جذور قوة المارد الصيني الصاعد

يُتابع الكثير من الناس الصين ونمو اقتصادها –بمتتالية هندسية – وصعودها الذي لا يقهر منذ أكثر من ربع قرن، أي منذ عهد دنك هسياوبينغ، بإعجاب وأحيانًابتعجب وريبة. فالدول صاحبة الامتياز، الغابنة منذ قرون، تنظر إليها باستياء غير مكتوم وأحيانا تفوح من أفواهها رائحة الكراهية والحقد والعنصرية، أما المغبونون في العالم الثالث، معذبو الأرض ممن عانوا مثل الصين من السيطرة الأجنبية والاضطهاد والنهب و الإهانة المعنوية والمسخ الثقافي فإنهم يتمتعون، نفسيا ومعنويا، برفعها لرأسها واسترجاعها لبعض مجدها.

الصين من بين الأمم الشرقية العريقة، مثل الأمة العربية، التي داهمها الاستعمار في فترة انحطاط وغفلة وظلمها ظلما متعمدا إلى درجة تجزئتها وتفتيتها.

بدأت تلك الأمم تعي مأساتها في بداية القرن العشرين، تحاول إعادة حريتها ولمّ شمل كيانها الممزق وتتطلع إلى رسم معالم تأسيس مشروع  وطني – نسبة إلى الوطنالعربي، أو قومي إذا فضلتم ــ حديث يضمن مستقبل أبنائها ويمكنها من العطاء والمشاركة الخلاقة في الحضارة الانسانية.

لذلك استعد قادة الثورة الصينية للتضحية بجميع أنواعها بوعي تام لحقيقة فاتتنا وهي أن التغيير واسترجاع أمة لزمام أمورها إِما أن يكون شاملا وتاما أولايكون، فنذروا أنفسهم بصدق وجدارة لذلك الواجب. وإذا نظرنا إلى تجربة "المسيرة الكبرى" التي قادها على الأقدام، لمدة سنة، الرجال الذين سيؤسسون ويقودون بناء جمهورية الصين الشعبية، فإننا سندرك أين يكمن لب الفرق بين تجربتنا وتجربة الصين.

في تلك العقود الأولى من القرن الماضي رفض الكثير من العرب واقعهم المأساوي وتجمع بعضهم بنزاهة ولكن بغباوة تامة، حول الشريف الحسين يطالبون بدولة عربية واحدة، وقاموا حتى بمسيرة على الإبل من العقبة إلى دمشق. وقد سمّينا بتسرّع تلك الحركة: "الثورة العربية الكبرى" إلا أن ثورة يقودها الإقطاع ولا تدرك، أو تتجاهل، خطورة الاستعمار الغربي وتتشبث بثقافة القرون الوسطى، كنبراس للتحرر والتطور، علاوة عن كونها يتقدمها لاورانس، فإن تلك "الثورة" لن تحقق للجماهير أهدافها المشروعة كما أنها لن تعيد للأمة مكانتها الطبيعية بين الأمم ودورها التاريخي.

لا شك أن هدف حركة شريف  مكة إذا كان تأسيس "المملكة العربية " – بالتعريف – كان إيجابيا لأن "وحدة عربية رجعية، كما يقول أحدُ مفكري القومية العربية، خير من تجزئة رجعية"، ولا شك أن الشريف الحسين يرافقه لاورانس خير من ابن سعود يرافقه فيلبي ولم تُخطِئبريطانيا ولم تتردد في الاختيار بينهما. هذان الممثلان للطبقة الظالمة والرجعية عانيا، بدون شك، من الاستعمار التركي – كما عانى من قبلهم الخليفة العباسي المستكفي من الحقد الفارسي التاريخي على العرب – إلا أن عطف العرب على الحسين نابع من كونه ينظر إلى العرب ككيان واحد، في الوقت الذي حُرم ابن سعود من ذلك التقدير كأحد رواد تجزئة العرب، قبل ظهور أبواقها الخائنة أمثال بورقيبة وكميل شمعون وبيار الجميل وعملاء الاستعمار الحاليين، الذين يتعذر حصرهم، المتربعين على كيانات قطرية هزيلة فاقدة، بالتواتر، لأي مستقبل كما يكفي حاضرها عن سؤالها ويدعونها، وقاحة أو جهلا، "أُمما".

كانت "الثورة العربية الكبرى" فاقدة للوعي التاريخي وللرؤية الواضحة لمستقبل جديد وللتنظيم السياسي القادر على تعبئة الجماهير وتأطيرها فكان مصيرها المحتوم الفشل الذريع. جاء ذلك الإجهاض على يد الاستعمار البريطاني يشجعه الاستعمار الفرنسي بابتساماته المتواطئة. فطويت صفحة العمل العربي الشعبي المسلح، الخارج عن شرك القطرية، وبدأت مرحلة الوحل: تكوين الدويلات القطرية العاجزة يرعاها الاستعمار، يرمم تصدعاتها ويُجمّل تشؤُهاتها ويتفنن في أشكالها وأنماطها المجهرية، يدعمها هنا بعميل مقنع ويواجه هناك بحد السيف من رفض الخضوع، محيطا الشعب العربي بهالة من الاستسلام وفقدان الأمل، مبشرا أخيرا بنهاية التاريخ.

قد يقول قائل متمنيا: ليت الشيوعيين العرب كانوا مثل الشيوعيين الصينيين. من حيث وعي واستيعاب واقع أمّتهم فلم يكن بينهم عامل مشترك واحد يشفع لقومنا. رفع الشيوعيون العرب الشعارات الماركسية وجانبوا فهم لينين للنظرية : " تحليل ملموس لواقع ملموس " وتقيدوا بالجانب الشكلي والنصي لأطروحات كارل ماركس وبدلا من أن تكون دليلا على فهم الواقع الكلي وأساسياته والوصول إلى انشغالاته الحقيقية واكتشاف محركاته في المرحلة التاريخية المعاشة كونت لهم النظرية عرقلة كأداء. صارت النظرية عبارة عن نظّارات مُشوِّهة للواقع وانصب الجهد على تكييف الواقع الحي مع النظرية الجامدة. فأصبحت الصورة في واد والتصور في واد آخر.

كون الأمة العربية تمت تجزئتها من طرف الاستعمار لإضعافها وللسيطرة على مقدراتها ونهب خيراتها لم تكن محل اهتمام مثير إلى درجة الربط بين القضاء على الهيمنة الأجنبية والاستغلال الخارجي من جهة والعملية التجزيئية التى مكنت منهما، من جهة أخرى. كون الوحدة العربية ردّ طبيعي على التجزئة الاستعمارية نظروا إليها، بالعكس، أنها خطر ومطلب متعارض مع النظرية الأممية والأخوة بين الشعوب وكادحي العالم. ومضوا بعيدا في الانزلاقات وعندما تأكدوا أن العرب لا يصغون إليهم، أضافوا متاهة على متاهة ـــ مدعاة للسخرية ـــ وقالوا إن الأقليات القومية وحدها هي الثورية. بهذا المنطق لن ولم يمضوا بعيدا في قيادة مجتمعهم، بل سيسلكون طريق العزلة.

وعلى سبيل المقارنة كان الشيوعيون الصينيون يصارعونحزب كيومينتانغ الرجعي الذى يزعم أنه حزبا قومياويقولون له:" الحزب الشيوعي الصيني هو الحزب القومي الحقيقي".

لاشك أن الشيوعيين العرب كانوا يكرهون الاستعمار ولكنهم لم يهتدوا إلى سبيل كفاحه، بل إنهم ثمنوا وشجعوا واعترفوا بالتجزئة التى هي أجلّ واجزل سلاح في يد الاستعمار من اجل إضعاف العرب واستمرار السيطرة الأجنبية عليهم. لم يدركوا ـــ بل لم يحاولوا إدراك ـــ المضمون الثوري والتحرري للوحدة العربية التى تتحقق فقط ضد الاستعمار وعملائه، والتى تخلق للعرب، كشعب مضطّهد، حالة من القوة والأمل وتفتح أمامهم آفاقا ترفعهم ليس بمقياس الدرجات وإنما على مستوي النقلة النوعية التى لا تعبر عنها عملية الجمع بين الأجزاء.

لم يطرح الشيوعيون العرب على أنفسهم السؤال: إذا لم يكن المشروع النهضوي المعاصر للعرب يتمثل في الوحدة، ففيمَ يتمثل؟

لم يُثْنِهِمْ المثل الرائع لنضال فيتنام الشيوعية من أجل وحدتها عن قصر نظرهم والتمادي فيه.

لايمكن التصديق أن حركات تقدمية، مثل الشيوعيين، لها الوعي التاريخي والفكر العلمي لايوجد لديها تصور مقنع يمكن الدفاع عنه موضوعيا في مجتمعها، وأنها تسلم بالواقع كما صنعه الاستعمار. لا أحد يطلب من الاتجاهات الرجعية سواء كانت غربية أو دينية نفس الضرورة لأن الأولى تفكر بعقل غيرها والثانية لا تملك الوعي ولا الموضوعية.

الشيوعيون العرب، لحسن الحظ، لا يتطابقون مع الماركسيين العرب و من بين الماركسيين العرب من طرحوا طرحًا صائبا وتحليلا موضوعيًا. مثلت ذلك الطرح، الذي يربِط بين الوحدة والتحرر والاشتراكية، من الزاوية الماركسية، مجلة "دراسات عربية" التي كان من أبرز منعشيها الياس مرقص وجورج طرابيشي في الستينيات والسبعينيات.

إنَّ الأخطاء النظرية والتصورية للشيوعيين العرب لا تعني أن غيرهم لم يُخطئ وربما لجسامة أخطاء الآخرين يصعب في هذا المقام العرضي حتى تحديد ملامحهاالتي تتطلب المجلدات. يكفي على ذكر الأخطاء النظرية وحتى المنطقية أن غيرهم أصبح متعارفًا عنده أن "القضية المركزية للعرب هي قضية فلسطين" وهذا، من دون التقليل من شأن قضية فلسطين، يُعتبرُ طرحاً غيرمنطقي بل لا عقلي. وإذا أحتلّ قطر عربي آخر ماذا سيكون ؟ 

المسألة المركزية للعرب في الزمن الحديث هي وحدتهم. المسألة المركزية هي تلك التي بحلها تُحل جميع المعضلات: وهي تتمثل في السيطرة الأجنبية، والتخلف، وجميع مناحي الضعف مثل التفرج على فلسطين وهي تُذبح مرتين لليوم. إن الوحدة العربية تحل القضية الفلسطينية بينما العكس غير صحيح.           

رجوعاً الى الموضوع فقد سلكت الصين دربا آخر خرج أحيانا على حد تصور العقل المألوف، تقودها كوكبة من الثوار المخلصين لأمتهم إلى حد العماء، جمعت أهداف الصين كلها في وثبة واحدة وقادت معاركها لمدة ستين سنة. على سبيل المثال دنك هسياوبينغ الذي يُعتبر من المؤسسين عام 1921، كان في "المسيرة الكبرى" عام 1934، وقاد الصين بعد موت ماو اتسي تونغ و استمر يصارع من أجل عودة هونغ كونغ ومكاوي وتيوان إلى الوطن الأم حتى آخر نفس له عام 1997.

ينظر البعض إلى مراحل الثورة الصينية كأنها أجزاء منفصلة. هذا مكمن الخطأ. لكي نفهم الثورة الصينية ومراحلها المتنوعة في الشكل والزمن وانسجامها العميق في الغاية، علينا أن ننظر إليها كصاروخ له عدة طوابق، لكل طابق لون ولكن الصاروخ كيان واحد يؤدي رسالة واحدة أو دورا شاملا حددته طببيعة التأسيس والانطلاقة الأصيلة.

بحثا عن ذلك السر وتلك الرسالة ووصولها إلى أهداف مثيرة، من الضروري أن ننظر، أو نطلع، على تفاصيلتاريخ الثورة الصينية و المراحل القاسية السابقة التى هيأت للحالة النوعية اللاحقة. يقول المثل الصيني"من المناسب ونحن نتناول الماء أن نتذكر منبعه".

                                                                                        

المرحلة التأسيسية

 

قال ماو تسي تونغ: إن شرارة يمكنها أن تضع النار في السهل كله. هذا ما سيحصل في الصين ابتداء من السنة 1921. في هذه السنة انعقد المؤتمر التأسيسي للحزب الشيوعي الصيني في مدينة شانغ هاي، وكان المؤتمرون اثْنَيْ عشر، يمثلون 57 عضوا هم مجموع عدد الشيوعيين في الصين آنذاك.

كاد المؤتمر أن يبوء بالفشل يوم افتتاحه. كانت مدينة شانغ هاي موزعة إلى عدة قطاعات خاضعة لاستعمارات غربية مختلفة: هناك القطاع الانجليزي، والقطاع الألماني والأمريكي والفرنسي، وكان المؤتمر منعقدا في القطاع الفرنسي.

بعد الخطاب الافتتاحي دفع شخص ذو ملامح أوروبية الباب الخلفي فجأة وقال: "هذا محل السيد شن؟...عفوا أخطأت الباب".

قال بسرعة أحد مناديب مدينة شانغ هاي المتمرسين: "هذا البوليس السري الفرنسي". بعد مدة قليلة داهم البوليس الفرنسي المكان، ولكن المؤتمرين القلائل أخلوا المكان بسرعة قبل مجيئهم وانتقلوا إلى متن باخرة نهرية على بحيرة قريبة وأكملوا مؤتمرهم. 

انتخب على رأس الحزب الوليد، كأمين عام، شن دي اكسيو وكان من بين المؤتمرين شاب في الثامنة والعشرين من عمره أسمه ماو تسي تونغ...

في السنة الموالية تشكلت في أوروبا نواة من الطلاب سيكون لها شأنها وهي بمعنى ما جزء من التأسيس وكان على رأسها شخص ليس ككل شخص وهو الرجل اللامع شو آن لاي، الذي سيُعد من أبرز القادة السياسيين في القرن العشرين بأكمله، يرافقه المسمى كانك شينك الذي سيقضي خمسين عاما وهو عضو قيادة الحزب بدون انقطاع ورئيس مخابراته. بقيا لأكثر من نصف قرن وهما رَفِيقَيْ درب، وقادا العمل السري معا وحرب التحرير وبعد التحرير، الدولة، إلى جانب ماو تسي تونغ. وهما في فرنسا طالِبَيْن أسس هذان الشابان جريدة صغيرة وسمياها: الفجر الأحمر. كان معهما في هذه الفترة شاب قصير القامة، عمره ثمانيعشرة سنة مكلف بتكثير النشرة وسموه بكل بساطة: المكثر. الشاب القصير المكثر هو دنك هسياو بينغ الذي سيقود الصين بعد موت الزعيم ماو تسي تونغ.

كان معهم شاب آخر سيكون له شأنه أيضا، لأنه سيصبح فيما بعد الماريشال شن يي الذي شارك في المسيرة الكبرى وقاد الجيش الجنوبي أثناء التحرير عام 1949 وسيعرف في الستينيات كوزير للخارجية.

في سنة 1924، عاد إلى الصين شوان لاي و كانك شينك ليمارسا العمل الثوري حيث يجب أن يمارس، أي على أرض الوطن. في السنة الموالية 1925 لم يتجاوز الحزب 10.000 عضو، وهذا على سلم عدد سكان الصين، يعني قطرة في بحر.

ماو تسي تونغ يعمل في مسقط رأسه، إقليم هونان، أما العائدان من أوروبا فتوجها إلى مدينة شانغ هاي حيث يتواجد أكبر عدد من الطبقة العمالية – البروليتاريا – في فترة كانت الحركة الشيوعية العالمية، نتيجة لنظريات كارل ماركس وإيمانه المطلق بدورها الثوري المنقوش في الجدلية التاريخية كالنفش في الحجر، تنظر إليها نظرة شبه قدسية صوفية، بحثا عن تلك المحبوبة المفقودة: الثورة.

كانت مدينة شانغ هاي ــ ولا تزال ــ  هي أكبر مدينة في الصين، وعلى شواطئ المحيط الهادي شرقا وغربا، وهي ميناء ضخم ترسو فيه يوميا مئات البواخر، وهي عبارة عن جرح ضخم تُستنزف منه دماء الصين، وثغرة في الجدار تندفع منها البوارج المدرعة والمدافع الانجليزية المعادية. كانت هذه الحاضرة الضخمة منملة مزدحمة وبُرْج بابل، تسمع فيه لغات العالم بأسره، وهي جنّة المغامرين والبنات القابلات للبيع والشراء، والشريرين، والمخدرات، والألعاب السرية، فهي القيادة العامة للبرجوازية الصينية الصاعدة آنذاك، كما أنها أيضا هي الجحيم على الأرض ، مقبرة الكائنات البشرية الجائعة والهزيلة التي تُلتقط يوميا من الشوارع باستخفاف كالقمامات.

كان الهدف عند الشابان العائدان من أوروبا واضح لا التباس فيه. جاءا لممارسة العمل السياسي المهني من أجل القيام بثورة عمالية تُغيّر ملامح وواقع الصين ـــ لا أقل ـــ إلا أن لهما أهدافًا مرحلية وسلّمًا تدريجية ضرورية. الهدف الآني هو تقويّة المنظمة الحزبية في المدينة كماً وكيفاً وتنظيم العمل النقابي.

ومع أن الشيوعيين مطاردون من طرف الشرطة السرية، فإنهم يتمتعون بالتعاطف الشعبي وخاصة في ذلك الجيش المُضطّهَد والمستغَل: عمال الميناء الممتلئة قلوبهم حقدا ضد "الشياطين الغربيين". العمل النقابي يتقدم بيُسر عند هؤلاء البؤساء كالنار في الهشيم.

بسُرعة فائقة نظما إلى جانب لي ليسان، الأمين العام المقبل للحزب ومناضلٍ شابٍ آخر، هو ليي شاوشي، الذي سيصبح رئيسا للجمهورية في الخمسينيات، إضرابا عاما للعمال في مطلع 1925 وكان قوياً إلى درجة التمرد. كان المسئولون الغربيون ينظرون باشمئزاز وقلق إلى تطور الأحداث. بسرعة ارتفعت درجة الحرارة وأطلق الجيش البريطاني النار على العمال، فسقط موتى وجرحى. كان عدد المضربين خمسة وسبعين ألفَ عاملوبعد سقوط الضحايا ارتفع العدد إلى مائة وستين ألفا ، إلا أن البورجوازية راهنت على قصر نفس العمال الفقراء. وبعد ثلاثة شهور من الإضراب صارت الحركة المطلبية للمضربين تلهث. وعندما عاد العمال إلى العمل بدون الحصول على مكاسب ومعنوياتهم منخفضة، ضربهم سيف الجلاد من جديد لإعطائهم درسا شديدا يتذكرونه في حالة التفكير مُسْتَقْبَلا في إضراب من هذا النوع.

اعتقلت جماعات واسعة من الأطر الشيوعية – يطلق عليهم الحُمر نسبة إلى لون الثورة – والمناضلون النقابيون وتمت تصفية الكثير منهم جسديا في السجون كما تم حل النقابة العامة لعمال شانغ هاي.

كان على الشيوعيين إما الهروب وإما التراجع في سرّية مطلقة. اختير الحل الأخير والمقاومة المدروسة. بدأ البحث، تحت مسؤولية كانك شينك عن أماكن اجتماعات آمنة، وحماية أماكن إقامة القادة السريين والحصول لهم على عناصر الربط الضرورية بينهم، كما رُتب تنظيم الحزب تحت شعار الفصل التام. كان في تلك الفترة، بعد الإضرابات، نجم لى ليسان المناضل المتطرف بل والمتهور أحيانا والأمين العام المقبل للحزب يلمع بألف نور.

كانت شانغ هاي ــ باب الصين وباب الشرق الأقصى ــتحت سيطرة أحد "أمراء الحرب"،شون فان، الذي يمتاز بارتداء بدلات مزخرفة بإفراط وبدون ذوق رفيع، شخص معروف بالقسوة اتجاه الضعفاء ويتسم بالخضوع والخسة مع الأقوياء. 

استعادت الحركة المطلبية والتحريضة ضد النظام الحاكم والغربيين قدرا من قوتها وبدأت سلسلة من الإضرابات القطاعية، كما التحق الطلاب بالحركة المطلبية والإضرابات، و في نهاية اكتوبر 1926 توّجت الإضرابات بانتفاضة جديدة. و سرعان ما فشلت الانتفاضة وسقط عشرات الضحايا على أيدي أمير الحرب شون فان يعززه أمن الدول الغربية.

بعد فشل هذه الانتفاضة ارتأى كانك شينك، مسئول التنظيم والمخابرات، بمفارقة جريئة أن أكثر الأماكن أمنا وأقلها إثارة للانتباه هو فندق "اكران موند" Grand monde وهو عمارة ضخمة من ست طوابق بين قطاعين غربيين ومحل تسلية للأوروبيين، فيه الألعاب والمسرحيات المستمرة والمغنون والبهلوانيون والمشعوذون، ومدّعو العلاج الفوري للآلام والمدلكون واليانصيب والمنجمون والفلكيون وبائعو الطيور.. الكل يتكلم لغة مشتركة واحدة هي لغة النقود. يقال أن شيئا واحدا من المستحيل العثور عليه في فندق "اكران موند" وهو امرأة  نزيهة.

لم تكن " اكران موند " هي الهدية التافهة الوحيدة التى تُبرهن على " سخاء " فرنسا. فقدْ أهْدَى الفرنسيون لـ شانغ هاي ملعبا غريبا هو ميدان سباق للكلاب يرتاده، أسبوعيا، الغربيون والبورجوازية الموالية لهم وحثالاتهم والمتسكعون والعاطلون الفاقدون الوعي.

بعد انتصار الثورة عام 1949، أعطى  بان هنيان، مسؤول الحزب في المدينة لهذا المكان الذى أريد به احتقار شعب عظيم، صاحب حضارة فذة، عريقة وغنية، الرصد الذى يستحق فصار محل اعتقال جماعي لأعداء الثورة:جنرالات وبورجوازية اتشانك كاي شك، عملاء الغربيين، الغربيين أنفسهم، رجال الدين المسيحيين وأنواع الرجعيين الآخرين.  

اختارت المنظمة الحزبية بذكاء فعلا مكان اجتماعها ووجدت هدوء البال لاستخلاص العبِر والدروس، ووصل الاجتماع الى هذه الخلاصة القاسية: "إن الإنتفاضة كانت عملا سطحيا، خال من المهنية الثورية وبعبارة أخرى عملا مخجلا وعارا بالنسبة لجماعة ثورية" كما يجب التخلي عن رقة العواطف والشفقة واعتماد القساوة مع النفس والعدو. وكان من بين القرارات تنظيم دورة فنية سريعة من بين المستفيدين منها دنك أفا أحد كوادر الحزب الفاعلة للغاية.

التقي الصحفي الأمريكي الكبير إدكار اسنو، صديق الثورة الصينية، خلال تحقيقاته الشهيرة في الصين عام 1936 مع دينك أفا في المناطق الواقعة تحت سيطرة حكم اتشانك كاي شك، ولم يخف دينك أفا على الصحفي الأمريكي هويته الحقيقية وأنه يعمل في السرية في هذه المناطق كممثل للثورة. تفاهم الرجلان ورافق دينك أفا أدكار اسنو لمدة أيام وفي وقت الوداع لم يتمالك الصحفي، تعاطفًا مع الكادر الثوري وتنبيها له عن طرح سؤال أخير :

    ــ ألا تخاف هنا على رأسك؟ 

    ــ لا أكثر من الجنرال قائد المنطقة العسكرية. إني أسكن في منزله، أضاف دنك أفّا في نقّة ماكرة .

 

لم يمض أدكار اسنو، لباقة، في الفضول إلى معرفة هل جنرال اتشاك كاي شك متعاطف مع الثورة أم أن دنك أفا متسلل إلى قعر داره بحيلة خفية.

قبل هذه الحادثة بتسع سنوات، في سنة 1927، خلال إضرابات العمال، كانت الشرطة البريطانية قد كسّرت معظم أضلاع دنك أفا.

في بداية 1927 جاءت تعزيزات من القوات البريطانية للسيطرة على الوضع الأمني المتدهور في شانغ هاي بِفِعْلِ جماعة نوعية متميزة لا تلين بقيادة شوان لاي ولي ليسان وكانك شينك. وزّع التنظيم الحزبي على القوات البريطانية المنشور التالي: "إنكم هنا لكفاح ثورتنا.العمال والفلاحون الصينيون لن يقبلوا ذلك وسيصارعون بحزم متزايد من أجل استقلالهم. لا تظنوا دقيقة واحدة أنكم ستُعيدون الماضي وأنكم تستطيعون ذبح الصينيين بالجملة كالحيوانات. إن ذلك الزمن قد ولى إلى الأبد."

في منتصف فبراير 1927 اندلع الإضراب من جديد، وكان شاملا في اليوم الثاني له، وتدخلت القوات البريطانية والفرنسية لدعم القوات الرجعية المحلية، فأُغرقت المدينة في حمام من الدم: أُعْدِمَ في الشارع مئات المناضلين النقابيين وقُطعت رؤوسهم ووُضعت على مقابض من الخيزران وعُرضت على أطباق المطبخ. في نهاية مارس 1927 دخل الجنرال اتشانك كاي شيك بنفسه المدينة والتقى بممثل التاج البريطاني، أي ممثل أعتى وأمكر قوة استعمارية في القرن التاسع عشر والثلث الأول من القرن العشرين ـــ قبل ظهور الإمبريالية الأمريكيةـــ وشرح ما لايحتاج إلى توضيح وهو أنه جاء ليُطمئن الغربيين.

بعد أيام اندلع الاضراب العام بعنف متزايد وعطل بشكل تام المصانع والميناء.. توقف عن العمل نصف مليون عامل.قال قائد الحزب، شن دي كسِي الأمين العام، وشو ان لاي وكانك شينك: ليس بإمكاننا هذه المرة التراجع، يجب أن نزجّ بجميع قوانا في المعركة وأعطى شو ان لاي الأمر لفرق القتال الحزبية "الحرس الأحمر" أن تتدخل ضد العدو ولكن معظم الفرق بدون سلاح فوجههم أن يستعملوا السلاح الأبيض: الفأس والسكين، وأدوات الجزار والمطرقة، وعصى الخيزران كما علم المليشيا صنع "مدافع" بسيطة هي عبارة عن براميل مملوءة بالنفط، تفجر الوحدة تلو الأخرى على أمكنة العمل عند هجوم قوات القمع.

سيطرت الانتفاضة بعد أيام، وعقد كانك شاينك مسئول التنظيم اجتماعا مهما من 500 إطار نقابي في معبد بوذي وقرر الاجتماع تكوين ميليشيا عمالية من خمسين ألف شخص.

قرر من جديد الجنرال اتشاك كاي شك وحلفاؤه الغربيون وأمير الحرب المحلي القضاء على التمرد العمالي ومضاعفة الهجوم ضد الانتفاضة الثورية قبل أن تفلت الأوضاع من السيطرة واستمرت المعركة مع الفرق العمالية يقودها شو ان لاي وكانك شينك اثنيْ عشرةساعة. كانت الأطراف غير متكافئة وسلاح اليمين متفوق بشكل لا يسمح بالمقاومة الجدية أكثر من يوم، ومن جديد سقطت انتفاضة شانغ هاي الثالثة وسيطرت القوات النظامية وأعوانها على شوارع المدينة وبدأت حملة جديدة من تقتيل المواطنين الأبرياء والعمال في الشوارع بالآلاف إلا أن شو ان لاي وكانك شينك وبقية المناضلين الأساسيين تمكنوا من الفرار ووضعت صورة شو ان لاي على جدران المدينة مع العبارات التالية:"من أعطى معلومات عن هذا المجرم القاتل أو تُمكن من القبض عليه فله مكافأة قدرها 1000 دولار" كما وُضعت في الشوارع لا فتات تحمل الشعارات المحرضة بهدر دم الثوار والنقابيين و كان بعضها يحمل الشعارات السخيفة التالية:   

    "اقضوا على المجرمين الشيوعيين!"

    "اقضوا على المشروع الهادف إلى جعل النساء مشتركات".

كان على كانك شينك مسئول التنظيم، في هذه الظروف الخطيرة والعسيرة، أن يوفر المكان المناسب لاجتماعحزبي ملحّ لإستخلاص الدرس وتحديد موقف عاجل لا يحتمل التأجيل،فكانت الخلاصة هي التخلي عن " وهم الإنتفاضة الحماسية"، يجب التحضير لنضال طويل المدى، مواجهة في الظّل، كما يجب القضاء إلى الأبد على المراهقة التي تختفي في كل ثوري.

وبصفة متزامنة قُضي أيضا، في حمام من الدم، على انتفاضة مدينة كانتون وعلى تمرد للفلاحين، انطلق من منطقة جنوبية أخرى تحت إسم "انتفاضة حصاد الخريف". إذا كان الإسم شاعريا فإن النتائج كانت مأساوية.

كلما تبقى من الانتفاضات الثورية المتزامنة هو تمرد ريفي يقوده ماو تسي تونغ وهو أنذاك قائد هامشي.

 

كان على الحزب أولا بعد هذه الضربات القاسية أن يعيد ترتيب نفسه وخاصة في مدينة شانغ هاي حيث تتواجد أهم قواته وقادته، فكان صاحب تدبير هذه المهمة شو أن لاي وكان من أكثر الأمور إلحاحا تقوية جهاز مخابرات الحزب والحصول على المعلومات الدقيقة لتفادي الضربات المفاجئة.

كانت هذه المهمة من اختصاص كانك شينك وكلف بالذات باختراق المخابرات الرسمية لي كنونك ، الذي سيكون في المستقبل رئيس المخابرات الخارجية وسيشتهر عام 1954 كرئيس فريق المفاوضين في اتفاقيات جنيف.

مع المعلومات التي بدأ يحصل عليها لي كنونك من عملائه الذين يعملون في قلب جهاز العدو لم يعد الحزب أصمّ ولا أعمى، كما أن مسئول التنظيم والمسئول الأول عن جهاز مخابرات الحزب كانك شينك، نتيجة لرزانته وفاعليته،يجوب الشوارع يوميا وصورته على الجدران ورأسه مطلوب مقابل 1000دولار. لكي يتنقل سرّا، تنكر كانك شينك، وصار جرّار عجلة نقل الأشخاص التي كان معمولًا بها على نطاق واسع في الصين قبل التحرير. كان عدد جرّاري العجلات في شانغ هاي يزيد على عشرين ألفا.

في سنة 1928 انعقد في موسكو مؤتمر الأممية الشيوعية وتقاطرت على العاصمة الروسية أفواج كثيرة من ثوريي العالم أجمع يحدوهم الأمل والتفاؤل بمستقبل الثورة العالمية في تلك العاصمة التي أوقدت فيها قبل 11 سنة شعلة ثورة أكتوبر الحمراء.

كان جوزيف ستالين، هذا الجيورجي الماكر والمنظر نيقولا بوخارين قد انتصرا على زميلهم تروتسكي في ثورة أكتوبر 1917، وأرغماه على الغربة كما أبعدا أيضا اثنين من رفاق ثورة اكتوبر: هما زينوفيفِ وكامنيف.

بهذه المناسبة انعقد في موسكو ، في الغربة ، المؤتمر السادس للحزب الشيوعي الصيني وكان عدد المؤتمرين 75 مناضلا أتوا من جميع مناطق الصين الشاسعة، دون حضور ماو و شوان لاي وليي لشاوشي وكانك شينك. تم  في هذا المؤتمر انتخاب لي ليسان  كأمين عام للحزب. كان لي ليسان فوضويًا ولكنه شجاع، ذكي ولكنه ضيق الأفق، مغرور يعتبر نفسه "لينين الصين" وكان عمره 29 سنة. يريد لي ليسان الإفراط في المركزة والإفراط في الانضباط والإفراط في التدرّج. كان أكزي أكزيجن رئيس قسم الحزب في شانغ هاي يقول فيه الكلام الهرطقي التالي: "إن لي ليسان أقدامه ليست على الأرض، إذا اتُّبعت سياسته فإنها لن تقود الا إلى الإنفصام بين الحزب والجماهير"، معبرا بذلك عن معارضة منعشي العمل النقابي لخط المؤتمر السادس. ثم زاد اكزي اكزيجن نقده إلى درجة النقد العلني في اجتماع المكتب الجهوي للإجراءات التنظيمية التي فرضها لي ليسان وأتبع ذلك برسالة موجهة إلى المكتب السياسي باسم مناضلي "باب الصين"، شانع هاي، معقل الحزب، يقول فيها: " إن تطبيق تلك الأفكار الجديدة لن يؤديّ إلا لإبعاد العمال عن الشيوعية إلى الأبد ".

لن يدخل – كعادته – شو ان لاي الذي أكده المؤتمر على رأس العمل العسكري والإشراف على هيئة المخابرات الجديدة، توو، في تلك التناقضات والمهاترات لأنه آمن منذ الوهلة الآولى بالثورة وبنهج الشيوعية وأدرك نهائيا معنى الحزب والإلتزام ولم ولن يحيد عن ذلك النهج. سيستمر شو ان لاي في ذلك الاتجاه بصلابة واستقامة، وبتقدير من الجميع مهما كانت التقلبات والأزمات والصراعات لمدة خمسين سنة مقبلة، إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة وهو في مقعد رئيس وزراء الصين. صحيح أنه ابن موظف إمبراطوري ولكنه آمن بفكرة المساواة وبمبدأ حرية الصين ولن يُسَلُِيه شيء عن تلك الفكرة وذلك المبدأ، منذ اليوم الذي قاد فيه ما يُعرف في تاريخ الصين ب "حركة الرابع مايو" 1919 التي هزت أركان الصين وهو طالب عمره 22 سنة.

أما كانك شينك، الذي يحيط به عادة عطر من الغموض، والمعروف هو الآخر لنفس المدة الطويلة، بالثبات والمبدئية ونكران الذات فإنه ارتبك ـــ ولكنها ستكون المرة الأخيرة ـــوتأرجح بين الأطروحتين: ساند أولا اكزي اكزيجن  ثم التحق بخط لي ليسان، متحملا كالعادة مسئوليته التقليدية التي سيقضى فيها عمره المديد  وهي "المهام الخاصة"، إضافة إلى مسولية التنظيم. 

في منتصف السنة 1929 قامت السلطات الرسمية بحملة جديدة على الحزب، ليس فقط في شانغ هاي وإنما أيضا في أتين اتسين، المدينة الصناعية في شرق الصين، وكانت الضحايا بالعشرات واعتقلت الشرطة أحد معاوني كانك شينك المقربين وهو ليي اكزاو وواجه التعذيب بصبر وشجاعة، دون أن ينطق بكلمة واحدة تفيد الشرطة وهو بهذا التصرف الرائع قد أنقذ روح مسئوله، كانك شينك، الذي يعرف عنه كل شيء. قيل أن كانك شينك قد أقسم على أن يبقى وفيًا له إلى الأبد نتيجة لشجاعته. بعد ذلك بأكثر من ربع قرن سنجد ليى اكزاو نائبا لوزير الخارجية في وفد شو ان لاي الذي وقع اتفاقيات جنيف الشهيرة عام 1954.

السنة 1930 كانت سنة الثعبان الصينية وستكون مفعمة بالتغيرات والأحداث الفجائية والعادية. من تلك العادية، في كل يوم تطلع فيه الشمس، سقوط مجموعة من الثوريين  في أيدي نظام اتشانك كاي شك. فرض ذلك الوضع المتزايد في الخطورة أجراءات أمنية مشددة على قيادات الحزب: منع مغادرة مخابئهم في النهار، الحد الشديد من الاجتماعات، إقامة نظام فوق سري لعناصر الصلة. العنصر الوحيد الذي لم تطبق عليه هذه الإجراءات هو مسؤول التنظيم والعمليات الخاصة، كانك شنيك، الذي يجوب المدينة طولا وعرضا ، من اتصال سري الى آخر لأن تنكره الدائم وفعاليته ورباطة جأشه سمحت له أن يحصل على مركز بائع التذاكر في شركة اتراموي للنقل البريطانية، أما في الليل فيتفرغ للاجتماعات الحزبية. كان كانك شينك يفضل إعطاء مواعده في فندق "اكران موند"، جنة الألعاب والأعياد الدائمة والدعارة وجميع أنواع الانحلال الخلقي. في هذا المكان القذر بالنسبة للثوريين يوزع كانك شينك التعليمات والرسائل. في تلك الظروف المخيفة والخطيرة اعتقل مسئول التنظيم كانك شينك نفسه! ولكن من يعرف اسم كانك شانك الحقيقي؟ ليس الشرطة قطعا. من يعرف علاقات كانك شينك وعناصره المدسوسة داخل الجهاز الرسمي؟ لا أحد غيره.

بعد أيام من الاعتقال تم إطلاق سراحه... ما المكيدة وما السبب؟ ردا على هذه الأسئلة يكتفي مسئول التنظيم بابتسامة متمادياً في الكتمان، الأسلوب الوحيد الممكن بالنسبة لمملكة الظل التى هو سيّدها. 

لا يزال الأمين العام للحزب، لي ليسان، مستمرا في فرض استراتيجيته: الانتفاضة مهما كلف الثمن، فأصبح ما يعرف في تاريخ الحزب بـ خط لي ليسان لا يطاق وصار انعقاد مؤتمر ضرورة ملحة. اُقصي لي ليسان وعُيّن وانغ مينغ أمينا عاما للحزب. في تلك الأيام وضعت شرطة الجنرال اتشانك كاي شك يدها على منظمتين للحزب – أكثر من 800 مناضل – من بينهم عناصر قيادية وأعدم هؤلاء المناضلون جميعا وفي مقدمتهم شن دي كسيى، أول أمين عام للحزب كما عُثر على مطابع وأوكار سرية ومستودعات من الثقافة الثورية واكتُشفت خيوط الاتصال بين مدينة شانغ هاي والقواعد الريفية المسلحة، وعلاقات أساسية مع التجار وأصحاب الفنادق والمطاعم كانت غطاء للعمل السري نسجها ببراعة وصبر شو ان لاي ورفاقه.

بدلا من أن يتراجع نشاط الحزب أو تنهار معنوياته، لم يزده ذلك إلا تصميما ومزيدا من البراعة في التخفي والسرية والفعالية.

في تلك الظروف المأساوية، ظهر كو، رئيس " الحرس الأحمر"  ـــ الفرق القتالية للحزب ـــ وأحد نواب شو ان لاي، في العلن تحت إسم: كوانزي، تمجده إعلانات وصيحات الترويج "كأكبر المشعوذين وسيّد الغرائب والأسرار" واستمر رواجه لعدة شهور، ترافقه خلية حزبية متنكرة، في القلب المتعفن لمدينة شانغ هاي، فندق "اكران موند" ، يسلي كبار الرجعيين والملاعين الغربيين، يصفقون لأعتى أعدائهم، "صفقوا، تقول مقدمة الحفل، هذا الساحر الشرقي الأكبر كوانزي!"

في السنة 1931، التي بدات ببشائر تفاؤل، تحت إسم عام الحصان، بعد سنة الثعبان، لا تكفي الأرقام ولا النوعيات لحصر الخسائر في الجانب الثوري. في "باب الصين" أو "باب الشرق" – شانغ هاي – تفاعل شو ان لاي مع تلاحق ضربات الأقدار بهدوء رهيب وقرر، يساعده كانك شينك، إعادة بناء جهاز الحزب السري لَبِنَةً لبِنَة. لم تمض شهور حتى صار متسولو وأطفال الشارع التائهون مخبرين لكانك شينك، وساحبو العربات الآسيوية والباعة المتجولون سُعَاةُ بريد له. ومع أن المسألة لا تصدق ، حصل كانك شينك، الزعيم المتمرد المطلوب راسه، بفضل لباقته الفائقة وذكائه المفرط وتفوقه المصطنع في التزلف على منصب الكاتب الخاص لأكبر بورجوازي في شانغ هاي، "المكرم" عند جميع الغربيين في الصين وعند نظام الجنرال اتشانك كاي شك الرجعي، السيد يوكيا كنغ. بهذه الطريقة وصل فعلا كانك شينك إلى كهف النمر، و"كيف تأخذ أبناء النمر إذا لم تصل إلى كهفه" كما يقول المثل الصيني. صار مسئول التنظيم الثوري في قلب المافيا يأخذ معلوماته من المصدر مباشرة. لن يكون من المفاجئ لأي أحد، بعد التصفيات المتلاحقة للرفاق المناضلين بالآلاف والخطر الدائم والداهم، أن يكون الساعد الأيمن لـ اشو ان لاي فقد كل براءته وأن يقدم على أقصى أنواع المخاطرة وأن يضطر إلى تجريب حظه: إما المشنقة وإما الظفر في مهمته. العمل المزدوج الذي يمارسه ليس رياضة بنات يافعات وهو أدرى الناس بذلك.. أي خطأ في أية لحظة مدمر وقاتل. عليه ، قبل كل ميزة أخرى، أن يبرهن على برودة أعصاب وموهبة في التخفي خارقتان للعادة. كان عليه أن يخبر المناضلين المهددين قبل فوات الأوان، وأن يحافظ على الوثائق السرية وأن يدبر إقامة قادة الحزب وتحركهم وتهريبهم إذا دعت الضرورة. كان يساعده في هذه المهام الدقيقة شن يون الذي سيستمر في قيادة الحزب العليا حتى نهاية الثمانينات!

من أخطر عمليات التهريب التي قاما بها عملية تهريب شو ان لاي نفسه، الذي أصبحت حياته معلقة بخيط هزيل، مطوق وصورته في كل مكان ورأسه مطلوب مقابل منحة مغرية في مجتمع الفساد والانحطاط. هرّباه إلى قاعدة ماو اتسي تونغ الريفية المسلحة. خرج شو ان لاي متنكرا كراهب مسيحي، وكان ذلك التنكر في مكانه حيث تخلى منذ فترة قليلة اتشانك كاي شك عن الديانة الوطنية الصينية وتقّرب إلى الغربيين باعتناق المسيحية. 

بعد مدة قصيرة، بدأ تهريب جميع أعضاء اللجنة المركزية للحزب نحو قاعدة ماو اتسي تونغ الحمراء، تاركين إلى الأبد أمل تفجير ثورة المدن على الطريقة الروسية. لم يبق في شانغ هاي، في مطلع السنة 1932، إلا اثنين من أعضاء اللجنة المركزية، هما كانك شينك ولي زو شنك. لم تنته السنة حتى أصبح ضغط نظام كيو مينتانغ رهيبًاعلى الجهاز السري وكأنه أنشوطة متحركة تضيق كل يوم عليهما، فتلقيا الأمر بمغادرة الصين والالتحاق بموسكو.

منذ انتفاضة 1927 وقمعها الوحشي، زاد عدد مناضلي الحزب بأفواج كثيفة بلغت مائة وعشرة ألاف عضو، إلا أن تغييرا استراتيجيا جذريا أصبح ضرورة حياتية. 

كان ماو اتسي تونغ هو أول من أدرك، بعد فشل الانتفاضات العمالية بشانغ هاي وكانتون، عام 1927، هذه الحقيقة واستخلص شيئين أساسيين، أولا: اكتشاف المخزون الثوري الذي يمثله الفلاحون، ثانيا: ضرورة الكفاح المسلح من أجل إقامة الثورة وتحقيق التحرير من السيطرة الأجنبية، إلى درجة أن نظرة الحزب تحررت من القوالب الجامدة والدغماتية، وأصبحت في حقيقتها، صياغة قوية بين القومية الصينية والماركسية  - اللينينية ونداء واقعيا مؤثرا في نفوس الصينيين من أجل العمل الثوري. إذا اكتفينا بالنظرية الجامدة وحتمية القوانين الاقتصادية فإن الصين الريفية والفلاحية، في نهاية العشرينات، وهي شبه خالية من البروليتاريا ونقيضها الملازم الطبقة الرأس مالية المستغِلة، فإنها ليست ناضجة للثورة، وهذا المأزق المنطقي لا يمكن التسليم به. بالعكس من ذلك فإن الحزب الشيوعي الصيني رفض هذا الجمود العقائدي وركّز على العنصر الإرادي في النظرية وعلى قدرة الإنسان على خلق تاريخه الذاتي.

جاءت أطروحة لينين حول "الامبريالية: المرحلة الأخيرة من الرأس مالية" تدعم بشكل مناسب إلى حدّمَا هذه التصورات. لأن كون الصين فريسة للاستغلال الأجنبي، يجعلها، موضوعيا ، في نفس الوضع الثوري الذي توجد فيه ابروليتاريات الدول الصناعية، إذا الثورة الوطنية من أجل التحرر والثورة الاجتماعية من أجل المساواة –الاشتراكية بتعبير أدق – تتطابقان.

في ظرف تاريخي واجتماعي أساسي كهذا، فإن إحداث وثبة شعبية هو خضوع لقوانين التاريخ.

بعد حملات التصفية الساحقة لم يبق في المدن إلا نواة خفيفة مركّزة ومحصنة هنا، وهناك. التحق جميع المناضلين بالكفاح المسلح في الأرياف. ولكن حمل السلاح في الأرياف ليس نزهة وكما يقول ماو اتسي تونغ "لكي تصل إلى قمة جبل تيشان وأنفك في السماء عليك أن تعاني أولا".

بعد فترة قليلة طوق العدو البؤر الثورية الريفية، بدورها، وتجدد المأزق على نمط آخر. إلا أن ماو اتسي تونغ ورفاقه قرروا تطبيق خطة جريئة، بل خارقة للعادة، وهي الهجرة على مدى آلاف الكيلومترات من الجنوب حيث يوجدون وتوجد المدن الكبرى وتتركز قوات اتشانك كاي شنك إلى الشمال الصيني. يقول أبو الإستراتيجية وفن الحرب سن اتزو ـــ الذى عاش قبل ألفين وخمس مائة سنة ـــ " إذا أُعطيّ للعدو حبل طويل بما فيه الكفاية يحدث كثيرا أن يشنق به نفسه".

اثنين, 21/07/2025 - 12:10