عن أية سياحة نتحدث وخصوصياتنا تندثر؟ 

الإرادة السياسية في بلادنا واضحة هذه الأيام لتعزيز السياحة في الداخل وهو شيء مهم؛ وقد امتثل لها الوزير والغفير؛ منهم من فعلها ابتغاء مرضاة الرئيس وهم كثر؛ ومنهم من فعلها ابتغاء مرضاة الجيب وهم الأكثر؛ لكنها إرادة كشفت عن نقص حاد في إرادات أخرى.
  حيث تجري فينا سياحة بدون منشآت سياحية أصلا؛ فلا القطاع العام يهتم بالفندقة وإطعام الناس وطرق آمنة لتنقلهم؛ ولا القطاع الخاص يريد أن يستثمر فيها خارج انواكشوط وانواذيبو وآدرار.
 بنظرة سريعة يمكن أن نعرف أن الحظائر الوطنية (ادياولينغ وآرگين بالنسبة للشاطئ الأطلسي؛ وآوليگات بالنسبة لصحراء الترارزة) لا تملك إعلاما ناجعا ولا إعلانا مجتمعيا مبهرا؛ وليست بها بنى تحتية كافية وأسعارها إن اتضحت ليست في المتناول.
  نحن مجتمع غني بحضارته وتنوعه العرقي والجغرافي وخارطة جماله وجمال أرضه الساحرة؛ لكن سياحتنا مهملة وغير معتنى بها.
  السياحة يصنعها القرار السياسي بالمرشدين والأدلاء والنقل والأمن والصيانة والفندقة والإطعام والتكوين والتثمين والتمويل والتشغيل والتسويق؛ وليست جولات مكلفة مصورة وممولة ومهرجانات للبهجة المتقطعة.
  لدينا مزارات ومنتجعات ومناظر جبلية وصحراوية ساحرة في الصيف والشتاء؛ صورها الفوتوغرافية تجلب البهجة؛ وحين يقرر السائح زيارتها يعوقه كل شيء ليصل إليها (الماء والنقل والمقام والمستقر والأمان) لذلك هي طاردة أكثر مما هي جالبة.
 على الحكومة أن تقرر انتزاع ملف السياحة من القطاع الخاص وتأميمه والاستثمار فيه من ألفه إلى يائه؛ أو تقضي عليه من الأساس. فالسياحة ليست المشاركة في المعارض الدولية؛ ولا تركز منتجات الصانع التقليدي بالداخل لدى حوانيت التجار في انواكشوط.
 أشياؤنا التقليدية الجميلة تتلاشى أمام رياح العولمة العاتية الطاغية؛ آسيا صارت تصنع الخيام والقداح ومواعين الشاي ولم نفلح نحن في صناعة القماش الذي نكتسيه؛ صناعنا التقليديون يموتون دون توريث؛ وفنانونا التقليديون غيروا البوصلة إلى الطب والمحاماة؛ لم يعد لديهم مستقبل ولا حتى من يصنع لهم طبلا ولا أوتارا؛ والمحظرة ستستسلم قريبا بعد انمحاء اللوح والدواة والعريش وتساقط الحفاظ وموت العلماء.
  ليس لدينا موقع سياحي أثري واحد على امتداد التراب الوطني به أجهزة رصد وأمن واستراحة ومرشد؛ العالم من حولنا يصنع من مغارة مهجورة أسطورة ومصدر ثراء لعشرات الأشخاص؛ فالسائح في النهاية شخص غريب مكتشف يبحث عن الذكرى ويجري خلف علامة الاستفهام ولديه مصروف يجب أن يعلم فيم سينفقه وكيف سينفقه.
 متحفنا واحد في انواكشوط ومساجدنا التاريخية ومقابرنا ومزاراتنا وحفرياتنا لا نعلم عنها شيئا ولا يعلم عنها العالم شيئا؛ إلا ما كان من بحوث علمية يتيمة في جامعات العالم. ومعالمنا السياحية ليست فقط المخطوطات وقسمات الوجوه.
  الفنان والصانع التقليدي والشيخ المحظري رموز وحاملات للصورة نحو العالمية؛ لكن للزمان والمكان والإنسان مكونات أخرى ثمينة وتسليط الأضواء عليها؛ هو ربط للأجيال بهوياتهم وتقديم صورتنا البهية للعالم بشكل منافس.
  أرونا وجباتنا ورقصاتنا وأغنياتنا؛ بشكل بهيج ومدروس وغير متكلف؛ حتى نعرف من نحن ويعرف العالم كم نحن نستحق الاستكشاف.
 فلنثمن مالدينا أولا بتحديده وجعله قابلا للاكتشاف حتى نعطي للإرادة السياسية معنى في كل فصول السنة وليس فقط في أغسطس.
 

سبت, 23/08/2025 - 15:33