محطة انجاكو.. الغاز الموريتاني بين التطوير السعودي والتكنولوجيا الأمريكية والهندسة الصينية

لا تُعد محطة انجاكو الغازية مجرد مشروع لإنتاج الكهرباء. فخلف العقود الموقعة بين الدولة الموريتانية وصوملك وشركة أكوا باور، يبرز أيضًا خيار تكنولوجي استراتيجي، في سوق عالمية يهيمن عليها ثلاثة مزودين كبار: GE Vernova، وSiemens Energy، وMitsubishi Power.

ويتعلق المشروع بمحطة ذات دورة مركبة بقدرة 230 ميغاواط، تعمل بالغاز المستخرج من حقل السلحفاة آحميم الكبير. وفي هذا النوع من المنشآت، يغذي الغاز الطبيعي أولًا توربينًا أو عدة توربينات غازية، ثم تُستعاد حرارة غازات العادم لإنتاج البخار، الذي يشغل بدوره توربينًا بخاريًا إضافيًا. ويتيح هذا المبدأ تحقيق مردودية أعلى مقارنة بمحطات الدورة البسيطة.

وتندرج هذه القراءة التكنولوجية أيضًا ضمن تاريخ أوسع للغاز الموريتاني. فقبل شركة BP وقبل مشروع انجاكو، لعبت الشركة الأمريكية Kosmos Energy دورًا محوريًا في فتح المجال أمام استكشاف الغاز في المياه البحرية الموريتانية، خصوصًا من خلال الاكتشافات التي قادت إلى تطوير حقل السلحفاة آحميم الكبير. ومع مشروع انجاكو، لم يعد الحضور الأمريكي في مرحلة الاستكشاف، بل انتقل إلى أسفل سلسلة القيمة: تحويل الغاز إلى كهرباء.

كما ان التكنولوجيا المرشحة لتجهيز محطة انجاكو ستكون مرتبطة بشركة GE Vernova، الوريثة الأمريكية لأنشطة الطاقة في General Electric. وقد يفسر هذا الخيار جزئيًا الحضور اللافت لممثلي الولايات المتحدة خلال حفل التوقيع. ففي هذا المجال، لا يقتصر دور مزود التوربينات على تسليم آلة فحسب، بل يشمل أيضًا أنظمة التحكم، وضمانات الأداء، والصيانة طويلة الأمد، وجزءًا من المصداقية المصرفية للمشروع.

وعلى سبيل المقارنة، فإن بعض توربينات القدرة المتوسطة التابعة لـ GE Vernova، مثل توربين 6F.03، صُممت لتناسب محطات متوسطة الحجم. ويبلغ إنتاج هذا التوربين نحو 88 ميغاواط في الدورة البسيطة، ويمكن أن يصل إلى 272 ميغاواط في صيغة 2x1 بالدورة المركبة، مع مردودية تفوق 57%. وهذا النوع من الهندسة التقنية يبدو منسجمًا مع محطة معلنة بقدرة 230 ميغاواط، رغم أن النموذج الدقيق الذي سيُعتمد في انجاكو يبقى بحاجة إلى تأكيد من الوثائق الفنية للمشروع.

وتزداد أهمية الخيار التكنولوجي بالنظر إلى أن GE Vernova تواجه منافسين رئيسيين. فشركة Siemens Energy تعرض توربيناتها من فئة HL، القادرة على تجاوز مردودية 64% في الدورة المركبة بالنسبة للوحدات الكبيرة. أما Mitsubishi Power، من خلال توربيناتها JAC، فتتموقع هي الأخرى في مجال المحطات عالية المردودية، بما يتجاوز 64%. لذلك لا تقتصر المنافسة على السعر، بل تشمل المردودية، والتوفر التشغيلي، وآجال التسليم، والصيانة، والقدرة على العمل في بيئات صعبة.

وتعرف أكوا باور جيدًا منظومة GE Vernova. ففي المملكة العربية السعودية، ترتبط المجموعة السعودية بمشاريع محطات غازية توفر فيها GE Vernova التوربينات وخدمات الصيانة طويلة الأمد. وقد تكون هذه التجربة عاملًا مؤثرًا في هيكلة المشروع الموريتاني.

كما يفسر ذلك أيضًا الحضور الصيني في حفل التوقيع. حيث يُنتظر أن تتدخل شركة صينية في جزء من مكون الهندسة. وهذا النموذج منسجم مع ممارسات القطاع، حيث يمكن لمطور مثل أكوا باور أن يتولى قيادة المشروع، فيما يوفر مزود أمريكي التكنولوجيا الرئيسية، بينما يشارك فاعل صيني في الهندسة أو عقود EPC أو التنفيذ الفني.

وبذلك يقوم مشروع انجاكو على أربعة مستويات: الغاز الموريتاني، والتطوير السعودي، وتكنولوجيا أمريكية محتملة، ومساهمة صينية في الجانب الهندسي.

ويبقى الرهان الحقيقي الآن في تفاصيل التنفيذ: نموذج التوربين الذي سيُعتمد، وعقد الصيانة، وضمانات المردودية، وجدول دخول المحطة في الخدمة، والكلفة الحقيقية للكيلوواط/ساعة، ومدى نقل الكفاءات فعليًا إلى الفرق الموريتانية.

 

خميس, 02/07/2026 - 10:19