نتنياهو يلجأ لتخويف الإسرائيليين لينتخبوه.. رغم أنه فشل في حمايتهم من أكبر كارثة حلت بهم في التاريخ

لم يعد السؤال كيف يقنع بنيامين نتنياهو الإسرائيليين بالتصويت له في الانتخابات المقبلة المقررة يوم 27 أكتوبر الجاري، بل كيف يجرؤ على ترشيح نفسه أصلاً ومطالبتهم بانتخابه قبل أن يقدّم كشف حساب شفافاً عن الكارثة التي حلت بهم في السابع من أكتوبر عام 2023 وما أعقبها من كوارث أمنية وسياسية واقتصادية ودولية على كافة الأصعدة! 

أستغرب بأيّ وجه يعود إليهم؟ وبأيّ إنجازات؟ وكيف يواصل تسويق نفسه حارساً لأمن إسرائيل، فيما يمثّل السابع من أكتوبر انهياراً مدوّياً لوعوده بتوفير الأمن والحماية التي بنى عليها أمجاده وزعامته...؟ 

شخصٌ جعل الأمن ماركته السياسية حصرياً، وشدد وأكد وكرر آلاف المرات أنه البند الأهم (إن لم يكن الأوحد) في كل أجنداته السياسية والحزبية والانتخابية! وها هو يتبرأ من المسؤولية حين تسقط هذه الماركة في اختبارها الأخطر! بل أخذ يتوارى تهرباً من تبعات هذه الكارثة غير المسبوقة خلف القيادات العسكرية والأمنية والاستخبارية؛ فأقال وزير الدفاع يوآف غالانت، ثم أتبعه رئيس الأركان هرتسي هاليفي، ورئيس الشاباك رونين بار، ورئيس الاستخبارات العسكرية (أمان) الأسبق الجنرال أهارون هاليفا، وألحق بهم قائد القيادة الجنوبية الجنرال يارون فينكلمان، والجنرال أوديد باسيوق رئيس هيئة العمليات، وقائد فرقة غزة الميجور جنرال آفي روزنفيلد، وقائد القوات البرية تامير يادعي وغيرهم وغيرهم. 

يعني أن كل قادة الجيش والاستخبارات والمؤسسات الأمنية مسؤولون عن كارثة السابع من أكتوبر، إلا نتنياهو! فهو يريد التبرؤ من كل عيب أو خطأ، ويريد فقط أن تكون أي إنجازات باسمه، أما الكوارث فبأسماء الآخرين! من كان هذا دأبه فليس قائداً شجاعاً! 

القائد الحقيقي هو من يتجرأ على الاعتراف بالأخطاء بلا تردد، ولا يتهرب من المسؤولية والتبعات، ولا يهاب العواقب مهما كانت، قبل أن يفخر بالإنجازات. 

وفي سياق ذي صلة، هناك تقارير عن تحذيرات سبقت الهجوم بعدة أيام قدمها لنتنياهو شخصياً عبر اتصال هاتفي رئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد، وكذلك تحذيرات مماثلة قدمها رئيس المخابرات المصرية عباس كامل؛ إلا أن هذه التحذيرات — على الرغم من أهميتها وموثوقيتها — واجهت حملة استنكار شرسة من نتنياهو والدائرة المحيطة به لخطورة إهمالها. وكان الأجدر بدلاً من الاستنكار (المزيف) الدعوة إلى تحقيق مستقل يحدّد ما الذي عرفته القيادة، ومتى وكيف، وماذا فعلت؟ لكن نتنياهو دفع إلى إبعاد هذا الخيار بذريعة الحرب؛ فأيّ معنى للقيادة والزعامة إذا كانت الكارثة نفسها تتحول إلى مبرّر لتأجيل محاسبة المسؤولين عنها؟ 

الكارثة التي سببها نتنياهو للإسرائيليين لم تتوقف عند الإخفاق الأول يوم 7 أكتوبر 2023 فقط، بل في الفاتورة الباهظة التي دفعها الإسرائيليون وما زالوا من اقتصادهم الذي تدهور إلى الحضيض؛ فوصل الدين العام في أول عامين من الحرب إلى ما يقارب 170 مليار دولار، أي حوالي 69% من إجمالي الناتج القومي. ناهيك عن فقدانهم لأمنهم واستقرارهم، وتركهم لمستعمراتهم، ولجوئهم إلى المخابئ طوال أشهر، بما في ذلك تعطيل أعمالهم ودراستهم وتنقلاتهم وكافة أنشطتهم، أضف إلى ذلك هروب مئات الآلاف منهم إلى الخارج بلا عودة لفقدانهم الأمل بالمستقبل والحياة المرفهة التي كانوا يحلمون بها ومن أجلها فقط قدموا إلى فلسطين! 

أضف إلى ذلك صورتهم أمام العالم؛ فقد أصبحوا مكروهين أينما حلوا، لدرجة أنهم لا يتجرأون على البوح بجنسيتهم في الخارج، لأن ذلك كفيل بلفظهم وطردهم وتجنبهم وكأنهم "جرب"، كما قال أحد أهم صحفييهم. 

وحتى الدعم الخارجي لا يصلح شهادة براءة؛ فتأييد ترامب، مهما علا صوته، لا يعيد الثقة إلى من فقدها، ولا يمحو إخفاقاً، ولا يقدّم جواباً عن سؤال المسؤولية. ليست الانتخابات الإسرائيلية مسابقةً في الحصول على تزكية من رئيس أمريكي، والزعيم الذي يحتاج إلى استعارة شرعيته من الخارج يظل مطالَباً بتفسير حصيلته في الداخل. 

الأمر نفسه ينطبق على علاقة إسرائيل بالعالم؛ فلا تستطيع حكومة أن تتعامل مع كل انتقاد بوصفه مؤامرة، ومع كل اعتراض بوصفه عداءً، ثم تشكو تراجع التعاطف معها. وليس كل من يرفض سياساتها جاهلاً بالمخاطر أو منحازاً إلى خصومها او معاد للسامية؛ فثمة فرق بين الدفاع عن دولة، ومنح حكومتها حصانة أخلاقية وسياسية من أي مساءلة. 

عليه، يحق للناخبين أن يسألوا عمّا بقي من وعود الحياة الآمنة والمرفهة عندما يطلب نتنياهو منهم التصفيق له وانتخابه، حين يعيد تغليف الخوف وإدخال الرعب إلى قلوبهم وتسويق ذلك في خطاباته الانتخابية على أنه هو القادر الوحيد على حمايتهم، وأنهم سيموتون وتنتهي دولتهم إذا صوتوا لغيره! نعم هذا ما قاله: "تصويتكم لغير الليكود يعني إقامة دولة فلسطينية، مما من شأنه أن يكون خطراً وجودياً على إسرائيل"، وقال إن "تصويتكم لغيري يعني أنكم تصوتون لضعفاء ليس لديهم خبرة، والتصويت لغيري يعني امتلاك إيران قنبلة نووية، فلولا أنني دمرت البرنامج النووي الإيراني لكنتم أمواتاً"، ويتمنن عليهم أنه صاحب الفضل في بقائهم أحياء حتى اليوم، وقال: "عليهم الاختيار بين بيبي والطيبي"، وغير ذلك من مثل هذه التهديدات. 

وهنا يمارس أحقر أنواع الابتزاز السياسي الذي يتقنه بجداره؛ فهو لا يطلب من الإسرائيليين أن يحتكموا إلى إنجازاته، بل يريدهم أن يرتعبوا من رحيله، وأن يقتنعوا بأن منافسيه خطر، والبديل عنه ذهاب إلى المجهول، وغيابه تهديد. ويصور نفسه أنه ليس مجرد رئيس حكومة يمكن استبداله كمن سبقوه، بل يقدم نفسه على أنه شرطٌ لاستمرار الدولة في الوجود وبقائهم على قيد الحياة! 

نتنياهو لا يريد أن يتذكر الناخب ما وقع فعلًا في عهده، بل يريد بأسلوب وضيع — من خلال التهديد والتخويف للناخبين — أن يمنحوه رصيداً سياسياً مفتوحاً مقابل أخطار افتراضية هو من أوجدها ويحرص على تنميتها وتضخيمها، فيما يصرف الأنظار عن الكوارث التي ألحقها بالإسرائيليين بأعذار جاهزة. كلما سُئل عما حصل في عهده المشؤوم، بضاعته الوحيدة الحديث عن التهديد، وكلما اقترب من الاستحقاق، يلجأ إلى الزعم بخطورة خصومه على الرغم من أنهم — بلا استثناء — كانوا شركاء له وعملوا معه جنباً إلى جنب. 

الناخب ليس غبياً ولا ساذجاً، وبالطبع سيردّ على مزاعم نتنياهو بسؤال بسيط ولكنه جوهري: إذا كنتَ أنت الضمانة الوحيدة لأمن المجتمع والدولة كما تقول، فأين كنت حين وقعت الكارثة في 7 أكتوبر؟ وإذا كان الجميع عاجزين من دونك، فأين كفاءة أجهزة الدولة التي حكمتها أنت كل هذه السنوات؟ وإذا لم يكن البديل عنك إلا الانهيار، فأيّ نجاح تدّعيه في بناء المؤسسات الحكومية إذا كانت لا تستطيع العمل من دونك؟ 

 

 

آخر الكلام:

القيادة التي تستحق الثقة لا تجعل المجتمع رهينةً لوجودها، وهي التي تتحمل المسؤولية وتقبل المساءلة حتى لو أطاحت بها، وهي التي تؤمن أن الدولة أكبر من مستقبل زعيمها السياسي. 

لهذا، لا ينبغي أن يُسمح لنتنياهو بأن يفرض على الناخب السيناريو الذي يناسبه: «عليكم أن تخافوا مما سيحدث بعدي». السؤال الذي يستحق أن يلاحقه هو: «ماذا حدث في عهدك؟ ولماذا لم تتهرب من تحمل المسؤولية؟ ولماذا ترفض تشكيل لجنة تحقيق مستقلة للتحقيق فيما حدث في السابع من أكتوبر 2023 وما بعده؟ ولماذا علينا انتخابك؟». 

ذلك هو الفرق بين انتخابات تُبنى على المحاسبة وانتخابات تُختطف بالخوف... لأنك فشلت في ضمان أمننا كما لم يفشل قبلك أحد قط، ومن يفشل في حماية الناس لا يحق له أن يجعل خوفهم حجةً لبقائه. 

المؤكد أن نتنياهو يستميت في إعادة انتخابه (وهذا شبه مستحيل وفقاً لكافة استطلاعات الرأي)، وذلك ليس من أجل أن يضمن حماية الإسرائيليين كما يدعي — فقد فشل في ذلك وهو يعرف ذلك جيداً — ولكن هدفه أن يضمن بقاءه خارج السجن! 

الأحد 18 أكتوبر الجاري أعرب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن دعمه لنتنياهو، وجاء ذلك بعد نحو يومين من تصريح لترامب لصحفي سأله: "هل تثق بنتنياهو؟" فقال بوضوح: "أنا لا أثق بأي أحد". 

عموماً، ترامب لا يتمتع بشعبية في بلده؛ فشعبيته هي الأدنى لرئيس أمريكي في السلطة في التاريخ، ووفقاً لاستطلاعات الرأي هنا في الولايات المتحدة سيمنى حزبه الجمهوري بخسارة مزلزلة في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس المقررة في الثالث من شهر نوفمبر المقبل (أي بعد حوالي أسبوعين) بسبب سياساته وما نتج عنها من أوضاع اقتصادية وارتفاع حاد في الأسعار. فكيف لمثل هذا أن يشفع لنتنياهو المأزوم الذي يلهث من أجل مثل هذه المسكنات لعل وعسى؟ ذكرني موقف ترامب بمقولة شهيرة للرئيس المصري الأسبق أنور السادات "إتلم المتعوس على خايب الرجا"، رغم التحفظ على السياق الذي وردت فيه. 

 

د. سمير الددا

[email protected]

اثنين, 19/10/2026 - 08:58