
تقرير اقتصادي | أقلام
رغم التحسن الملحوظ في مؤشرات المديونية الموريتانية خلال السنوات الأخيرة، تكشف أحدث بيانات صندوق النقد الدولي أن انخفاض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي لم يصاحبه تراجع مماثل في الحجم الفعلي للديون الخارجية، التي ظلت تدور حول أربعة مليارات دولار، في وقت يُتوقع أن ترتفع فيه مجددًا خلال السنوات المقبلة.
ويعيد هذا التباين إلى الواجهة سؤالًا بشأن طبيعة التحسن الذي تسجله المالية العامة الموريتانية: هل يعكس انخفاضًا حقيقيًا في التزامات الدولة تجاه دائنيها، أم أنه ناتج بالأساس عن توسع حجم الاقتصاد وارتفاع الناتج المحلي الإجمالي؟
وجاء تجدد النقاش عقب تصريحات أدلى بها الوزير الأول المختار ولد اجاي، مساء الأحد 18 أكتوبر، أكد فيها أن مديونية موريتانيا تمر بأفضل فتراتها، مشيرًا إلى أن نسبة الدين الخارجي بلغت نحو 32% من الناتج المحلي الإجمالي، وأن أقل من 15 دولة إفريقية تتمتع بوضعية أفضل من موريتانيا في هذا المجال.
ودافع ولد اجاي عن سياسة تعبئة التمويلات لإنجاز مشاريع البنية التحتية والخدمات الأساسية، موضحًا أن الحكومة لا تعتمد على الاقتراض وحده، وأن نحو 80 مليار أوقية قديمة من تمويل المشاريع التي شملتها جولته في نواكشوط جرت تعبئتها من الموارد الوطنية.
تراجع واضح في النسب
تؤكد بيانات صندوق النقد الدولي وجود تحسن فعلي في مؤشرات المديونية خلال السنوات الأخيرة، إذ انخفضت نسبة الدين العمومي إلى الناتج المحلي الإجمالي من 47% في نهاية 2023 إلى 43.5% نهاية 2024، ثم إلى 39.9% نهاية 2025.
أما الدين الخارجي العمومي، فقد تراجعت نسبته من 40.6% من الناتج المحلي الإجمالي نهاية 2023 إلى 36.9% نهاية 2024، ثم إلى 33.1% نهاية 2025، وفق تقديرات الصندوق المنشورة في يونيو 2026.
وتشير التوقعات إلى أن هذه النسبة قد تستقر عند نحو 33.3% في 2026، قبل انخفاضها إلى 32.9% خلال 2027.
وتمثل هذه الأرقام تحسنًا في الوزن النسبي للديون مقارنة بحجم الاقتصاد، وهو مؤشر مهم لقياس قدرة الدولة على تحمل التزاماتها المالية.
لكن قراءة الأرقام بالقيمة المطلقة تقدم صورة أكثر تعقيدًا.
أربعة مليارات دولار لم تتغير كثيرًا
بحسب الجداول التي نشرها صندوق النقد الدولي، بلغ رصيد الدين الخارجي العمومي لموريتانيا نحو 4.047 مليارات دولار نهاية 2023، وارتفع إلى 4.058 مليارات دولار نهاية 2024، قبل أن ينخفض بصورة طفيفة إلى 4.033 مليارات دولار نهاية 2025.
وبذلك لم يتجاوز انخفاض أصل الدين الخارجي بين نهاية 2024 ونهاية 2025 نحو 25 مليون دولار، أي أقل من 1% من الرصيد الإجمالي، رغم تراجع نسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي بعدة نقاط مئوية.
ويتوقع الصندوق أن يعود الدين الخارجي للارتفاع إلى نحو 4.052 مليارات دولار نهاية 2026، ثم إلى 4.290 مليارات دولار في 2027.
وهذا يعني أن التحسن المسجل في نسب المديونية لم ينتج أساسًا عن تخفيض كبير في المبالغ المستحقة على موريتانيا، وإنما ارتبط بدرجة مهمة بارتفاع الناتج المحلي الإجمالي الذي تُقاس المديونية على أساسه.
تأثير الغاز ونمو الاقتصاد
يساعد التوسع الاقتصادي على خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، حتى في الحالات التي يبقى فيها أصل الدين ثابتًا أو يرتفع بصورة محدودة.
فإذا كان بلد ما مدينًا بأربعة مليارات دولار، ويبلغ ناتجه المحلي الإجمالي عشرة مليارات دولار، فإن نسبة الدين تصل إلى 40%. أما إذا ارتفع الناتج إلى 12 مليار دولار، مع بقاء الدين عند مستواه السابق، فإن النسبة تنخفض تلقائيًا إلى نحو 33.3%، دون أن يكون البلد قد خفض أصل الدين.
وفي الحالة الموريتانية، استفاد الناتج المحلي الإجمالي الاسمي من توسع النشاط الاقتصادي، بما في ذلك دخول مشروع السلحفاة الكبرى آحميم مرحلة تصدير الغاز خلال 2025، إلى جانب أنشطة القطاعات الأخرى.
غير أن زيادة الناتج المحلي الإجمالي لا تعني بالضرورة ارتفاعًا مماثلًا في الإيرادات المتاحة للخزينة العامة، خصوصًا أن جزءًا من القيمة المضافة في القطاعات الاستخراجية يذهب إلى تغطية تكاليف الاستثمار والتشغيل وحصص الشركات الأجنبية.
ولذلك فإن قدرة الدولة على سداد ديونها تتوقف أيضًا على مستوى الإيرادات الضريبية وغير الضريبية، وعائدات الصادرات، واحتياطيات النقد الأجنبي، وليس على حجم الناتج المحلي الإجمالي وحده.
خدمة الدين.. العبء الذي لا تظهره النسب
يتجاوز تقييم المديونية حجم الرصيد القائم ليشمل تكلفة خدمته السنوية، أي الأقساط والفوائد التي تلتزم الدولة بسدادها للدائنين.
وبحسب تحليل استدامة الدين الصادر عن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في يونيو 2026، بلغت خدمة الدين الخارجي العمومي نحو 359.7 مليون دولار خلال 2025، بينما يُتوقع أن تصل إلى 370.9 مليون دولار في 2026، ثم 383.1 مليون دولار خلال 2027.
وتشكل هذه المدفوعات التزامًا ماليًا متواصلًا، حتى مع تحسن المؤشرات النسبية للمديونية، لأنها تتطلب تخصيص موارد كان يمكن توجيهها إلى مجالات أخرى، لولا الالتزامات القائمة.
ومع ذلك، لا تمثل كل مدفوعات خدمة الدين استنزافًا صافيا للموارد، إذ يمكن إعادة تمويل بعض الاستحقاقات، كما أن طبيعة القروض وآجالها ومستويات فوائدها تؤثر بصورة كبيرة في العبء الفعلي الذي تتحمله الخزينة العامة.
ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين القروض الميسرة طويلة الأجل، التي توفر تمويلًا بشروط تفضيلية، والقروض التجارية ذات التكلفة المرتفعة وآجال السداد الأقصر.
التزامات خارج حساب الدين العمومي
تتضمن تقارير المؤسسات المالية الدولية معطيات أخرى تستحق الانتباه، تتعلق بديون بعض المؤسسات العمومية التي لا تدخل بالكامل ضمن رصيد الدين العام المعتمد في المؤشرات الرئيسية.
ومن أبرز هذه الالتزامات قرض حصلت عليه الشركة الموريتانية للمحروقات لتمويل مشاركتها في مشروع الغاز المشترك «السلحفاة الكبرى آحميم»، وبلغ رصيده نحو 567.8 مليون دولار نهاية 2025، أي ما يعادل 4.7% من الناتج المحلي الإجمالي.
ولا يصنف صندوق النقد الدولي هذا القرض ضمن الدين العمومي المضمون في السيناريو الأساسي، لكنه يأخذه في الاعتبار ضمن الالتزامات المحتملة عند تقييم المخاطر المالية.
ويشمل تحليل المخاطر كذلك بعض التزامات الشركة الوطنية للصناعة والمناجم غير المضمونة حكوميًا، إلى جانب المخاطر المرتبطة بالشراكات بين القطاعين العام والخاص.
ولا تعني هذه المعطيات أن جميع ديون المؤسسات العمومية ستتحول تلقائيًا إلى التزامات على ميزانية الدولة، لكنها تبرز أهمية متابعة المخاطر التي قد تواجه المالية العامة في حالات التعثر أو الصدمات الاقتصادية.
مديونية مستدامة ولكن المخاطر قائمة
رغم استمرار حجم الدين الخارجي عند مستويات مرتفعة بالقيمة المطلقة، لا يصنف صندوق النقد الدولي موريتانيا ضمن الدول التي تواجه خطرًا مرتفعًا للتعثر في سداد ديونها.
فقد أبقى التحليل المشترك للصندوق والبنك الدولي، الصادر في يونيو 2026، مستوى مخاطر المديونية الخارجية والعمومية عند درجة «معتدلة»، مع وجود هامش لاستيعاب الصدمات.
واعتبر التقرير أن الدين الموريتاني يظل مستدامًا وفق السيناريو الاقتصادي الأساسي، لكنه حذر من مخاطر مرتبطة بتقلب أسعار المعادن والطاقة، وتراجع الصادرات، والكوارث المناخية، والتوترات الأمنية والإقليمية.
وتبرز هذه المخاطر في اقتصاد تعتمد إيراداته الخارجية بدرجة كبيرة على صادرات الحديد والذهب والغاز، وهي منتجات تتأثر أسعارها بالأسواق الدولية.
ومن ثم، فإن استمرار تحسن مؤشرات المديونية يظل مرتبطًا بقدرة الاقتصاد على المحافظة على النمو، وتنويع مصادر الإيرادات، والتحكم في الاقتراض، وتوجيه التمويلات نحو مشاريع ذات مردودية اقتصادية واجتماعية.
مولاي ولد سيد احمد



.jpeg)

.jpeg)