
يكشف القانون المعدل للنظام الأساسي لضباط الجيش العامل والاحتياط؟ والذي صادق عليه البرلمان أمس، عن توجه واضح نحو إعادة ضبط العلاقة بين المؤسسة العسكرية وأفرادها، ليس فقط أثناء الخدمة، بل حتى بعد مغادرتها. فالنص لا يكتفي بمراجعة الرتب وآليات التقدم، بل يوسع دائرة الالتزامات المفروضة على الضباط، خصوصا في ما يتعلق بواجب التحفظ، حفظ السر المهني، ومنع الانخراط في النشاط السياسي أو التعليق العلني على القضايا العسكرية والأمنية.
أول ما يلفت الانتباه في القانون هو تأكيده أن الرتبة “ملك للضابط”، ولا يمكن أن يفقدها إلا في حالات محددة، من بينها الاستقالة المقبولة من رئيس الجمهورية، فقدان الجنسية بحكم قضائي، الإدانة التي تؤدي إلى فقدان الرتبة، أو الهروب من الخدمة، حيث يفقد الضابط الهارب رتبته تلقائيا ويحال ملفه إلى العدالة. بهذا المعنى، يجمع النص بين حماية رمزية الرتبة العسكرية وتشديد العقوبة في حالات الإخلال الجسيم بالواجب العسكري.
أما على مستوى البنية الهرمية، فيعيد المشروع ترتيب تراتبية الضباط داخل القوات المسلحة، مع تفصيل الرتب حسب الإطار العام والأسلاك المتخصصة، مثل المعتمدين والأطباء والصيادلة وجراحي الأسنان والبيطريين والمهندسين. وهذا يعكس توجها نحو إدماج أوضح للتخصصات المهنية داخل البناء العسكري، بدل الاكتفاء بالتصنيف التقليدي للرتب.
لكن البعد الأكثر حساسية في النص يظهر في المادة المتعلقة بالترقية. فالمشروع ينص على أن التقدم يكون “بالاختيار حصريا”، وأن ترقية الضباط الأعلين تتم بمرسوم من رئيس الجمهورية دون اشتراط إدراجهم على لائحة التقدم السنوية، بينما تبقى ترقية باقي فئات الضباط مرتبطة بهذه اللائحة. هذه الصيغة تمنح السلطة التنفيذية هامشا واسعا في إدارة هرم القيادة العليا، وتؤكد الطابع الرئاسي الحاسم في المسار المهني لكبار الضباط.
الأكثر دلالة هو تنظيم وضعية الضباط الأعلين بعد مغادرة الخدمة العاملة. فالمشروع يقسمهم إلى ثلاث فصائل: الخدمة العاملة، الاحتياط، والتقاعد. ويجعل الضابط الأعلى المحال إلى الاحتياط، رغم عودته إلى الحياة المدنية، باقيا تحت تصرف وزير الدفاع أو وزير الداخلية بحسب السلك، وخاضعا لواجب التحفظ وحفظ السر المهني. كما ينص على أن الاحتياط الأول يمتد لخمس سنوات، يليه الاحتياط الثاني مباشرة.
بهذا المعنى، لم تعد مغادرة الخدمة تعني خروجا كاملا من دائرة الالتزام العسكري. فالضابط الأعلى، حتى وهو في الحياة المدنية، يبقى محاطا بقيود قانونية تتعلق بالكلام العلني، المواقف السياسية، وحيازة أو نشر المعلومات. ويذهب المشروع أبعد من ذلك حين ينص على إعادة إدماج الضباط الأعلين الموجودين حاليا في فصيلة التقاعد ضمن فصيلة الاحتياط الثاني بحكم القانون، اعتبارا من تاريخ صدوره.
ويشكل الجزء الجديد المتعلق بواجب التحفظ وحفظ السر المهني جوهر النص. فهو يمنع كل قول أو فعل أو سلوك من شأنه المساس بالانضباط العسكري أو حياد القوات المسلحة أو سمعتها أو سرية مهامها وعملياتها. كما يمنع التعليق العلني على الشؤون العسكرية أو الأمنية، خصوصا عبر وسائل الإعلام أو أي وسيلة نشر أخرى، من دون إذن مسبق.
ولا يتوقف المشروع عند حماية الأسرار العسكرية بالمعنى الضيق، بل يضيف حظرا صريحا على ممارسة أي نشاط سياسي، أو المشاركة في نقاشات سياسية، أو توزيع منشورات ذات طابع سياسي، أو التوقيع على عرائض سياسية، أو جمع أموال لأغراض سياسية. وهذه النقطة قد تفتح نقاشا عاما حول حدود واجب التحفظ، خاصة حين يتعلق الأمر بضباط غادروا الخدمة أو يوجدون في الاحتياط.
ويضع المشروع سلما عقابيا واضحا للمخالفات. فخرق واجب التحفظ أو السر المهني يعتبر خطأ مهنيا جسيما قد يعرّض صاحبه لعقوبات تأديبية، دون استبعاد المتابعات الجزائية. أما الضباط الأعلون الموجودون في الاحتياط، فقد يواجهون سحب الأوسمة والامتيازات أو الإحالة إلى التقاعد، في حين قد يتعرض الضباط المسرحون أو المشطوب عليهم للمتابعة الجزائية إذا خالفوا مقتضيات السر المهني.
سياسيا ومؤسسيا، يبدو المشروع موجها إلى تحصين المؤسسة العسكرية من التسييس ومن النقاش الإعلامي المفتوح، في سياق إقليمي مضطرب تتزايد فيه حساسية الجيوش والأجهزة الأمنية داخل دول الساحل وغرب إفريقيا. لكنه في المقابل يطرح أسئلة حول اتساع بعض العبارات مثل “المساس بسمعة القوات المسلحة” أو “التأثير على الولاء الجمهوري” أو “الإضرار بالروح المعنوية”، وهي عبارات تحتاج إلى ضبط دقيق في التطبيق حتى لا تتحول إلى قيود فضفاضة على التعبير.
الخلاصة أن النص لا يمثل تعديلا إداريا بسيطا لقانون قديم يعود إلى سنة 1964، بل يؤسس لمرحلة قانونية جديدة في علاقة الضابط بالمؤسسة العسكرية، تمتد من الخدمة إلى الاحتياط، وربما إلى ما بعد التسريح. إنه قانون يهدف إلى ضبط الانضباط والسرية والحياد السياسي، لكنه في الوقت نفسه سيحتاج إلى نقاش برلماني وقانوني دقيق حول التوازن بين مقتضيات الأمن العسكري وحقوق الأفراد بعد مغادرتهم الخدمة.



.jpeg)

.jpeg)