
بدأت مطالب التأميم في المشرق من إيران، ثم تلتها مصر ، ثم العراق ثم باقي المنطقة بدرجات متفاوتة في مستوى الحسم والتصالح والتحدي، والمتتبع لجذور حركات التأميم، أو مطالب السيادة على موارد الانتاج التي هي جزء من حركة التحرر العالمية سيتفاجأ بأن شرارة التأميم بدأت من داخل ابريطانيا الدولة الاستعمارية الكبرى ذاتها، وكان ذلك مع فوز حكومة الزعيم العمالي كلمينت اتلي الذي قاد حملة تأميم في ابريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية موجهة ضد القطاع الخاص بحجة أن الرفاهية والعدالة لا يمكن ان تتحقق اذا لم تكن الدولة متحكمة في مصادر الانتاج الرئيسية، وبموجب ذلك أممت الحكومة البريطانية عددا من الصناعات في القطاع الخاص، فاستولت على شركات سكك الحديد ومصانع الصلب والفحم وشركات البريد وغيرها.
وكانت أصداء هذه الاجراءات تتردد في مستعمرات ابريطانيا كلها، وكان من الطبيعي أن تثير ما تثيره من حمية وغيرة لدى الوطنيين الذين يرون موارد دولهم تسيرها دول اجنبية وقطاع خاص أجنبي فطرحت قضية التاميم بشكل بالغ الالحاح، كإحدى الأولويات في مطلب التحرر.
قضيتان في تاريخ التأميم في الشرق هزتا العالم ، تأميم نفط ايران الذي قاده د.محمد مصدق رئيس وزراء ايران الأشهر، وتأميم قناة السويس، فريدة عصرها والتي أصبحت كنار على علم في تاريخ التأميم في العالم كله، والحقيقة أنه ما كان للانقلاب العسكري الذي قاده جمال عبد الناصر في مصر في مثل هذا اليوم 23 يوليو سنة 1952 أن يأخذ زخم ثورة كبرى لولا تأميم قناة السويس الذي استدعى جملة من القرارات الثورية المصاحبة ، والتي صنعت اسم عبد الناصر و حولته الى بطل جنوبي مرموق
كانت ثورة د.محمد مصدق أيضا بالرغم من انتكاستها المحزنة درسا من دروس التاريخ الكبرى ، فقد أصر مصدق المدعوم من رجال الدين والذي كان يدرس في ابريطانيا في العشرينات والثلاثينات وعايش الغليان المرتبط بامتلاك ادوات الانتاج في داخل ابريطانيا، أصر على أن تأميم النفط وتحويل مكاسبه لصالح الشعب الايراني هو القضية التي ستضع ايران على سكة الرقي والنهوض.. وقد استطاع ان يتوصل الى قرار بذلك ، عندما أصبح رئييسا للوزراء في ظل حكم الشاه محمد رضا بهلوي.
لكن الفرحة بقرار التأميم لم تكتمل ، بل تحولت الى نكبة من نكبات ايران الحديثة، اذ ان حكومة مصدق لم تكن مستعدة لا تقنيا او عمليا لاستلام قطاع ضخم كقطاع النفط يدير عددا هائلا من ابار النفط وتتبع له اكبر منشأة تكرير في العالم ، وبسرعة، ومباشرة بعد التأميم تقلص الانتاج الى ادنى المستويات وتعطلت خدمات كثيرة ، وتعقدت الامور و عجز مصدق عن تسديد رواتب العمال، واستشرى الامتعاض في الاوساط الشعبية وتحركت العشائر التي كان زعماؤها يتلقون رواتب واكراميات جزلة من الشركة البريطانية التي كانت تدير نفط ايران.
وهكذا وفرت هذه الأجواء الفرصة للانقلاب المضاد الذي قادته امريكا وابريطانيا ، حيث القي القبض على مصدق ونكل به وأتباعه ..
وفشلت تجربة التأميم الاولى في ايران .ومع ذلك بقيت محاولة مصدق واحدة من ابرز محطات التأميم في العالم الثالث ودرسا مهما لكل البلدان الطامحة للسيادة على مواردها الاقتصادية.
وربما كانت الحركة الوطنية المصرية التي كانت تتابع بشغف أحداث ثورة مصدق من أكثر الحركات وعيا واستيعابا لدرس مصدق، فكان تسييرهم بعد ذلك لعملية تأميم قناة السويس في منتهى الذكاء والمهنية، فعندما انسحب مهندسوا القناة ومدراؤها الأجانب يوم اعلان التأمين كان المتوقع والمرتقب ان الملاحة عبر القناة ستتعطل وان ازمة اقتصادية ستنفجر لا محالة، مما سيستدعي اعادة وضع اليد عليها من جديد ، لكن المفاجأة أن المصريين كانوا مستعدين بفريق جاهز كان يتمرن من فترة في الخفاء استعدادا لهذه اللحظة ، بل وحتى استعدادا لعمليات عرقلة فنية مرتقبة، ولذلك لم تتعطل الملاحة ولو لساعة واحدة في قناة السويس أثناء انتقال ادارتها من الشركة الدوليية التابعة لبريطانيا الى الحكومة المصرية، مما أدى الى ما عرف بالعدوان الثلاثي بمشاركة بريطانيا وفرنسا واسرائيل .
ومع ذلك فقد شكل تأميم قناة السويس مرحلة الذروة في المسار الثوري المصري ، بينما كانت محاولة مصدق مجرد مرحلة في التأهيل الثوري لايران وفي المسار التحرري الصاعد نحو الذروة ..
و بالفعل كانت ايران على موعد مع الذروة في 11 من فبراير سنة 1979 بإعلان نجاح الثورة الاسلامية وسيادة ايران على مواردها بشكل حقيقي، بما في ذلك النفط.



.jpeg)

.jpeg)