
لا يمكن تقييم البنك المركزي الموريتاني كما لو أنه بدأ العمل من نقطة الصفر. فالقطاع المالي والمصرفي راكم اختلالات وممارسات امتدت لعقود، وبعضها يرتبط ببنية الاقتصاد، والبنوك التجارية، والخزينة، وأجهزة الرقابة، وليس بالبنك المركزي وحده.
لذلك فإن كشف النواقص لا يعني بالضرورة فشل الإصلاح. فقد يكون ظهورها بوضوح دليلًا على أن المؤسسة بدأت فتح ملفات كانت مؤجلة، وتشخيص اختلالات كان يجري التعايش معها، ووضعها ضمن مسار قابل للمتابعة.
تقارير صندوق النقد الأخيرة تقدم صورة مركبة: فهي تسجل تقدمًا في تحديث السياسة النقدية، وإدارة السيولة، وتطوير سوق الصرف، وتقوية الرقابة المصرفية، لكنها تؤكد أيضًا أن هذه الإصلاحات لم تكتمل وأن القطاع ما يزال يحتاج إلى رقابة أكثر صرامة وأسواق مالية أعمق.
ومنذ تولي محمد الأمين ولد الذهبي قيادة البنك المركزي، اتجهت المؤسسة إلى تطوير أدوات السياسة النقدية وتقليص فائض السيولة، وتحسين سوق الصرف، ومنح التعاملات بين البنوك دورًا أكبر، بدل الاعتماد الواسع على تدخل البنك المركزي كمصدر للعملات الأجنبية.
غير أن نجاح هذه الإصلاحات لا يقاس بعدد التعاميم والقرارات، بل بقدرتها على إنتاج سوق أكثر شفافية، ونظام مصرفي أكثر صلابة، ورقابة يصعب الالتفاف عليها.
ومن غير المنصف تحويل كل ملاحظة فنية إلى إدانة مباشرة للمحافظ، كما أنه ليس موضوعيًا تجاهل أوجه القصور القائمة. التقييم العادل يجب أن يميز بين اختلالات موروثة، وبين طريقة تعامل الإدارة الحالية معها.
السؤال الأهم، إذن، ليس ما إذا كانت هناك نواقص، بل ما إذا كان البنك المركزي يتحرك فعليًا في اتجاه معالجتها. والمؤشرات المتاحة تقول إن مسار الإصلاح قائم، لكنه ما يزال طويلًا، ونجاحه الحقيقي سيقاس بما يتركه من أثر دائم على استقرار النظام المالي وكفاءة الاقتصاد.
أقلام



.jpeg)

.jpeg)