
عادت من بوسطن ويداها ممتلئتان بورق مصقول. واحد وعشرون يوماً. ليست أطروحة، ولا ماجستير، ولا ماجستيراً في إدارة الأعمال. مجرد شهادة حضور، ضمن برنامج قصير في كلية هارفارد للأعمال.
ثم قيل لنا: “هذه شهادة من هارفارد”.
جاء القول على لسان وزيرة سابقة. وتحولت الورقة الكرتونية إلى أيقونة. أُطّرت، ورُفعت، ووُضعت فوق الرؤوس، كما توضع الذخائر المقدسة.
هكذا تولد موضة جوائز الاستيراد. شهادة من السوربون. ختم من أكسفورد. شعار كلية هارفارد للأعمال. تُجمع، وتُعرض، ويُستدعى بها كما لو كانت رتباً علمية. مع أن كل جامعي يعرف المسافة التي تفصل بين واحد وعشرين يوماً وعقد كامل من الجهد، والليالي البيضاء، ولجان المناقشة القاسية.
إنه تدنيس.
تدنيس لذكاء الشعب. وتدنيس لآلاف الطلاب الموريتانيين الذين ينهكون أنفسهم بين نواكشوط وداكار وتونس وباريس من أجل انتزاع شهادة حقيقية. وتدنيس لأولئك الذين يحكمون دون لافتات، لكن بخبرة السنين، واستقامة الفعل، ودقة الحساب.
مدرسة الحياة لا تمنح شهادات.
إنها تنقش.
لا تقدم شعاراً يُعلّق على الجدار. بل تترك ندوباً على اليدين، وضوءاً في النظرة. إنها تعلم أن تسيير وزارة ليس تدريباً قصيراً، وأن الميزانية لا تُروّض بحفنة من الندوات.
نحن نعيش مسرحاً مفتوحاً على الهواء. الخشبة مليئة بالإخفاقات، لكن السيرة الذاتية مضاءة. الأوراق الكرتونية تُحدث ضجيجاً كبيراً، بينما تقف الكفاءة في صمت، منتصبة في الظل.
أما أنا، كاتب هذه السطور، فلدي أكثر من ست شهادات من جامعات فرنسية مرموقة. ولم أُحدث بها ضجيجاً قط. لأن المعرفة لا تحتاج إلى طبول. فالاستحقاق يصمت حين يصرخ الفراغ.
في اليوم الذي نتوقف فيه عن الخلط بين اللافتة والعمل، سيتنفس البلد. وإلى ذلك الحين، يواصل السخف استعراضه. وهو لا يموت



.jpeg)

.jpeg)