لماذا تحدثنا عن العشرية وعن النهج كثيرا! (2)

 تعالوا بنا إذن نستعرض وضعية البلاد قبل هذه " العشرية السوداء " ووضعيتها التي تسلمها عليها اليوم حكم جديد لم يكن بالطبع غريبا على تلك العشرية ولم يكن خارجها، بل كانت له أدواره البارزة والحساسة خلالها، وهو بذلك الأدرى بما كان عليه البلد قبلها وما أصبح عليه بعدها، وبالتالي فليس استعراضنا لتلك الأوضاع موجها لرئيس الجمهورية محمد والشيخ الغزواني شخصيا لأنه الأدرى بها، وبما سيبني عليه وينطلق منه ويستعين به من مكتسباتها الكثيرة في برنامجه وخططه وسياساته، بل إنه موجه لألئك الساعين لتصوير تلك العشرية كحقبة ليس من المقبول ممن يعد الموريتانيين بغد أفضل ذكرها بأي خير، وإلا كان غير جاد ولا يحمل الجديد للبلد ومواطنيه! لكن من هو ذلك الأبله الذي ينتظر تقييما مؤتمنا موضعيا لحقبة من طرف خصومها الراديكاليين؟!

(*) فسياسيا، وبعد " عشرية سوداء " لن يجد رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني وضعية البلاد سياسيا وحقوقيا على تلك الوضعية التي وجدها عليها هو ورفيقه الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، حيث نظاما يترنح في لجة من الأزمات السياسية والإقتصادية والأمنية والحقوقية، وحيث الإئمة والدعاة خلف القضبان، وحيث الممنوعون من دخول البلاد بالعشرات حقوقيون وسياسيون، وحيث مقص الرقابة شغالا وسكينها على الرقاب، وحيث الساسة المعارضون ما بين خارج للتو من المحاكمة ببطاقة حمراء تمنع عليه ممارسة السياسة لخمس سنوات ( أحمد ولد داداه )، أومحكوم بالمؤبد ( صالح ولد حننه )، أوهارب بجلده خارج البلاد ( جميل ولد منصور )، أومحلول حزبه لأسباب ملفقة لاجئ لحزب آخر لتشريع عمله السياسي ( مسعود ولد بلخير )، أومُحاور لنظام ولد الطايع ( اتحاد قوى التقدم ) لمجرد قبوله إصدار بطاقة تعريف غير قابلة للتزوير مع أنها " قبلته "، أو أرغمت على قبوله في أول استحقاق بعد إصدارها، لأن تزوير الانتخابات من عدمه إرادة وليس بطاقة..! 

(*) وأمنيا لن يجد رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الغزواني البلد على تلك الوضعية التي وجدها عليها هو ورفيقه الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، حيث الجيش نصفه مسرح عجزا من الدولة عن دفع رواتبه بل وكسوته ونفقاته، ونصفه الباقي في الخدمة أعزل لا يمتلك رصاصة يدافع بها عن نفسه ولا سيارة ينسحب على متنها عن العدو، وبعد أول حادثة اعتداء عليه ذبحا في " لمغيطي " تتذكرون أن الحل كان هو الطلب من رجال الأعمال شراء سيارات للجيش! وليت التهديدات بقيت على الحدود والأطراف فقط ولم تقتحم قلب العاصمة ويُلعلع الرصاص بشوارعها ضحى بين قوات الأمن والمتشددين، كما لا نزال نتذكر ذلك " الحدث البارز " الذي اعتُبر في تلك الفترة حدثا تاريخيا غير مسبوق وهو مجرد تزويد قطاع الشرطة بملابس جديدة! فأين ذلك الوضع مما هو عليه اليوم بعد هذه " العشرية السوداء " حيث جيش عصري مُجهز ومدرب يحمي الحدود ويشارك في البناء الوطني تشييدا وصحة وتعليما، ويستغني عن خدمات كتائب منه تساهم في مهمات حفظ السلام خارج الحدود تتلقى الأوسمة والتكريمات على شجاعتها وحسن تدريبها وأدائها؟! طبعا ستظل كل المجالات في حاجة لتطوير، ومن ضمن تلك المجالات وضعية وجاهزية الجيش الوطني، ولكن لن يحتاج رئيس الجمهورية محمد الشيخ ولد الغزواني اليوم لتلك الموارد الملحة التي سيتم إعطاء الأولوية فيها لإنقاذ جيش أعزل مُحطم المعنويات كتلك الأولوية التي كانت قائمة وملحة سنتي 2005 و 2008!

(*) وغير بعيد عن الأمن ومقتضياته ومتطلباته لن يجد رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني وضعية البلاد على الوضعية التي وجدها عليها الرئيس السابق السيد محمد ولد عبد العزيز قبل هذه " العشرية السوداء " حيث الأوراق والوثائق الرسمية من شهادات ميلاد وجنسية وبطاقات تعريف وجوازات سفر بضاعة في يد السماسرة تُباع للأجانب بثمن بخس على قارعة الطريق، ولن يحتاج لموارد جديدة ولا حتى لتصور جديد لإنشاء حالة مدنية جديدة، ما سيحتاجه هو متابعة ومواصلة السهر على برنامج للوثائق المدنية عصري ومؤمن يضبط الحالة المدنية ويساهم في التنمية والأمن، وتتقاطر بعثات بلدان المنطقة على البلد للإستفادة منه ونقل منهجيته وتقنياته.

(*) ودبلوماسيا لن يجد رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني وضعية البلاد على تلك الحالة التي وجدها عليها الرئيس السابق محمد ولد العزيز قاريا وإقليميا ودوليا كبلد خجول دبلوماسيا منكمش على نفسه، غائب من المحافل الدولية حيث تُنسج العلاقات ويُسمع الصوت وتنشأ المكانة الدولية، بل سيباشر قيادة بلد فاعل في إقليمه مسموع الصوت في قارته، معروفا ومُعترفا بمكانته ودوره من طرف العالم والقوى الفاعلة فيه، حريص على التوازن في علاقاته كلما كان ذلك غير متعارض مع سيادته ومصالحه، فسياسة " الصفر مشاكل " خرافة دبلوماسية حاولتها بعض البلدان وروَّجت لها ولكنها فشلت في اعتمادها ووجدت نفسها في مائة مشكلة، ذلك أن من ينطلق في علاقاته الدولية من سيادته ومصالحه في عالم متكالب على المصالح والنفوذ لن يتأتي له اعتماد التوازن المطلق في علاقاته الدولية، وإذا كانت سياسة " الصفر مشاكل " خرافة دبلوماسية، فإن سياسة اللا محاور أو الحياد التام هي الأخرى ليست بعيدة من ذلك في عالم اليوم، فحتى في الاتحاد الأوروبي محاور وبلدان أقرب في سياساتها فيما بينها من بلدان أخرى، بل وأقرب في تلك السياسات لقوى إقليمية خارج الاتحاد، ونفس الشيء في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.. وحتى لو كنا نحن اليوم في المحور الذي يريده لنا البعض كي " يُغني " على سياستنا الخارجية طربا لها، فإننا في النهاية سنكون في محور قد يرى ذلك البعض أنه هو محور الحق و" الفرقة الناجية " وأنه هو مكاننا المناسب.. لكن هناك من يرى غير ذلك. وعموما فالسياسة الخارجية لأي بلد هي من اختصاص حكومته وتقديراتها، وليس من اختصاص أحزابه وجماعاته وارتباطاتها، لأن الأحزاب والجماعات جزء من كل هو البلد والعكس غير صحيح.        

 (*) لن يجد رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني وضعية البلاد ماليا واقتصاديا على تلك الوضعية التى وجدها عليها هو ورفيقه الرئيس السابق السيد محمد ولد عبد العزيز، والتي وصفها الرئيس الراحل المرحوم أعلي ولد محمد فال ب "البقالة المليئة بالعبوات منتهية الصلاحية "، ولا على الوضعية التي تلت ذلك والتي جلس خلالها الرئيس الأسبق سيدى ولد الشيخ عبد الله في مقابلة مع التلفزيون الوطني وقال إن الدولة فالسة وليست لديها أية موارد، وليس أمامها سوى الاقتراض لحل مشاكلها، وفي الحقيقة فإننا لم نكن في حاجة لتلك الشهادات والأوصاف لأن الواقع يصفها ويتحدث عنها، حيث مؤشر رصيد الخزينة لدى البنك المركزي دائم الإحمرار، والرصيد من العملة الصعبة هزيل، ورواتب الموظفين تُستلف من البنوك الخصوصية بفوائد عالية نهاية كل شهر أو حتى شهرين وثلاثة، وحيث مجرد إقامة المراحيض والحنفيات العمومية ينتظر التمويل الخارجي..!

وليست تلك الوضعية هي وضعية البلد اليوم ماليا واقتصاديا، حيث خزينة بها فائض مالي تُمنح منه الرواتب الإضافية للجيش وقوات الأمن، وتصرف قرابة 175 مليار أوقية كل نهاية شهر ودون تأخير لكافة العمال والموظفين، وتكتتب آلاف الموظفين الجدد، ورصيد من العملة الصعبة بمليار دولار، والدولة تمول المنشآت من مواردها الذاتية مدارس ومعاهد ومستشفيات وموانئ وشبكات مياه ومزارع وقنوات ري وسدود، بل ومحاور طرقية بعشرات المليارات.. سيقولون لك إن الدولة خلال هذه " العشرية السوداء " حصَّلت من الموارد ما لم تُحصله في تاريخها.. فما الذي كان يمنع من تحصيل تلك الموارد من قبل، وهل كانت ذهبا أمطرته السماء بدون جهود أو تدبير وترشيد ومن ثم توجيهها للاستثمار العمومي فيما ينفع الناس ويمكث في الأرض  ؟!

(*) لن يجد رئيس الجمهورية محمد السيد محمد ولد الشيخ الغزواني وحكومته البلد في الوضعية التي وجده الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز عليها قبل هذه " العشرية السوداء " حيث كبريات مدنه مطوقة بالعشوائيات بعمر عشرات السنين والتي ظلت كل الأحكام تخاف وتهاب اقتحامها، وذلك بعد تخطيط وتأهيل وتمليك ما يزيد على 120 ألف قطعة أرضية في هذه المدن وتزويدها بما أمكن من خدمات أساسية على ميزانية الدولة أيضا ودون فلس واحد أجنبي، بعد أن ظل تخطيط تلك الأحياء يُنفذ بالتقطير بتخطيط حي كل عشر سنوات انتظارا لدعم فني وتمويل خارجيين، ورمي سكانه الأصليين في أحزمة خارج المدينة ومنح أمكنتهم للسماسرة والغرباء! وبذلك لن تكون أولوية الحكومة اليوم هي تغيير تلك المظاهر البائسة، وإنما مواصلة تزويد هذه الأحياء بما لا زالت تحتاجه من خدمات.

محمدو ولد البخاري عابدين

 

اثنين, 26/08/2019 - 13:09