
تبدو موريتانيا اليوم وهي تواجه المستجدات الدولية كما لو أنها تمشي على حبال مشدودة فوق فوهات وأخاديد مفتوحة على المجهول، فلا هي مستقرة على موقف مغاربي صلب، ولا هي مندمجة بالكامل في محيطها الإفريقي، ولا هي منسجمة أو مرنة ضمن فضاء الساحل المتوثب، ثم إن موقعها الجغرافي المحرج عند تقاطع هذه الفضاءات جعل منها ساحة مفتوحة لتجاذبات القوى الكبرى: الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، بالاضافة الى فرنسا التي لم تغب يومًا عن المشهد رغم تراجع سطوتها وألقها في هذه الفضاءات .
وقد اهتدت موريتانيا – ربما بدافع الحذر وغريزة الصحراء – الى نهج صعب من التوازن بين المتناقضات، جعلها تبدو كمن يمشي على الحبال، لاتريد أن تميل بشكل صريح نحو محور دون آخر، ولا تريد أن تغلق بابًا في وجه أحد. بل أصبحت، إلى حدّ ما، "العنصر الصالح للجميع"، وهي سياسة نادرة في زمن الاستقطاب الحاد، ولكنها أيضا محكومة بقواعد المناطق الرمادية .
و مع ذلك فإن سياسة المشي على الحبال لا يمكن أن تكون غاية في ذاتها، بل يجب أن تُفضي في نهاية المطاف إلى مكسب جوهري ملموس، لا مجرد كسب خواطر المتنافسين أو البقاء في منطقة برزخية بين القوى والكتل الدولية المسيرة لعلاقات العالم ومصالحه؛ إذ لا بد لأي دولة مهما كانت ومهما كان شأنها من طموحات كامنة، ونظرات إلى المستقبل تتجاوز حدود الجغرافيا الخشنة إلى أحلام القوة والتقدم في سباق الحياة.. وموريتانيا اليوم تحتاج إلى حضور أكبر على مسرح القارة، وإلى دور قيادي يعكس عبقرية موقعها الجغرافي وعمقها الحضاري المزدوج، وهذه الطموحات لا تتحقق عبر المشي المتوازن على الحبال المشدودة، ولا بالقدرة على تجنب الزوايا الحادة، أوالهروب من المواقف المحرجة، بل تتطلب جسارة و إستراتيجية تحرك تترك أثرا وتبتدع طرقا ومسارات يقبلها الاخرون أو يرفضوها، وتتطلب كذلك شراكات عليا مع اللاعبين الكبار وليس مع وكلائهم المفوضين.
إن قوة الدول اليوم لم تعد تُقاس فقط بما تتجنبه من أزمات، بل بما تخلقه من وقائع جديدة على الأرض، وما تفرضه من تصورات في الأذهان ؛ وموريتانيا قادرة، إن أحسنت استغلال موقعها ورصيدها الرمزي، أن تتحول من حد الحبل إلى مركز الثقل، ومن كائن سياسي مُحاط بالمخاطر، إلى فاعل يوزعها ويوجهها لصالحه.
ومن المؤكد أنه في ظل الأجواء والأضواء التي خلقتها دعوة موريتانيا من قبل الرئيس الامريكي ترامب ضمن فريق إفريقي مختار فإن الفرصة لطرح رؤية وطنية واضحة أمام العالم وأمام صانع القرار الأميركي فرصة مواتية جدا ،فالبلد الذي يقف على بوابة الأطلسي الجنوبية، ويمتد ظله الجغرافي والثقافي في قلب الصحراء، عليه أن يوضح لأميركا كيف يفكر في موقعه والدور الذي يمليه هذا الموقع وكيف أنه يعي تماما عدم واقعية الانحياز لروسيا أو الصين بالرغم من المكاسب الكبيرة المرجوة والمحتملة من وراء ذلك، ولكن موريتانيا بحكم حساسيتها الأطلسية ومواجهة سواحلها المباشرة للفضاء الأميركي ليست في حل جيوسياسي من أمرها، ومع ذلك فهي تدرك أيضًا أنها باتت من الناحية العملية، جارة لروسيا المتواجدة بشكل صلب وحقيقي في مالي وبقية دول الساحل.
إن هذا الواقع الجديد يُحتم بلا شك انتهاج رؤية تقوم على احترام الحساسية الأطلسية من جهة ثم الاستثمار في البر الساحلي بظروفه الجديدة التي خلقها الوجود الروسي بشكل متزن فيه فهم لحساسية المكان وفيه بر ووفاء كذلك بالروابط الساحلية المتجذرة .
إن هذه المعطيات الجيو سياسية الجديدة تفرض على موريتانيا الانتقال من رؤيتها التقليدية لذاتها كجسر واصل بين العالم العربي والعالم الإفريقي كما يردد كل أحد إلى كونها أصبحت اليوم وصلة أطلسية أعرض وأخطر، مهيأة لربط الساحل في مرحلته الروسية المطلة برأسها بالقارة الأمريكية في غرب الأطلسي، وتنسيق الحوار في منطقة جنوب الأطلسي، ومن المؤكد أن هذا التحول العميق في معنى الجغرافيا لا يمكن أن يُدار بالأدوات القديمة، بل يستدعي إعادة تقدير شامل للموقف، وإعادة رسم خطوط التحرك بعينٍ استراتيجية يقظة، وجسورة، تعي وزن اللحظة وإيقاعها المتسارع..



.jpeg)

.jpeg)