
في النظرة الأولى، دون أن أنتبه فعلياً، خُيّل إليّ أن فاليري أمّ من أصول مغاربية أو تركية، قدمت من وراء البحر الأبيض المتوسط، ترتدي هذا الحجاب كرمز تقليدي للحياء — حجابٌ نسبته، في ذهني المليء بالأحكام المسبقة، إلى هوية أجنبية عن فرنسا. كان ذلك انطباعاً فورياً، شبه آلي، شكّله تكرار الصور لا المعرفة الحقيقية.
لكن سرعان ما انهارت افتراضيّاتي أمام قوة الواقع الهادئة. لم تكن فاليري ما رسمه عقلي الباطن. كانت فرنسية بالفعل، وإن بدت سمراء أكثر مما تسمح به القوالب الجامدة لـ”النوع الأوروبي”، تحمل ملامح قد تُذكّر بأن التاريخ العربي توقف يوماً ما في بواتييه. ومع ذلك، لم يكن حجابها ناتجاً عن إرث ثقافي مفروض، بل كان ثمرة اختيار.
لقد تبنّت الحجاب بقناعة نادرة. لم يكن ذلك خضوعاً لسلطة، ولا اتباعاً لعُرف، بل كان فعلاً شخصياً عميقاً، مدروساً، ومتعمّداً بكل ما يحمله من راديكالية. خلف نظارتها الشفافة، كان نظرها ثابتاً، صافياً، يحمل تلك الصراحة المذهلة لمن اتخذ قراراً صعباً، لكنه منسجم تماماً مع ذاته. لقد اعتنقت الإسلام لتجد صلة مباشرة مع الخالق، بلا وساطة، بلا رجال دين، بلا تسلسل بشري بينها وبين الله.
لكن فاليري كانت تدرك أن لهذا الخيار ثمناً. فالخروج عن المألوف، وخاصةً حين يأتي من الداخل، يجلب الانكشاف. كل يوم، تواجه النظرات، الأسئلة الصامتة، الابتسامات المتحفظة، أو الأحكام غير المعلنة. وأحياناً، تسمع كلمات جارحة، أو تتعرض لمواقف إقصائية، أو تمييز خفي — في مقابلة عمل، في الشارع، بل أحياناً في محيطها الشخصي.
ومع ذلك، هي تمضي قُدُماً. بكرامة. بشجاعة. إذ إن ارتداء الحجاب ليس مجرد وضع قماش، بل حمل ثقل التأويلات، والشكوك، والمخاوف المسقطة على الجسد. ويتطلب الأمر إرادة حديدية كي تظل واقفة في مجتمع يزعجه الحجاب بقدر ما يثير تساؤلاته. إنه ليس فعلاً عادياً — بل هو إعلان، التزام ظاهر، موقف داخلي في عالم صار فيه الخاص سياسياً.
فاليري لا تسعى إلى الاستفزاز. إنها تسعى لأن تبقى وفية لنفسها. أن تعيش وفقاً لمبادئ تراها عادلة، ضمن تقليد لم ترثه، بل اختارته. أرادت أن تنتمي إلى شعب لم تنتزعه الحداثة تماماً من احترام القيم الأخلاقية العظمى — شعب مهمّش أحياناً، يُساء فهمه كثيراً، لكنها تشاركه الآن أنفاسه وأمله.
فاليري امرأة حرة. حرة لأنها اختارت. حرة لأنها تتحمل وتواجه. حرة، رغم كل محاولات التقييد أو التصنيف من الخارج.
تحت حجاب فاليري، كانت تلمع أفكار تقدمية، لكنها أصبحت الآن أسيرة عالم جديد، لا تزال فيه المرأة غير متساوية تماماً مع الرجل — إنها تدعمه، وتحترمه، وتُحبه، وتُطيعه.
شين.



.jpeg)

.jpeg)