتماد استراتيجية استجابة متعددة المستويات تبدأ بتثبيت خطاب رسمي هادئ وحازم يؤكد النفي ويدعو إلى تقديم أدلة قابلة للتحقق، مرورا بخطوات ملموسة على الأرض مثل تعزيز المراقبة الحدودية ونشر بيانات دورية عن المضبوطات، وصولا إلى بناء سردية اتصالية رصينة توحد الرسائل وتضبط توقيت الردود، مع إشراك محسوب للإعلام في إظهار شفافية الدولة. 
وفي الختام، تلاحظ الورقة أن ملابسات هذه القضية قد كشفت أن موريتانيا، حتى وهي بعيدة عن جبهات الحرب الروسية-الأوكرانية، ليست بمنأى عن ارتداداتها الرمزية والإعلامية؛ ذلك أن حروب اليوم لم تعد تنحصر في الميدان العسكري، بعد أن أصبحت تدار أيضا عبر الاتهام والتشكيك وصناعة الروايات. وما دامت المزاعم غير مثبتة، فإن التحدي الحقيقي أمام موريتانيا لا يكمن في نفيها فحسب وإنما أيضا - وهذا هو الأهم - في تحويل هذا النفي إلى ممارسة سياسية شفافة تعزز الثقة داخليا وخارجيا. وبذلك، يصبح التعامل مع "اتهامات بلا دليل" فرصة لإظهار صلابة المؤسسات، وإعادة تأكيد أن موريتانيا قادرة على حماية صورتها وحدودها، وأنها مصممة على أن تبقى طرفا فاعلا ومسؤولا وليست فضاء مفتوحا لتصفية الحسابات الدولية.

اثنين, 25/08/2025 - 17:49