تأجيل الانتخابات الفلسطينية.. حماية للمشروع الوطني أم حماية لمصالح الطبقة الحاكمة...؟

لم يكن قرار الرئيس الفلسطيني محمود عباس تأجيل الانتخابات التشريعية المقررة في 28 نوفمبر 2026 إلى 11 سبتمبر 2027، وضم الانتخابات الرئاسية إليها، مجرد تعديل إداري في روزنامة الاستحقاقات الانتخابية. فالقرار، بما يحمله من دلالات سياسية ودبلوماسية، يثير أسئلة تتجاوز موعد الاقتراع إلى طبيعة النظام السياسي الفلسطيني، ومصالح الطبقة الحاكمة، ومستقبل الإصلاح المؤسسي، ومصداقية التعهدات التي قدمتها القيادة الفلسطينية للمجتمع الدولي.

والأخطر أن التأجيل يأتي في لحظة تاريخية بالغة الحساسية، تشهد فيها القضية الفلسطينية مواجهة تحديات وجودية غير مسبوقة، وتزايداً في الاعتراف الدولي بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة،وشعور يتزايد فلسيطينيا وعربياً بفشل القيادة الحالية في تمثيل الشعب الفلسطيني بمستوى لائق وتحمل الحد الادنى من مسؤولياتها خصوصاً تجاه الكوارث الرهيبة التي تعرض لها اهالي قطاع غزة خلال الحرب التي شنها الكيان الصهيوني البغيض على القطاع طوال السنوات الثلاثة الماضية وفشلها ايضاً في الافادة من المتغيرات الدولية الايجابية الهائلة التي نتجت عن تلك الحرب والتي دفع اهالي القطاع دماءهم وابناءهم وامالهم ومستقبلهم وكل ما يمكلون ثمناً لها, وترجمتها الى انجازات سياسية حقيقية ملموسة على الارض.

لعل أهم هذه المتغيرات الدولية كانت المبادرة الفرنسية–السعودية التي أسهمت في حشد اعترافات دولية مهمة بالدولة الفلسطينية العتيدة، والمعروف ان هذه المبادرة اشترطت او استندت إلى تعهدات الرئيسعباس بإجراء انتخابات وإصلاح مؤسسات السلطة.....وهذه نقطة يجب القوقف عندها مطولاً....

للوقوف على أبعاد هذا الامر، ينبغي العودة إلى التاسع من يونيو 2025، عندما تعهد الرئيس عباس، في إطار مراسلاته السياسية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بتنفيذ إصلاحات سياسية ومؤسسية، وإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية ديمقراطية وشفافة خلال عام، تحت إشراف دولي, لم تكن هذه التعهدات تصريحات سياسية عابرة، بل أصبحت جزءاً من التفاهمات التي رافقت المبادرة الفرنسية–السعودية لإحياء حل الدولتين وتعزيز فرص الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية.

وعليه, في يوليو 2025، انعقد المؤتمر الدولي الرفيع المستوى بشأن التسوية السلمية للقضية الفلسطينية وتنفيذ حل الدولتين، برئاسة مشتركة من فرنسا والمملكة العربية السعودية، وأفضى إلى «إعلان نيويورك»، الذي تضمن التزامات تتعلق بإصلاح مؤسسات الحكم الفلسطيني، وتعزيز الشفافية والحوكمة، وإجراء الانتخابات.

وقد رحبت الفقرة الثانية والعشرون من إعلان نيويورك صراحة بتعهد الرئيس عباس تنظيم انتخابات عامة ورئاسية خلال عام، بإشراف دولي، بما يسمح بالمنافسة الديمقراطية وإتاحة الفرصة أمام جيل جديد من الممثلين المنتخبين.

وفي 12 سبتمبر 2025، أيدت الجمعية العامة للأمم المتحدة إعلان نيويورك بأغلبية 142 دولة، قبل أن يعلن الرئيس الفرنسي ماكرون، في 22 سبتمبر، اعتراف فرنسا رسمياً بدولة فلسطين.

وبذلك أصبحت الانتخابات جزءاً موثقاً من المسار الدبلوماسي الذي ربط الاعتراف بالدولة الفلسطينية بقدرة مؤسساتها على الإصلاح وتجديد شرعيتها, اي الانتخابات لم تعد استحقاق وطني فقط, بل استحقاق دولي بموجب اعلان نيويورك وقرار الامم المتحدة.

ومن هنا تأتي خطورة قرار التأجيل, فهو لا يتعلق باستحقاق انتخابي داخلي فحسب، بل يتصل أيضاً بمدى وفاء القيادة الفلسطينية بتعهدات تم الاعتماد عليها لتعبئة التأييد الدولي لمشروع الدولة, ويكفي تأمل التحول في الموقف الفرنسي خلال ثلاثة أشهر لفهم حجم الضرر الدبلوماسي المحتمل.

ففي العاشر من يوليو 2026، رحبت وزارة الخارجية الفرنسية بتحديد موعد الانتخابات التشريعية الفلسطينية في 28 نوفمبر، وأشادت بالخطوة بوصفها تنفيذاً لتعهدات الرئيس عباس أمام ماكرون، وأكدت استعداد باريس لدعم العملية الانتخابية بالتعاون مع الشركاء الأوروبيين.

أما في الحادي عشر من أكتوبر الجاري، بعد قرار الرئيس عباس تأجيل الانتخابات، أصدرت الخارجية الفرنسية بياناً أعربت فيه عن أسفها للقرار، واعتبرت أنه يحرم الفلسطينيين مجدداً من التعبير الديمقراطي عن إرادتهم, ولم تكتف باريس بالاستياء، بل دعت القيادة الفلسطينية صراحة إلى إعادة النظر في القرار، وتنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية في أقرب وقت ممكن.

واللافت أن البيان الفرنسي أكد "أن تجديد الشرعية الديمقراطية الفلسطينية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحفاظ على حل الدولتين، وأن استمرار الدعم الفرنسي لبناء مؤسسات الدولة الفلسطينية يتطلب الوفاء بالتعهدات المقدمة في إطار مسار الاعتراف".

هنا تكمن المفارقة السياسية, فرنسا التي دافعت عن حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة، وجدت نفسها مضطرة إلى مطالبة القيادة الفلسطينية باحترام حق الشعب الذي تمثله في انتخاب حكامه, وبلغة السياسة, يعني ذلك أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية لا يعني منح قيادتها تفويضاً مفتوحاً أو إعفاءها من المساءلة الديمقراطية.

وهذا تمييز ينبغي أن يكون بديهياً: فالدولة ملك لشعبها، وليست ملكاً للسلطة التي تديرها، والاعتراف الدولي بحق شعب في الاستقلال لا يمنح أي قيادة الحق في الاستمرار إلى أجل غير محدود دون تجديد تفويضها الشعبي.

هذا من جهة, ومن جهة اخرى, لا يمكن فصل قرار التأجيل عن أزمة الثقة الشعبية التي تواجها القيادة الفلسطينية, فوفقاً لنتائج استطلاع المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، الذي أُجري في الضفة الغربية وقطاع غزة خلال الفترة من 5 إلى 8 أغسطس 2026، بلغت نسبة المطالبين باستقالة الرئيس عباس 79%، فيما اعتبر 83% أن الفساد مستشري في مؤسسات السلطة، ورأى 65% أن السلطة الفلسطينية أصبحت عبئاً على الشعب الفلسطيني, كما أظهرت النتائج أن 44% من المستطلعين لا يرون في فتح أو حماس جهة تستحق قيادة الشعب الفلسطيني وتمثيله، وهو مؤشر إلى أن أزمة الثقة تتجاوز الانقسام التقليدي بين الحركتين الرئيسيتين.

السؤال الذي يتبادر الى الذهن, كيف يمكن لنظام سياسي يواجه كل هذا القدر من السخط الشعبي أن يقدم على اجراء انتخابات حقيقية ستؤدي الى خسارته واقصاءه عن السلطة...؟ وهل يمكن تجاهل احتمال أن يكون الخوف من نتائج الانتخابات عاملاً مؤثراً في حسابات أصحاب قرارالتأجيل؟

ومن هنا تثار الشكوك حول الدوافع الحقيقية وراء قرار تأجيل الانتخاباتخصوصاً مع عدم تقديم تفسير ومبرر "مقنع" يتجاوز العبارات العامة مثل ظروف الاحتلال ومال الى هنالك....!!!!

لكن هناك ثمة سؤال أكثر حساسية لا يمكن تجاوزه, هل باتت الانتخابات تهدد مصالح الطبقة الحاكمة، بحيث يصبح تأجيلها الخيار السياسي الأقل كلفة بالنسبة إليها؟

فخسارة السلطة، في أي نظام سياسي، لا تعني فقط فقدان القدرة على اتخاذ القرار، بل قد تعني أيضاً خسارة شبكة واسعة من المناصب والنفوذ والامتيازات والعلاقات الاقتصادية والإدارية التي تتشكل حول مؤسسات الحكم بمرور الزمن.

وفي الأنظمة التي تغيب عنها الرقابة البرلمانية المنتخبة لفترات طويلة، تتضاعف أهمية هذا السؤال، لأن استمرار المسؤولين في مواقعهم قد يصبح مرتبطاً بالتعيين والولاء السياسي أكثر من ارتباطه بتفويض شعبي متجدد.

وهنا تبرز فرضية لا يجوز استبعادها من التحليل السياسي: أن بعض المستفيدين من الوضع القائم قد ينظرون إلى الانتخابات باعتبارها تهديداً لمواقعهم ومصالحهم، لا باعتبارها استحقاقاً ديمقراطياً طبيعياً.

بل إن الأمر قد يتجاوز فقدان المناصب إلى احتمال فتح ملفات الرقابة والمساءلة المتعلقة بإدارة المال العام والتعيينات والامتيازات والمخالفات المشتبه بها، إذا أفضت الانتخابات إلى قيادة جديدة تتبنى برنامجاً جاداً للإصلاح ومكافحة الفساد.

ولا يعني ذلك أن المسؤولين الحاليين مدانون بالفساد، أو أن الملاحقة القضائية ستكون نتيجة تلقائية لأي تغيير سياسي؛ فالاتهامات الفردية لا تثبت إلا بالأدلة والتحقيقات والقضاء المستقل. لكن احتمال إخضاع ممارسات المؤسسات العامة للمراجعة والمحاسبة هو أحد النتائج الطبيعية لتداول السلطة.

ولذلك فإن السؤال عن وجود مصالح شخصية أو مؤسسية تدفع بعض أصحاب النفوذ إلى مقاومة التغيير ليس تجنياً، وإنما سؤال يتعلق ببنية الحكم نفسها.

فحين تمتد إقامة المسؤولين في مناصبهم سنوات طويلة دون تجديد انتخابي، وتغيب الرقابة التشريعية الفاعلة، يصبح من الضروري التساؤل عما إذا كانت مؤسسات السلطة لا تزال تعمل باعتبارها أدوات لخدمة المجتمع، أم أن الحفاظ على استمرارية النخبة الحاكمة بات هدفاً قائماً بذاته.

ولعل أخطر ما قد يصيب حركة تحرر وطني هو أن تتحول مؤسساتها تدريجياً من أدوات لتحقيق استقلال الشعب إلى هياكل تنشغل بالدفاع عن بقائها ومصالح القائمين عليها.

فعندئذ قد يصبح تداول السلطة تهديداً لأصحاب المناصب، حتى وإن كان ضرورة وطنية للمجتمع.

والمفارقة أن كثيراً من المسؤولين الذين يتحدثون باسم الشعب الفلسطيني لم يحصلوا على تفويض انتخابي مباشر ومتجدد، بينما تظل سلطة اتخاذ القرارات المصيرية مركزة في مؤسسات تفتقر إلى الرقابة الشعبية الدورية.

إن الشرعية التاريخية أو النضالية، مهما بلغت أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلاً دائماً عن الشرعية الديمقراطية.

فالمناصب العامة والامتيازات المرتبطة بها ليست بالضرورة مكافآت على تضحيات نضالية او مساهمات وطنية، وهذه لها تقديرها ولها احترامها, ولكن الثائر البطل ليس بالضرورة رجل دولة ناجح, وليس بالضرورة ان يكون له حقوقاً مكتسبة مدى الحياة, والتضحيات تفقد قيمتها السامية اذا ما اصبحت بمقابل.

تجدر الاشارة الى ان آخر انتخابات رئاسية فلسطينية تعود إلى يناير 2005، وآخر انتخابات تشريعية إلى يناير 2006, ومنذ ذلك الحين، دخل النظام السياسي الفلسطيني سلسلة متواصلة من الأزمات، بدأت بالصراع بين فتح وحماس وما أعقبه من انقسام سياسي وجغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، ثم تعطيل المجلس التشريعي، وصولاً إلى استمرار الحكم بالمراسيم الرئاسية, وقد انتهت الفترة الأصلية للولاية الرئاسية لعباس منذ سنوات طويلة، واستمر الجدل بشأن الأسس القانونية والسياسية لاستمرارها في ظل الانقسام وغياب انتخابات جديدة, ثم جاءت محاولة تنظيم انتخابات عام 2021، التي انتهت بدورها إلى التأجيل، وسط خلافات بشأن القدس الشرقية والظروف السياسية, وها هي انتخابات 2026 تلحق بالمصير ذاته, ومع تكرار التأجيل، لم يعد السؤال مقتصراً على الظروف الاستثنائية التي تحول دون إجراء الاقتراع، بل أصبح يتعلق بمدى قدرة النظام السياسي نفسه على العودة إلى قواعد التداول الديمقراطي.

فإذا كانت الانتخابات تُؤجل بسبب الاحتلال، وإذا كان الاحتلال مستمراً، فهل يعني ذلك أن حق الفلسطينيين في اختيار ممثليهم سيظل معلقاً إلى حين انتهاء الاحتلال؟

وهل يجوز أن يتحول الاحتلال، الذي يحرم الفلسطينيين من حقهم في السيادة والاستقلال، إلى سبب إضافي لحرمانهم من حقهم في المشاركة السياسية؟

إن استمرار هذا الوضع ينطوي على مفارقة خطيرة: شعب يناضل منذ عقود من أجل تقرير مصيره، لكنه لا يستطيع ممارسة حقه بصورة دورية في اختيار من يتحدثون باسمه ويديرون مؤسساته.

لا شك أن الاحتلال الإسرائيلي يفرض قيوداً حقيقية وخطيرة على إمكان تنظيم انتخابات فلسطينية حرة وشاملة.

فالقدس الشرقية تخضع للسيطرة الإسرائيلية، والضفة الغربية تعاني انتشار الحواجز والتوسع الاستيطاني والاقتحامات العسكرية، بينما تواجه غزة دماراً واسعاً وظروفاً إنسانية وأمنية بالغة التعقيد.

وقد استند قرار التأجيل إلى هذه العقبات، بما في ذلك القيود المتعلقة بدخول المواد الانتخابية والمراقبين إلى قطاع غزة.

ولا يجوز التقليل من شأن تلك الظروف، أو التعامل معها كما لو أن الفلسطينيين يعيشون في دولة مستقلة ذات سيادة كاملة تستطيع تنظيم انتخاباتها بمعزل عن تدخل قوة الاحتلال.

لكن الاعتراف بهذه الحقيقة لا ينبغي أن يعفي القيادة الفلسطينية من تقديم إجابات واضحة وخصوصاً انه تم اجراء انتخابات سابقة في ظل ظروف الاحتلال نفسها تقريباً واكثر من مرة في عهد الزعيم الراحل ياسر عرفات وتلك التي جاءت بمحمود عباس 2006 , السؤال المطروح, ما الذي سيختلف تحديداً في سبتمبر 2027؟

هل تمتلك السلطة ضمانات بأن القيود الإسرائيلية ستزول أو تتراجع بحلول ذلك الموعد؟

وإذا لم تكن هناك ضمانات، فلماذا أصبح التأجيل هو الحل، بدلاً من وضع خطة عملية ودبلوماسية لمواجهة العقبات، والاستفادة من استعداد فرنسا والاتحاد الأوروبي للمساعدة في تنظيم الانتخابات ومراقبتها؟

 

أخر الكلام:

من النتائج المقلقة للتأجيل أنه يوفر مادة سياسية إضافية للاطراف التي تعارض إقامة الدولة الفلسطينية أو تسعى إلى التشكيك في قدرتها على بناء مؤسسات مستقرة وشرعية, فالحكومة الإسرائيلية، التي تعارض قيام دولة فلسطينية مستقلة وتواصل سياسات الاستيطان وتوسيع السيطرة على الأراضي المحتلة، يمكن ان توظف ضعف الشرعية الانتخابية الى جانب الانقسام لإسناد خطابها الرافض لحل الدولتين, ولا يعني ذلك أن هذا الخطاب يصبح صحيحاً، أو أن غياب الانتخابات يبرر استمرار الاحتلال, فحق الفلسطينيين في تقرير المصير لا بتأثر بتاتاً بسبب إخفاقات قيادتهم، كما أن الاحتلال نفسه هو أهم العوائق أمام بناء المؤسسات الديمقراطية المستقلة.

لكن العلاقات الدولية لا تحكمها المبادئ القانونية وحدها، بل تتأثر أيضاً بالمصداقية السياسية والقدرة على كسب الرأي العام والتحالفات الدولية.

ومن هذه الزاوية، قد يجد المؤيدون للاعتراف بالدولة الفلسطينية أنفسهم مضطرين إلى الدفاع عن مشروع سياسي يواجه تناقضاً واضحاً بين التعهدات الإصلاحية التي قُدمت باسمه وبين استمرار تأجيل الانتخابات.

ولعل هذا ما يجعل الموقف الفرنسي شديد الأهمية.

أخيراً, باريس لم تتخل عن اعترافها بفلسطين، لكنها ميزت بصورة واضحة بين دعم الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية، وبين تقييمهالالتزامات القيادة الفلسطينية وإصلاحاتها.

 

د. سمير الددا

[email protected]

ثلاثاء, 13/10/2026 - 09:55