
حين تطرح الدعوة لجلب الاستثمارات الاجنبية و حمايتها في سياق أوضاع دول ضعيفة التفاوض فهذه ببساطة دعوة للنهب والاستغلال؛ فالاستثمار الأجنبي اذا كان مركزا مثلا على الحفر في باطن الارض وليس على متطلبات البشر فوقها، فهو نهب غير مشروع، لا سيما في أجواء يغيب فيها الوعي السيادي حتى لدى النخب التي يفترض فيها رصيد علم، وخميرة وطنية .
لا تعد الاستثمارات في الثروات المصيرية غير المتجددة في ظروفنا اليوم تنمية، بل فرصة لنهبها والرحيل بها الى الخارج وتوزيع بعض الفتات على المحامين في شكل عقود للدفاع عن هذه الشركات وفي شكل عمولات للسماسرة واكراميات لبعض النافذين والسياسيين والصحافة الابتزازية.
واذن فالحديث عن حماية المستثمرين الأجانب والمحافظة على الاستثمارت دون الحديث عن حماية سيادة الشعوب وحقوق الأجيال القادمة هو شكل جديد من أشكال التواطؤ الناعم مع النهب المعولم.
ما نحتاجه ليس مجرد تدفق رأس المال، بل تدفق المعرفة، والتكنولوجيا، والعدالة في توزيع العائدات، ما نحتاجه هو شراكات تُبنى على الندية لا على تبعية خبراء القانون وانحياز المفاوضين المحليين للشركات الناهبة تحت ذرائع جلب الاستثمارات .
إن كل دفاع عن الشركات الناهبة التي تسحب من بلادنا سنويا أطنان الذهب والنحاس والسمك والغاز مقابل حفنة من الدولارات توزع على القادرين على حمايتها واستمراريتها هو خيانة مقنعة تُلبس رداء القانون، لكنها عارية من أي أخلاق وطنية.
ان كل الوطنيين المخلصين يؤمنون بضرورة التروي، بل حتى تجميد جميع الاتفاقيات المتعلقة باستغلال الموارد الباطنية حتى تتضح الحقائق كاملة حولها، وحول قيمتها وفرص الاستفادة منها بأقصى درجة، ليس على المستوى المادي النفعي المباشر فحسب بل على مستويات أخرى كثيرة ،فهذه الثروات ملك للأمة لا يجوز التصرف فيها بقرارات مرتجلة أو تحت ضغط لوبيات دولية، بل و لا يكفي الحديث عن الشفافية والإجراءات القانونية ، مثل نقاشات البرلمان ،لاضفاء القبول الشعبي عليها، فقد بات من المعروف أن كثيرًا من البرلمانيين و الخبراء ومكاتب الدراسات هم موظفون ومستشارون لدى هذه الشركات المستفيدة.
لقد أصبح من الضروري بناء معرفة وطنية مستقلة حول حجم هذه الموارد، وتأثيراتها على الديناميكيات البيئية والاجتماعية، والكف عن مطلقية التصرف فيها الا بعد اشتشارة الشعب على شكل استفتاء محدود أو موسع ، او في ظل شرعية لا لبس فيها تقوم على انجاز كبير يفرض الثقة الشعبية بشكل لا خلاف حوله.
فالموارد الكبرى المصيرية لا تُمنح هكذا على وجه الاستعجال، وتحت وهم جلب الاستثمار، بل تُصان بالتروي والتنوير ، والسكوت على هذا الغموض والاستغلال المريب خيانة لأبنائنا وأحفادنا



.jpeg)

.jpeg)