
قد لا تكون إسرائيل قد تعرضت لهزيمة عسكرية تقليدية، وقد تكون لا الولايات المتحدة قد رفعت غطاءها السياسي والعسكري عنها، وقد يكون التحالف الاستراتيجي بينهما الذي تراكم عبر عقود من التعاون العسكري والاستخباراتي والتكنولوجي ما زال قائماً، ولكن هناك تحولاً ملفتاً في غاية الأهمية يجتاح المجتمع الأمريكي بشكل متسارع وبوتيرة تدعو للدهشة.
إن التحول الذي يعول عليه ليس ذلك الذي يقع على إثر معركة هنا أو هناك، ولا في قانون يصدر في أروقة الكونغرس ويمكن إعادة النظر فيه، أو حتى ليس في قرار يصنع في دهاليز البيت الأبيض يمكن إلغاؤه بقرار آخر، بل ذلك التحول الذي يجري على البيئة السياسية الحاضنة، أي داخل المجتمع الأمريكي نفسه.
نعم إن التغير الأهم في تقديري هو الذي يحدث داخل تلك البيئة الشعبية التي كانت تحتضن إسرائيل بلا ضوابط ولا حدود، والتي كانت تدفع النخب السياسية “لعبادة ما يمكن وصفه بـالصنم الإسرائيلي”، بل أجازت تجنيد كل مقدرات وإمكانيات الولايات المتحدة (القطب الأوحد الذي يتزعم النظام العالمي القائم) لضمان التفوق العسكري له على كل دول منطقة الشرق الأوسط مجتمعة وتوظيف النفوذ الأمريكي الهائل لحمايته المطلقة من المساءلة القانونية والسياسية والدولية، كما زودته بكل وسائل التفوق العلمي والتكنولوجي والاقتصادي وأمدته بكل ما يخطر على البال ليتمكن من الاستمرار في الوجود على أرض مغتصبة تعود لشعب آخر رغم إرادة أهلها وبقوة السلاح والقتل والدمار والإبادة والتآمر.
نعم، إن القوة الإسرائيلية المفرطة لا تنبع من قدرات ذاتية؛ فالعمود الفقري لتفوق إسرائيل هو الدعم الأميركي العسكري والمالي والتكنولوجي اللامحدود واللامشروط……، غير أن الأصل الاستراتيجي الأثمن كان الإجماع الأميركي المطلق على دعمها بدون قيود وبشكل أعمى، لقد تغيّر رؤساء وتغير الكونغرس، وتنازع الجمهوريون والديمقراطيون حول الضرائب والهجرة والإجهاض والرعاية الصحية وأسعار الفائدة وغيرها، لكن الغريب العجيب أن إسرائيل بقيت دائماً فوق التنافس الحزبي التقليدي ولعلها البند الأوحد الذي يبصمون عليه بالإجماع بدون نقاش، ولهذا تكمن خطورة وأهمية السؤال الأخطر الذي بات يطفو على السطح، ما الذي سيصبح عليه شكل العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل حين يتغير كل ذلك…؟
من هذه الزاوية تُقرأ أهمية طبيعة التحولات السياسية التي تشهدها الولايات المتحدة في العامين الأخيرين، كنتيجة غير مباشرة للحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة، ولعل أبرزها بروز تيار يميني مؤثر انشق عن القاعدة الانتخابية الصلبة التي لعبت الدور الأكبر في وصول الرئيس ترامب للبيت الأبيض للمرة الثانية، هذا التيار الذي كان يدعم إسرائيل بلا أدنى تحفظ، بات اليوم يلح بقوة على إعادة النظر كلياً في العلاقة معها، وأبرز من يمثل هذا التيار إعلامياً تاكر كارلسون، وكانديس أوينز، وآنا كاسبريان وغيرهم كثيرين، وسياسياً، توماس ماسي ومارجوري تايلور غرين وغيرهم وأمنياً جو كينت وجون كرياكو وغيرهم.
ومن أبرز تداعيات تلك التحولات ما أسفرت عنه الانتخابات التمهيدية الأخيرة للكونغرس، ولا سيما فوز د. عبد الرحمن (عبدول) السيد بترشيح الحزب الديمقراطي لمقعد مجلس الشيوخ في ميشيغان. فدلالته لا تقتصر على انتصار مرشح تقدمي على منافسة مدعومة من المؤسسة الحزبية التقليدية ولوبيات ضخت ما يقارب 70 مليون دولار لمنع انتصاره، بل تتصل باختبار قدرة القوى المؤيدة لإسرائيل على توجيه الانتخابات ومعاقبة المرشحين الذين يخرجون عن الخط السياسي المألوف.
عبدول لم يكن الوحيد الذي كشف وبرهن على ارتخاء قبضة اللوبي الصهيوني على مجريات السياسة الأمريكية، فقد سبقه التقدمي زوهران ممداني لعمودية نيويورك أهم مدينة أمريكية بل ربما أهم مدينة في العالم والتي يسكنها أكبر جالية يهودية في العالم خارج فلسطين، وكذلك فوز كل من المعارضتين للدعم الأمريكي اللامحدود لإسرائيل دارياليزا أفيلا وكلير فالديز في الانتخابات التمهيدية للكونغرس في نيويورك رغم ضخ اللوبي الصهيوني الملايين ضدهما، وأيضاً فازت عائشة وهاب في كاليفورنيا رغم إنفاق اللوبيات الصهيونية حوالي 8 مليون دولار لدعم منافستها ميليسا هيرنانديز وكذلك آدم حموي في نيوجيرسي، وكذلك في إلينوي فاز كل من لاشون فورد ودانيال بيس على لورا فاين وميلسيا كونيرز-أرفين على التوالي المدعومتين من إيباك وكذلك فازت سمر لي في بنسلفانيا، كما يجب الإشارة إلى اكتساح إلهان عمر بحوالي 80% في مينيسوتا، وإعادة انتخاب رشيدة طليب في ميشيغان، وعبير قواس لمجلس شيوخ نيويورك، وغيرهم وغيرهم.
لا يمثل هؤلاء تياراً سياسياً واحداً، ولا تختزل برامجهم في القضية الفلسطينية فقط، غير أن صعودهم يعكس انتقال غزة من ساحات الاحتجاج والجامعات والاعتصامات إلى المجال الانتخابي، وهذه النقلة هي الأكثر إزعاجاً للمؤسسات السياسية التقليدية؛ فالتظاهرة تنتهي، والاعتصام يُفض، والطلاب يتخرجون، لكن السلوك الانتخابي يعيد تشكيل البيئة التي تفرز الساسة الذين بالضرورة عليهم السير وفقاً لتيارات تلك البيئة.
طوال عقود، رسخت في واشنطن قاعدة غير مكتوبة: مواجهة جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل قد تكلّف السياسي مستقبله، ولم تكن قوة هذه القاعدة قائمة على كمية المال الانتخابي فقط، بل على الخوف المسبق منه، فكثير من المرشحين مارسوا رقابة ذاتية على أنفسهم، وتجنبوا مواقف نقدية خوفاً من أن يصبحوا هدفاً لحملات منظمة، لذلك تتجاوز أهمية فوز ممداني وعبدول وإلهان عمر ورشيدة طليب وغيرهم كأشخاص بعينهم؛ ولكن فوزهم يرسل رسالة إلى سياسيين آخرين مفادها أن الخروج عن الخط التقليدي لم يعد بالضرورة طريقاً مؤكداً إلى الهزيمة، وأن النجاح يمكن تكراره خارج عباءة اللوبيات.
المعادلة التي كانت تحكم المزاج الانتخابي الأمريكي تتمثل في شرط بموجبه على المرشح تقديم فروض الطاعة للوبي الصهيوني والولاء اللامتناهي لإسرائيل كوصفة للفوز بمقعد في الكونغرس أو حاكم ولاية وغير ذلك، اليوم لم تعد هذه المعادلة قائمة في الكثير من الولايات الأمريكية، والدليل الأوضح على ذلك ما حصل لهالي ستيفنز في ميشيغان التي كانت تقول إنها تكرس حياتها لدعم وخدمة إسرائيل، بل بالغت كثيراً في إظهار تملقها فقالت: “إنها ترى إسرائيل في أحلامها”…. فإذا بها ترى كابوساً يلقي بها في قمامة التاريخ اسمه عبد الرحمن السيد، هذا إضافة إلى الأسماء التي أشرنا إليها سابقاً وكلهم فازوا رغم أنهم كانوا أهدافاً للوبيات الصهيونية، ولكن أصوات الناخبين كانت أقوى من أموال تلك اللوبيات.
اليوم لم يعد السؤال فقط، هل تؤيد إسرائيل أم تنتقدها؟ بل بات السؤال، ما الكلفة الانتخابية للدعم غير المشروط لإسرائيل؟
تمكنت إسرائيل طويلاً من التعايش مع تراجع شعبيتها في بعض دوائر اليسار، اعتماداً على صلابة دعم اليمين، لكن ظهور تيار محافظ يرفض الالتزامات الخارجية غير المحدودة يخلق تحولاً بنيوياً لا حزبياً فقط، فالمعادلة لم تعد يميناً مؤيداً ويساراً منتقداً، بل اعتراضاً يأتي من كافة الاتجاهات، اليسار يسأل، لماذا تموّل الولايات المتحدة سياسات يراها انتهاكاً لحقوق الإنسان والقانون الدولي؟، أما اليمين يسأل، لماذا يدفع الأميركيون ثمن حروب والتزامات خارجية لا تعود بالمنفعة عليهم؟
ورغم اختلاف الدوافع، يلتقي الطرفان عند نقطة واحدة، الخزانة الأميركية، ومن هنا يعود سؤال كان يُعد شبه محرّم في السياسة الأميركية، هل يمكن أن تتحول إسرائيل، في الحسابات الأميركية، من أصل استراتيجي إلى عبء استراتيجي؟
لا يعني ذلك أن واشنطن على وشك التخلي عن إسرائيل، فالروابط العسكرية والاستخباراتية والتكنولوجية والمؤسساتية بين الطرفين ما زالت قوية، كما أن إسرائيل تتمتع بنفوذ معتبر داخل النظام السياسي الأميركي، ولكن الجديد هو أن إسرائيل أصبحت موضوعاً قابلاً للطرح العلني، بعد أن ظلت لعقود طويلة غير قابلة للنقاش بأي شكل.
فالتحالف، في النهاية، ليس عملاً خيرياً؛ بل يقوم على تقدير المنافع والتكاليف، وإذا أضحى الدفاع عن إسرائيل يعني استنزافاً متواصلاً للمقدرات الأمريكية، واحتمال الانجرار إلى حروب إقليمية، وزيادة التكاليف العسكرية، وتوتراً مع حلفاء آخرين، واستقطاباً داخلياً، وعبئاً سياسياً وأخلاقياً وتآكلاً في المصداقية وتشكيكاً في الموثوقية فمن الطبيعي أن تُعاد مراجعة جدواه، وهذه مراجعة براغماتية تتعلق بالمصالح الأميركية العليا.
قد يكون من أخطاء إسرائيل الاستراتيجية التعويل الدائم على إمكان تعويض تراجع دعم الشباب واليسار عبر تحالف أوثق مع اليمين، قد ينجح ذلك مؤقتاً، لكنه لا يعالج تبدل الأجيال ومصادر المعلومات وأولويات الناخبين، فالأميركيون الأصغر سناً لا يتلقون روايتهم عن الصراع من وسائل الإعلام التقليدية التي تخضع لإسرائيل واللوبيات الداعمة لها وتتبنى روايتها الزائفة منذ عقود، بل يستقون معلوماتهم من شبكات التواصل الاجتماعي والصور الحية من الميدان مباشرة والتجارب السياسية التي ارتبطت بالحرب على قطاع غزة.
آخر الكلام:
التحالفات لا تُصان بالأسلحة والمعاهدات فحسب؛ إنها تعيش أيضاً في ذاكرات الدول، وما تخسره دولة في وعي جيل كامل قد يكون أخطر بكثير مما تخسره في معركة عسكرية.
السؤال الواقعي ستتخلى الولايات المتحدة عن إسرائيل؟ فالإجابة الواقعية المرجحة، في المستقبل المنظور، هي “لا” كون الجيل الحاكم في واشنطن هو الجيل الذي تعرض لغسل الدماغ أو السيطرة أو الابتزاز بأي طريقة كانت، ولكن السؤال المنطقي الأدق هو، هل ستظل إسرائيل تتمتع بالمكانة الاستثنائية التي تجعل دعمها غير المشروط خارج نطاق المساءلة السياسية الأميركية؟، في ضوء التحولات داخل المجتمع الأمريكي ووفقاً لآلية تبدل الأجيال الجواب المنطقي أيضاً “لا”.
الجدار الأميركي الذي أحاط بإسرائيل لم يسقط، لكنه تصدع، وإذا اتسعت هذه التصدعات، فقد لا يكون السؤال في واشنطن: كيف نحمي إسرائيل؟ بل، كم سيكلّفنا ذلك..؟؟؟
د. سمير الددا



.jpeg)

.jpeg)