نواكشوط بين بكارة الصحراء وارتباك الحداثة

لطالما توطّنَت صورة نواكشوط القديمة في مخيلتي، كنسمةٍ طريّةٍ خرجت من شغاف المحيط الأطلسي، لا تحمل صخب المدن ولا تعقيد الحواضر، بل تمتدّ بهدوئها البكر وحبورها البسيط.

وما تزال ذاكرتي مسكونة بمشهد هواء الفجر المنعش وسُحُب البخار الدافئة المتصاعدة من أفواهنا والتي تتراقص في الضوء الأول للصباح، وكأنها أرواح هاربة من دفء الأجساد، أو بقايا أحلام لم تجد سبيلها إلى التبدّد، حيث كانت صباحات نواكشوط الشتوية، الملبّدة بالرطوبة، تصنع لنا نحن الأطفال طقوسًا من البهاء الصامت في طريقنا إلى "المدرسة رقم2" في حيِّنا بمقاطعة "لكصر"، وتمنحنا سكينة وبهاء وعميق المعنى.

حين أسترجع تلك الأيام التسعيناتية، وحالي وأنا طفل من مواليد منتصف الثمانينيات، أرى المدينة كلوحة مشغولة بأنامل فنانٍ -أو هكذا كنت أتخيلها وهكذا ترسخت في وجداني- بردها لا يمرض، ودفؤها لا يرهق، ووجوه الجيران في حينا في "لكصر" تحديدًا، إذ كنت أعتبره صورة نواكشوط الأنقى، فلم تكن نواكشوط في وعيي سوى أرض لكصر وجوارها.

 كانت مدينة نواكشوط في نظري حينها كتاب طمأنينة مشاع، ببيوتها وشوارعها الفسيحة، وصِبية يلعبون الكرة على قارعة الطريق، وأمهات يسكبن الراحة في كاسات الشاي، ويقدّمن الخبز الطازج والجبنة كتعاويذ محبة مسائية، فآنذاك كانت مدينة نواكشوط مثل بيتٍ موريتانيّ تقليديّ: مفتوح الأبواب، رحب الصدر، بسيط الزينة، لكنه مأهول بالمودّة. حتى رمالها كانت نظيفة، ناعمة، تشبه بحرها في الطهر، لا تؤذي قدمًا ولا تُرهق روحًا، فكانت مرتعا للعبنا وضحكنا، والمكان الذي يحتضن تنوعنا.

لكن كما تفعل الرياح حين تثور، اجتاح التغيّر وجه المدينة، تضخمت نواكشوط بسرعة غير محسوبة بل متهورة، كما لو أن شجرة ضخمة نبتت من دون جذور، فمالت على ذاتها.

أصبحت اليوم واسعة، نعم، وكثيفة العمران، لكنها متشظّية، موحشة وشاحبة نافرة من الشجر ومصاحبة للإسمنت بلا حساب، وضُيقت شوارعها، فلم يؤخذ لكصر القديم نموذجا للأحياء التي ظهرت بعده على مر السنين، وصارت مدينة بلا هوية ولا روح، والشوارع التي كانت تعرفني تغيرت ملامحها وفقدت روحها، والحي الذي كان يحفظني صار غريبًا عن نبرة قدمي، فكيف حدث كل ذلك؟

نواكشوط.. العاصمة التي نبتت من الرمل وصمت القوافل

في أحد مقالاته الرصينة، كتب عالم الاجتماع الموريتاني عبد الودود ولد الشيخ عن نواكشوط، تلك المدينة التي خرجت من خاصرة الصحراء، تحت عنوان: "نواكشوط، عاصمة بدوية". 

حيث قسّم ولد الشيخ تاريخ نشأة المدينة الموريتانية –لا بوصفها حضرًا بالمعنى التقليدي، بل كمحطات تجمّع بشري تحمل عبق الرمل وعناد البدو– إلى زمنين متباعدين. الأول منهما يسبق الاستعمار الفرنسي، ويقع بين مطلع القرن الثاني عشر وأواخر القرن التاسع عشر، حيث: "كانت توجد، إضافةً إلى قوى مزارعي نهر السنغال بعض مدن القوافل القديمة مثل ودان، وشنقيط، وتشيت، وولاته التي يمكن أن نحدد ظهورها فيما بين القرنين 12 و15. وهذه القُريّات الصحراوية التي لم يتجاوز سكانها بضع مئات من النسمات أنجبت عن طريق الحروب المدنية فيما بين القرن 18 والسنوات الأولى من القرن 19 تجمعات قروية أخرى (مثل أطار وتجكجة والنعمة)".

وإلى جانب التجمعات السابقة، أشار ولد الشيخ في مقاله المنشور في العدد الثامن من مجلة الثقافة الموريتانية  إلى أنه: "يمكن أن تضاف إلى هذه التجمعات القروية قرى الرشد وقصر البركة التي ظهرت خلال القرن 18  في ولاية تكانت".

أما الزمن الثاني، فهو زمن التجمّعات التي أُنشئت بعد الاستقلال، ومن بينها نواكشوط، التي كانت في بداياتها لا تزيد عن مركز إداري صغير، أسّسه الرائد الفرنسي فرير جان سنة 1903، ليبقى لفترة طويلة مجرد موطن خافت الضوء في خرائط الاستعمار، لا يكاد يُرى أو يُحسب له حساب، حتى قُدّر له أن يتحول عام 1957 إلى عاصمة سياسية لدولة لم تولد بعد، ولكنها كانت على وشك الميلاد.

مرت نواكشوط بمراحل تأسيس معقدة، يكتنفها الغموض بقدر ما يحفها الصراع، فبعد اغتيال كزافييه كبولاني وهو أحد أبرز أسماء الاستعمار، عام 1905، اشتعلت المقاومة الموريتانية، ما أجبر الفرنسيين على التخلي عن قلعتهم في نواكشوط والفرار عام 1908. وفي عام 1929، شُيِّد موقع جديد، وبحلول ثلاثينيات القرن الماضي، تحولت نواكشوط إلى محطة خلفية على الطريق الاستعماري رقم 1 بفضل ظهور النقل البري، مما حفز بناء حي لكصر الأول.

في عام 1950، دمرت فيضانات استثنائية معظم مساكن نواكشوط، مما أدى إلى إعادة بنائها في موقع مرتفع وتصميم مربعات لكصر الأولى بنظام هندسي حديث.

على هذه الرقعة الرملية المتاخمة للمحيط الأطلسي، اختيرت نواكشوط عام 1957 لتكون عاصمة موريتانيا، بعد عقود من إدارة شؤونها من سان لويس السنغالية. تفوقت نواكشوط على منافسيها بموقعها الاستراتيجي، ونُصبت أول خيمة لمجلس الحكومة فيها في 12 يونيو 1957، لتبدأ رحلة دولة حديثة من عمق الصحراء.

 

مسار مغاير أربك الخطط

 

صُممت نواكشوط في البداية لتستوعب خمسة عشر ألف نسمة فقط، بشوارع عريضة وهيكل شبكي في مركزها التجاري. كانت هادئة، وديعة، لا صخب فيها إلا صوت أمواج الأطلسي، لكن هذه الوداعة لم تدم طويلًا، إذ سرعان ما أربكها الجفاف، ففي سبعينيات القرن الماضي، ضرب الجفاف القاسي والقحط الماحق منطقة الساحل، فدفع بآلاف المُنَمّين في الريف الموريتاني والمزارعين إلى النزوح نحو العاصمة، بحثًا عن ملاذٍ وحياةٍ أفضل. وتحولت نواكشوط من مدينةٍ مخططةٍ لهدوءٍ مدروس إلى قبلةٍ لموجاتٍ بشريةٍ هائلة، ولم يصاحب هذا الزحف تطوير في قدرات المدينة، من ناحية البنى التحتية ولا الخدمية.

تنامت الكتلة السكانية للمدينة على نحو مذهل، فمن قرابة 150 ألف نسمة فقط في عام 1980، قفز الرقم بسرعة مذهلة ليبلغ ما بين 400 و500 ألف نسمة في منتصف ثمانينيات القرن الماضي. وبحلول عام 1988، كان تعداد العاصمة قد تجاوز 590 ألف نسمة، ليستمر في صعوده الحاد حتى لامس عتبة المليون ونصف المليون بحلول عام 2023.

التزايد السكاني، الذي فاق كل التوقّعات، لم يكن مجرد رقم جامد في إحصاءات الدولة، بل كان عاصفة عمرانية اجتاحت أطراف المدينة، فدفعتها إلى الاتساع أفقيًّا في كل الاتجاهات، دون تخطيط صارم أو رؤية عمرانية واضحة، إذ تضاعفت المساحة المبنية ست مرات بين عامي 1990 و2020، وكأن المدينة كانت تلهث وراء سكانها، تحاول أن تحتضنهم، لكنها لا تكاد تدركهم.

وبسبب كل ما سبق بدأت نواكشوط تفقد هويتها، فظهرت "الكبَّة" و"الكزْرَة"، تلك المستوطنات العشوائية التي نمت على أطراف المدينة، المفتقرة إلى أبسط الخدمات والبنية التحتية، وفقدت المدينة سكينتها، بل أصبحت خليطًا من الأحياء المخططة والأحياء العشوائية، تتداخل فيها الطرق المعبدة مع الدروب الرملية.

ومع الأيام والسنوات تفاقمت التحديات مع هذا التوسع المتسارع، وأصبحت نواكشوط تعاني من نقصٍ حادٍّ في المياه الصالحة للشرب، كما أنّ شبكات الصرف الصحي، التي تعود إلى الستينيات، لم تعد كافية، وأصبح تلوث الهواء الناتج عن تزايد المركبات مصدر قلق، وإدارة النفايات تواجه تحديات كبيرة.

أما البيئة، فكانت وما تزال تئن تحت وطأة التغيرات. نواكشوط، التي يقع جزء كبير منها تحت مستوى سطح البحر، تواجه تهديدًا مستمرًّا من ارتفاع مستوى سطح البحر وتآكل السواحل. الكثبان الرملية الزاحفة من الشرق تفرض تحديًا يوميًّا، وكأن المدينة محاصرة بين زحف الصحراء من جهة، وتهديد المحيط من جهة أخرى، إذن أصبح كل يوم يعيشه سكان نواكشوط من دون الوقوف في وجه هذا الواقع يعني خسارة جديدة لنضارة المدينة وروحها الأصلية.

 

ثم كرهت المدينة المطر

 

يهبط المطر على نواكشوط كضيف ثقيل مكروه ومتوجس منه، فبمجرد أن تتساقط أولى قطراته، تتحول الشوارع التي كانت قبل لحظات تضج بالحياة إلى مستنقعات راكدة، تتجمع فيها المياه القذرة مع الأتربة والنفايات، مكونةً بحيرات آسنة تعيق حركة السير وتشل حركة الناس، وتختفي الأرصفة تحت طبقات من الوحل، وتصبح الطرقات أشبه بقنوات صرف مكشوفة.

ليست المشكلة في كمية الأمطار التي تهطل، فنواكشوط مدينة صحراوية بطبيعتها ولا تشهد أمطارًا غزيرة في معظم الأحيان. لكن الكارثة تكمن في غياب نظام فعال لجمع وتصريف هذه المياه وغياب الصرف الصحي بشكل عام. ففي غياب البالوعات والمجاري المخصصة، لا تجد المياه وجهة سوى الشوارع والأزقة، تتراكم وتتجمع، لتتحول إلى برك راكدة تبقى لأيام، تعكس حالة كئيبة تجسد معاناة السكان.

عندما يهطل المطر، تتوقف عجلة الحياة في نواكشوط وتنتشر الحشرات، وهنا يصبح المطر، الذي يجب أن يكون بشيرًا بالخير والنماء، نذير شؤم يثير القلق والخوف في نفوس سكان هذه المدينة.

لا يمكن للمرء أن يلوم المطر على هذه المأساة، فالطبيعة تؤدي دورها بل  يقع  اللوم على الإهمال وغياب التخطيط الحضري السليم، فبناء مدينة بدون بنية تحتية قادرة على استيعاب أبسط الظواهر الطبيعية هو أشبه ببناء منزل بلا أساس.

 

حنين وأمل

 

أشدّ ما يؤلم في حكاية نواكشوط ليس ما آلت إليه، بل الفشل في تطوير ما كانت عليه رغم النواقص والبناء عليه، بحيث صارت المدينة صعبة، متجهمة، تصارع من يحبّها، حتى حبها أصبح صعبًا، فهي تُخفي وجهها في زحام الاسمنت والرمل والدخان، وهي اليوم مدينة تتألم بالرغم من أن في قلبها بقايا حبّ ما يزال يسمح لها بالمقاومة.

ربما لم تعد نواكشوط تلك المدينة التي عرفتها، لكن طيفها الأول ما يزال يسكنني، وأرنو لاستعادة نواكشوط التي أعرف، المدينة التي خرجت من بين الرمال كقصيدة حب، لا يخطّها شاعر، بل يُهديها المكان لمن أحبه.

أحنّ إلى تلك النسخة الأولى، الرطبة، الوديعة، التي لم تكن تُناديني باسم العاصمة، بل باسم الحنين.. أحنّ إلى "لكصر" بصورته الأولى، وإلى الشاي المسائي والخبز الساخن، وإلى وجوه الجيران وضوء الغروب وهو يسقط على جدرانٍ تعرف أسماءنا.

ربما ستتغير، وربما ستُشفى، ففي داخل الغبار، دائمًا ما يولد الأمل، فنواكشوط تحتاج إلى من يعيد لها نضارتها وروحها.

اثنين, 18/08/2025 - 16:45